يوميّات صرصور
اليوم العاشر
عثرتُ على ما سدّ معدتي وشبعت ولم ألحظ نفسي إلا وصعدت إلى داخل كيس كان يحمله أحد الرجال الجالسين على قارعة الطريق وذهبت في غفوة أحسست بعد قليل كأن شيئاً يذهب بي إلى جهة اليمين واليسار كمن يوجد في سرير يهزّه أحد الناس فحاولت الصعود إلى أعلى الكيس لرؤية أين أنا؟ ومعرفة حقيقة الوضع. فرأيت ذلك الرجل يسير بي وأنا بداخل الكيس المحمول على كتفه وخشيت من الهرب والسقوط ممّا سيصيبني بالأذى وتذكّرت صرصورتي وما جرى معها فلم أجرؤ على الإقدام على تلك الخطوة وقلت سأنتظر إلى أن يصل الرجل الدار وهذا سيكون أفضل لي من العيش خارجاً وفي هذا البرد القارس.
لم يمض وقت قصير حتى وصل الرجل بيتاً في وسط البلدة وقام بفتح الباب والدخول إليه وما أن وضع الكيس على الأرض وذهب بعيداً لينادي زوجته حتى خرجت بسرعة البرق ودون أن أدع أحداً يراني وقمت بتنظيف نفسي لأننا معشر الصراصير عندما يلامسنا البشر فإنه علينا أن نقوم بعملية تنظيف لجميع جسدنا هذا ما تعلّمناه من آبائنا وأجدانا, وأرجو ألا يفهم البشر منّا هذا على أنّ إهانة لهم فيه, فهم يقولون عنّا ما يشاءون من عبارات القدح والذمّ والشّتم بداعٍ وبدون داعٍ, فيما نحن لا نقول عنهم مثل ذلك.
أخفيت نفسي في زاوية منزوية وقلت أحدّث ذاتي عليك هذه المرّة أن تستفيد من أخطائك الماضية وألا تسعى إلى التسبّب في أيّة أذية لنفسك أنت في غنىً عنها, لذا عليّ أن أنتظر وأدقّق وأتحرّى فالبيت جديد بالنسب إليّ. لا أعرف عنه أيّ شيء لا عدد الغرف أو توزّعها ولا عدد السكان المقيمين فيه ولهذا فالحيطة والحذر واجبتان وقد قيل "في العجلة الندامة وفي التأني السلامة" وأنا لست من أنصار العجلة على الإطلاق.
رأيت بعد قليل أنّ هذا الرجل قد جاء بزوجته وابنه وفتحوا الكيس وبدأ كلّ يمدّ يده ليأكل ما يتوفّر له, وأدركت بأن هذه العائلة فقيرة بل معدمة وهي لا تجد ما تأكله فكيف سيسامحني ضميري إن أنا أشاركهم طعامهم القليل هذا! وخاصة أن هذا الرجل المسكين قد أمضى ساعات من العمل خارج البيت حتى جاء لهم بهذا الأكل القليل والمتواضع فحنّ قلبي على وضعهم وتألمت أشدّ الألم وقلت: إنّي لن أبيت هذه الليلة هنا, لأني أعرف معدتي المريضة والتي تشتهي الكثير فهي إن طالبتني بما ترغب فيه فعليّ أن أخون ضميري وأقوم بإسكاتها في سرقة طعام ما من هنا وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك عليّ أن أذهب إلى مكان آخر يكون فيه الخير كثيراً ويكفي لي ولأصحاب البيت.
صار الوقت متأخراً وقلت إلى أين يا رجل في هذا الليل؟ نم هنا والصّباح رباح! وبعد أخذ وردّ بين عاطفتي وقلبي وعقلي قرّرتُ البقاء هذه الليلة هنا ولكني اشترطتُ على معدتي ألا تطالبني بما لا أرغب فيه وهو خديعة ضميري والتخلّي عن مشاعر الوفاء والصدق في التعامل مع الآخرين وبالتالي كسر يميني والحنث به وهو ما لا أريده, وكما قلت في إحدى يوميّاتي السّابقة: إني لست شرّيراً وأعرف أن عليّ واجبات ولي حقوق لكن شريطة ألا تتعدّى على حقوق الآخرين وهي تبدأ عندما تنتهي حرية الآخرين وهكذا يعيش الجميع بأمن وسلام. لا خلافات ولا خصومات أوتعدّيات! كان هذا قراري الأخير في أن أظلّ هنا الليلة وفي الغد وقبل أن يستيقظ أهل الدار أغادر إلى جهة أخرى أفضل لي ولأهلها.
يتبع...
__________________
بشيم آبو و آبرو روحو حايو قاديشو حا دالوهو شاريرو آمين
im Namen des Vaters
und des Sohnes
und des Heiligengeistes amen
بسم الآب والأبن والروح القدس إله واحد آمين