يوميّات صرصور
اليوم الثامن
كانت ليلتي مريحة فالنوم تحت السجادة كان أكثر دفئاً وقلت كيف لم أفطن لمثل هذا قبل اليوم, فلم أحاول الانتقال من مكان إلى آخر لاختبار أفضل الأماكن التي أرتاح فيها بشكل أفضل. لم يعد لي صبر على الانتظار إلى أن يغادر الرجل الدار فخرجت بكلّ جرأة وبدأت في التوجّه على المطبخ وما أن وصلت إليه وصرت بداخله حتى صعدت على الفور إلى أعلى الطاولة للبحث عمّا يمكن أن أجده من طعام فمنذ أن قدمت هذه المرأة إلى هذا البيت, ومن خلال عملية التنظيف المستمرّة التي تقوم بها, وعدم تركها للصحون متّسخة ملقاة هنا وهناك, إذ هي تقوم بمسحها ممّا تبقّى من طعام بشكل جيّد وترمي بها في سطل الزبالة الذي صار محكم الإقفال بعد قدومها, بدأت أشعر بالضيق وكأنها تتعمّد شنّ حرب مقصودة عليّ أو ضرب حصار محكم.
لم أكن أعلم أن الزوج غادر البيت لأنّها أفاقت في الصباح وقدمت إلى المطبخ بمفردها وما أن جلست على الكرسي الذي كنتُ متسلّقاً ساقه حتى أسرعت في الدخول إلى داخل فتحة البيجامة من عند الرجل وبدأت أعضّ جسدها فهبّت مذعورة وهي تصرخ وتحاول الهرب إلاّ أنّي بقيت في داخل ثيابها ولم أغادرها وأنا أتحرّك صاعداً ونازلا مسبباً لها آلاماً وهلعاً عظيماً, فما كان منها إلاّ أن بدأت بقلع البيجامة وكنت قد أسرعت على الانتقال إلى موضع آخر تحت ثيابها الداخلية ولم تتمكن من التخلص منّي إلاّ بعد أن قلعت عنها جميع ثيابها وأسرعت إلى غرفة الحمّام وأقفلت الباب وراءها وهي تصرخ وتولول وتبكي بصوت عالٍ.
مكثت خارجاً بالقرب من باب الحمّام لأني أدركتُ جبنها وهلعها الشديد وقلت إنها عاجزة عن مقاومتي لذا سوف أغتنم الفرصة لألقّنها الدرس المفيد, وكانت بين الفينة والأخرى تحاول فتح الباب بشكل يسمح لها بالنظر والتأكد من هروبي فكنت لها بالمرصاد, فلم أتحرك من موضعي بل كنتُ أنظر إليها كلّما حاولت النظر من فتحة ضيّقة للباب أشعرها بأني سأهجم عليها فتسرع في خبط الباب وإغلاقه وهكذا تركتها بداخل الحمّام إلى أن دقّ جرس الباب وهو موعد قدوم الزوج.
دقّ الزوج الجرس مرّة ومرّتين وثلاث مرّات وكلّما كانت تحاول فتح الباب لتطلّ برأسها وتنظر كنت لا أزال موجوداً فهي لم تجرؤ على مغادرة الحمّام لفتح الباب لزوجها. وعندما لم يفتح له أحد بدأ يدير المفتاح داخل قفل الباب ليفتحه فهربتُ على التو واختفيت في موضع قريب من النافذة لأنجو بنفسي متى ضاقت عليّ السبل, فهي ستحدّثه عن كلّ شيء وسيحاول اصطيادي والقضاء عليّ, وعلى ما أعتقد, فإن الزوجة ستقول له: إمّا أنا في هذا البيت أو هذا الصرصور الخبيث الذي أدخل الذعر إلى قلبي وصلبني طول الوقت بداخل الحمّام ومتى بقيت معه بمفردي فإنّي سأموت من الخوف!
لا تعرفون كم كانت فرحتي كبيرة وأنا أجعلها تشعر بضعفها وتعلن عن عجزها وتذهب لتخفي نفسها هرباً مني في الحمّام! كان الأمر مضحكاً بعض الشيء وقد ضحكت عليها كثيراً وأنا أتأمل الرعب البادي عليها والرجفة التي أصابت يديها ورجليها عندما دخلت في فردة رجل البيجامة التي كانت ترتديها, وكيف كانت تسرع في قلع ملابسها عنها بطريقة غريبة ومثيرة للضحك للتخلّص منها ومنّي, لكنّي بدأت أفكّر في عاقبة الأمر فقد ينطبق عليّ المثل القائل "وعلى نفسها جنتْ براقش" وهيّأت نفسي للهرب عملا بالقول القائل:
+++
وفي الهيجاءِ ما جرّبتُ نفسي
ولكنْ في الهزيمةِ كالغزالِ
وبالطبع ليس عيباً أن يخشى المرء ويتحسّب لعاقبة وخيمة قد تقع له, لهذا أدركتُ أنني استعجلتُ فيما قمت به وأنّه كان بالامكان لعب دور غير هذا وبكثير من الذكاء وليس بهذه الحماقة! لكن الذي حصل, حصل وليس بنافع أيّ ندم والذي ينفع هو التفكير في طريقة تجعلني أنجو من القصاص الذي سيكون قاسياً.
دخل الزوج وهو ينادي على زوجته وحين سمعتْ صوته تملّكتها بعض الجرأة ففتحت شقّ الباب أكثر ممّا كانت تفعل معي وقبل قدوم زوجها, وما أن رأته حتى أجهشت بالبكاء الشديد فذعر وركض إليها ليراها على ما هي عليه وسألها عن أسباب وجودها هكذا عارية في الحمّام؟ فقالت له إنها قصة طويلة وسأحكيها لك في الحال, لكن اصبر عليّ حتى أجمع إليّ شيئاً من رباطة جأشي وأستعيد بعض هدوئي, فالأمر غير محتمل وكدتُ أموت من شدّة الخوف. كنت أظنّ أنه كان صرصوراً واحداً فقط في هذا البيت وقد تخلّصنا منه في اليومين الماضيين والذي تبيّن لي أنه يوجد أكثر من صرصور فيه!
حاول الزوج تهدئتها فضمّها إلى صدره وبدأ يحنو عليها ويمسّد شعرها ويلاطفها بعبارات ناعمة واعداً إياها بأن اليوم سيكون آخر يوم في عمر جميع الصراصير التي تقيم في هذا البيت, وقال: يا حياتي إنّ علبة البخ قد فرغت وانتظريني لأذهب على الفور إلى الصيدلية مسافة ربع ساعة زمن وأعود جالبة واحدة أخرى! فقالت (وهي تمسك به ملتصقة وهي تشدّه إليها): لا والله لن تذهب وتتركني بمفردي مرة أخرى مع هذا الصرصور المجنون. إني سأذهب معك! فقال لها: لا عليك البسي ثيابك وإني بانتظارك! خرج الاثنان لشراء المبيد فقلت لنفسي: يا رجل لم يبق لك رزق في هذا البيت! والذي فعلته مع هذه المرأة هذا اليوم, لا يفعله المجانين! نظرت إلى أركان البيت حزيناً وأنا اودّع ذكريات كان فيها الفرح وكان فيها الحزن في هذه الدار وعلمت أن قدوم هذه المرأة كان كارثة حلّت فوق رأسي ولم يعد لبقائي هنا من مبرّر أو سبب, هذا إذا رغبتُ في الحياة, وأنا لا أنكر أننّي أحبّ الحياة كثيراً, فأنا جبان بعض الشيء! هذا من جهة ومن جهة أخرى عليّ أن أنتقم من بني البشر لما فعلوه معي وما يفعلونه مع أبناء جلدتي من الصراصير وإلى غد ويومية أخرى بااااي
التوقيع
صرصور
__________________
بشيم آبو و آبرو روحو حايو قاديشو حا دالوهو شاريرو آمين
im Namen des Vaters
und des Sohnes
und des Heiligengeistes amen
بسم الآب والأبن والروح القدس إله واحد آمين