يوميّات صرصور
اليوم الحادي عشر
تأثّرتُ لوضع هذه الأسرة الفقيرة بشكل كبير وتمنّيتُ لو كان لي بدنٌ قويّ أستطيع به أن أذهب إلى دور أحد جيرانهم الأغنياء وأسرق لهم ما يكفيهم, أو أن أقوم بأية خدمة من أجلهم أحسّ من خلالها أني مرتاح الضمير. إنّ جسدي الصغير والضعيف لا يعينني على القيام بمثل هذه الأعمال فهو ليس بقادر على حمل رغيف من الخبز لهم. إني ارتحت على الأقل لكوني أحسستُ على الأقل بما يعيشه مثل هؤلاء الفقراء البائسون, بما هم عليه من فقر مدقع وبما ينتابهم من إحساس بالمرارة والفاقة التي تخذلهم وتجعل أحلامهم في مهب الريح وأمانيهم على ظهر كلاب الصيد السلوقيّة.
قلت في نفسي فعلا ليس كلّ البشر سواء أو سواسية فهناك منهم الغني ومنهم الفقير ومنهم الفقير المدقع الذي لا يكاد يلقى شيئاً يسد به جوعه, كما أن خناك الجيّد منهم والذي يعين غيره ومنهم من هو صاحب قلب قاسٍ لا همّ له سوى المزيد من الجشع والاستغلال ولا يهمّه إن مات هؤلاء أم بقوا أحياء. إنّ شأنهم مثل شأننا فنحن أيضاً فينا أنواع مختلفة إذ توجد عائلات من الصراصير تعيش في نعيم بيوت أصحابها أغنياء ويتوفّر لهم كل شيء فيما عائلات أخرى من الصراصير مثلي تحصل على ما تحتاجه بشقّ النفس وطلوع الروح.
معظم مجموعاتنا الصرصوريّة تقيم بالقرب من مراكز القمامة وهي تنال حاجتها من الأكل, كما توجد تجمّعات أخرى في المستودعات المملوءة بأكياس القطن أو الحبوب وهي قليلة الحركة البشرية إليها, كما أن المطابخ هي وجهة نظر أغلبنا لأنها تحوي الكثير من الأطعمة وبقاياها وهي دائمة التواجد بحكم ضرورة الطبخ فيها والأكل.
حملتُ نفسي منذ الصّباح الباكر – وأنا تراودني مثل هذه الأفكار والخواطر وتتقاذفني مثل تلك الأمواج من الخزن الشديد على هذه الأسرة ومن هو في وضعها – وغادرت تاركاً مأساتهم خلف ظهري لأنطلق إلى عالم جديد وغريب لا أعرف عنه شيئاً ربمّا يكون وضعاً أيسر من الوضع الذي أعيش فيه الآن. سرتُ وسرتُ حتى تعبت رجلاي إلى أن دخلتُ وسط المدينة واخترت أكبر بناية فيها فعبرتها ولدى عبوري إليها عرفت أنها مستشفى فسررت لذلك وقلت إنها نعمة من السماء ففي المستشفى يجد المرء كفايته للعيش بل ولأيام كثيرة وطويلة. وقلت لاشك أنها أفضل مكان لصرصور مثلي يبحث عن رزقه وسيكون الرزق هنا نظيفاً وطازجاً لكون الوجبات المقدمة للمرضى والمقيمين هنا هي يومية وعلى ثلاثة دفعات منتظمة كالعادة صباحاً وظهراً ومساءً.
فور عبوري توجّهت إلى المطبخ وبعد بحث واستقصاء وجدت طريقي إليه وما أن عبرته حتى وجدت مجموعة من الصراصير ففرحت كثيراً وقلت وأحيراً وجدت من أتسلّى معه فتقدمت منه لتحيّتهم وبدل أن يردوا على تحيّتي هجموا عليّ دفعة واحدة وانهالوا بالضرب المبرح الذي لا يعرف شفقة ولا رحمة, بدأت أصرخ وأستغيث وأستفسر عن سبب هذا التعدي والهجوم عليّ! فأنا لم أتصرّف حيالهم بما يثير غضبهم وكنت مرحاً ومؤدّباً جداً لدى تحيتي لهم. ماذا جرى؟ لم يتركوني وزاد الضرب عليّ من كلّ جهة فناديت: لا عليكم ! إني سأعود من حيث أتيت إن كان وجودي بينكم هو السبب لهذا الغضب. عندما سمعوا مني هذا الكلام وكانزا قد أذاقوني الويل فلم أعد أحس بشيء من شدّة الوجع, حيث غوت لا أعرف يميني من يساري ولا رأسي من رجلي. كنت أعتقد أن بني البشر وحدهم يمارسون التعدي والاعتداء على الغير تأكدت بعد الذي جرى أنها صفة يشترك فيها كل مخلوقات الله.
حاولت عدّة مرّات أن أتكلّم بلين ولغة هادئة حزينة لأنال منهم عطفاً ورحمة غير أني كنت أفشل في كل مرّة. تقدّم أحدهم إليّ ويبدو من الاحترام الذي لقيه منهم وهو يقوم من موضعه ويتوجه إلي أنه الزعيم هنا. جاء إليّ وهو يقول: أنظر هذا كان عبارة عن درس بسيط أو ما يسمّى في لغة المطاعم التي نعرفها نحن معشر الصراصير بأنها (دوسير) فمتى أردت البقاء على قيد الحياة عليك المغادرة من هنا فوراً وإلا فإني أوعزت إلى رجالي بأن الدرس القاني سيكون فيه بعض النحو والقواعد التي تعلّمك الأدب والاحترام. فقلتُ له على الفور: لالالالا أرجوك لا تقل لهم ولا شيء إني (سأفرنقع) من هنا بسرعة. لا عليك!
كان التعب قد أخذ منّي كلّ مأخذ والجروح التي تسببوا لي بها لن تندمل لزمن طويل وبات كل موضع من بدني يؤلمني وكأن عظامي نمّ دقّها في جرن (السّليقة) غادرت المستشفى وأنا أبكي حظي العاثر وألعن الزمن الذي فعل بي كلّ هذا. كنت أحياناً ألوم الزمان وأحياناً الغير وأخرى نفسي وحظي العاثر وسوء تصرّفي الأحمق الذي جلب على رأسي كلّ هذه المتاعب وصرت أنشد مع بكائي على نفسي:
يا تعتيرك يا صرصور
حظّك المفشكل بيدور
ألله يعينك شو قتله
خلّت دمّاتك تتفور.
شفت المشفى دخلتلاّ
ولمّا فتّا فرحتلاّ
قلتو نيّالك هَونه
حلوه القعده يا دلاّ.
ما كانت ساعة تمضي
ورحتو الدّخله تا إمضي
من عند المختار الهون
ما تعرّفتو عل بعضي.
يخرب بيتن شوكفّار
كل واحد متل المغوار
يضرب ويكسّر فيني
القتله ما يحملها حمار.
قالوا لازم أفرقهنْ
وفوراً وحدن إتركهنْ
بكيتو لمّا حاكوني
وقالولي ماني منهنْ.
هادا حالك يا صرصورْ
دمعك مقهور ومغمورْ
ضلّك ماشي عا مهلك
يا ضيعانك يا صرصورْ.
وبكلّ حزن أقول ربّما أكفّ عن كتابة يوميّاتي لأني بدأت أتألم من هذا العالم وما يجري فيه, وخاصة لما لقيته من أبناء جنسي من سوء معاملة ووحشيّة. إنّه بات من الصعب عليّ الاستمرار في كتابة مشاعري وأحاسيسي بالتعبير عنها لأنه لا تقدير للمشاعر والأحاسيس في هذا العالم الذي بات ضحية المصالح والتنافس والتصارع على المكاسب والمغانم. إني لو أستمرّ في كتابة المزيد من يوميات بؤسي في هذا العالم فإني سأفضح ما فيه من وجوه الخسّة والدناءة ولكي لا أوعج الناس مني ولكي أبقى وفيّاً لمبادئي في حرية التعبير فالسكوت سيكون في مثل هذه الحال من ذهب ولا يهمّ أن يكون من عيار 14 أو 18 أو 21 أو 24 فالكلّ واحد لطالما قيمة المخلوق لم يعد لها احترام وهي تهان ويداس عليها ولا يحقّ الاعتراض على مظالم الدهر.
العدل بات كلمة مطّاطة والرحمة قلّما تجدها في عصر المنافع وعبودية المال دعني - يا عزيزي القارئ الذي استمتعت بيومياتي على مرّ الأيام العشرة الماضية – أحمل صلیب آلامي لوحدي في هذا العالم الذي بتّ أخجل من انتمائي إليه فهو قائم على المزيد من الجشع والظلم والنفاق. أقل ما يمكن قوله أنني منسجم مع ذاتي وأنا حزين لأني لن أتمكّن من كتابة المزيد من اليوميّات وأعدك بأنه متى تغيّر هذا العالم وصار أفضل ممّا هو عليه الآن فإنّني سأعود لكتابة يوميّاتي من جديد, لأني حينها سأكون سعيداً بزوال الظلم والتعدّي والجشع والحروب والكراهية والاستغلال عن وجه الجمال في هذا العالم وإلى غير رجعة لكني على الرغم من كلّ شيء فإني سأقول لك وكما قلت منذ اليوم الأول بااااااي.
توقيع
صرصور
__________________
بشيم آبو و آبرو روحو حايو قاديشو حا دالوهو شاريرو آمين
im Namen des Vaters
und des Sohnes
und des Heiligengeistes amen
بسم الآب والأبن والروح القدس إله واحد آمين