عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 12:12 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,375
افتراضي هل بدأت ساعة إسقاط النظام الإيراني من الداخل؟ بقلم الباحث فؤاد زاديكي ما يجري داخل

هل بدأت ساعة إسقاط النظام الإيراني من الداخل؟

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

ما يجري داخل إيران لم يعد يبدو مجرّد احتجاجات متفرقة أو عمليات أمنية محدودة يمكن لطهران احتواؤها بالوسائل التقليدية، بل إنّ تزامن التطورات الداخلية مع التصعيد الإقليمي والدولي يطرح سؤالًا أكبر بكثير: هل بدأت إيران تدخل بالفعل مرحلة جديدة يصبح فيها تغيير النظام احتمالًا واقعيًّا، وليس مجرّد شعار ترفعه المعارضة أو هدفًا تتحدّث عنه بعض الدوائر الإسرائيلية والأمريكية؟
خلال السنوات الماضية أثبت النظام الإيراني قدرته على قمع الاحتجاجات الشعبية مهما بلغ حجمها، كما أثبتت أجهزته الأمنية قدرتها على ملاحقة الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية. لكن ما يختلف اليوم، إذا صحّت التقارير المتداولة عن اتساع رقعة العمليات المسلحة ضد الشرطة والباسيج والحرس الثوري، هو احتمال اجتماع عوامل كانت تظهر في السابق بصورة منفصلة: غضب شعبي واسع، نشاط مُسلّح في الأطراف، استهداف متكرّر للمؤسسات الأمنية والعسكرية، وضغط خارجي يمكن أن يتحوّل في أيّ لحظة إلى مواجهة مباشرة.
وهنا تكمن خطورة المشهد. فالاحتجاج الشعبي وحده لا يعني سقوط النظام، والعمل المسلّح وحده لا يعني انهيار الدولة، والضربات الخارجية وحدها لا تعني بالضرورة تغيير السلطة. لكن اجتماع هذه العوامل في توقيت واحد يمكن أن ينتج معادلة مختلفة تمامًا. الدولة التي تستطيع احتواء احتجاج واحد قد تجد صعوبة أكبر عندما تضطر في الوقت نفسه إلى حماية منشآتها العسكرية، وملاحقة خلايا مسلحة، وضبط حدودها، والسيطرة على الشارع، والتعامل مع ضربات خارجية، ومنع ظهور تصدعات داخل مؤسساتها الأمنية. إذا كانت التقارير التي تتحدّث عن نشاط مسلح في مناطق متعددة من إيران دقيقة، فإنّ المسألة لا تتعلُق فقط بعدد العمليات أو حجم الخسائر، وإنّما بقدرة هذه العمليات على استنزاف الدولة وإجبارها على توزيع قوّتها على جبهات متعدّدة. فالقوّة الأمنية لا تُقاس فقط بقدرتها على تنفيذ الاعتقالات، وإنّما أيضًا بقُدرتها على حماية نفسها. وعندما يصبح رجال الشرطة والحرس الثوري والباسيج أهدافًا مُتكرّرة للهجمات، فإنّ الرسالة تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة إلى ضرب صورة المؤسسة التي يفترض أن تكون صاحبة السيطرة المطلقة، وهذه الصورة بالذات تمثّل أحد أعمدة بقاء النظام الإيراني.
لقد قامت الجمهورية الإسلامية طوال عقود على معادلة بسيطة: الدولة تملك القوة، والقوة تملك القدرة على فرض الخوف، والخوف يمنع تحوّل الغضب الشعبي إلى تهديد وُجودي للنظام. لكن ماذا يحدث إذا بدأ المواطن يرى أنّ أجهزة الدولة نفسها يمكن الوصول إليها واستهدافها؟ وماذا يحدث إذا بدأ عناصر الأمن يشعرون بأن؟هم لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم حتى داخل مناطق يفترض أنّها خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة؟ هنا تبدأ الحرب النفسية التي قد تكون أخطر من المعركة العسكرية نفسها. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل بلوشستان والمناطق الكردية. فهذه المناطق تحمل تاريخًا طويلًا من الصراع مع السلطة المركزية، وتوجد فيها قوى مسلحة تمتلك خبرة ميدانية وشبكات محلّية، فضلًا عن وجود حالة من التوتر السياسي والاجتماعي المزمن. وإذا تزامن النشاط المسلح فيها مع احتجاجات شعبية واسعة في مدن أخرى، فإنّ النظام يصبح أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد: كلّما نقل قواته إلى الأطراف، ظهرت ثغرات في الداخل، وكلُما ركّز على المدن، أتِيح للمسلحين هامش أكبر للحركة في المناطق الحدودية. لكن الأخطر من ذلك كلّه هو احتمال التقاء الشارع بالبندقية.
فالاحتجاجات يمكن للنظام مواجهتها بالقمع والاعتقالات وقطع الإنترنت، والجماعات المسلحة يمكنه ملاحقتها بالعمليات الأمنية والعسكرية، لكن عندما يتزامن الحراك الشعبي مع نشاط مسلح واسع، تصبح الدولة أمام أزمة مختلفة: ليست أزمة احتجاج يمكن تفكيكه، ولا أزمة تمرّد مسلح يمكن عزله، وإنّما أزمة متعدّدة المستويات قد تضرب قدرة النظام على السيطرة في وقت واحد. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الدور الإسرائيلي والأمريكي، ولكن بعيدًا عن المبالغات التي تحوّل كلُ حادثة داخل إيران إلى دليل على وجود غرفة عمليات خارجية واحدة. من المؤكّد أنّ إسرائيل والولايات المتحدة تنظران إلى النظام الإيراني باعتباره خصمًا استراتيجيًّا، ومن الطبيعي أن تبحثا عن وسائل لإضعاف قدراته العسكرية والأمنية. كما أنّ الدعوات أو التصريحات التي تتحدّث عن تغيير النظام الإيراني تفرض نفسها على أيّ تحليل جدي للمشهد. لكن الانتقال من وجود مصلحة استراتيجية في إضعاف النظام إلى الجزم بوجود خطة سرية متكاملة لتفجير انتفاضة مسلحة من الداخل يحتاج إلى أدلة مباشرة لا يُمكن افتراضها. ومع ذلك، فإنّ غياب الدليل العلني لا يعني أنّ احتمال وجود دعم استخباراتي أو لوجستي لبعض القوى المعارضة يجب استبعاده تلقائيًّا. الدول في الصراعات الكبرى تستخدم عادة وسائل متعدّدة، علنية وسرّية، لتحقيق أهدافها. ولذلك فإنّ السؤال الأكثر واقعية ليس هل توجد يد خارجية أم لا، وإنّما إلى أيّ مدى يمكن أن تتقاطع المصالح الخارجية مع ديناميات داخلية حقيقية موجودة أصلًا.
وهذه نقطة جوهرية، لأنّ أيّ قو؟ة خارجية تستطيع استغلال أزمة داخلية، لكنّها لا تستطيع بسهولة اختراع أزمة من العدم. فإذا كان هناك بالفعل غضب شعبي، وقمع سابق، واحتقان قومي ومذهبي، ونشاط مسلح، وأزمة اقتصادية، وتراجع في الثقة بالنظام، فإن التدخل الخارجي لا يصنع الأزمة بقدر ما يستطيع تضخيمها وتسريعها. وفي حال تعرّض إيران لضربات أمريكية أو إسرائيلية واسعة، فإنّ السؤال يُصبح أكثر حساسية. فالضربات الخارجية قد تُضعف بعض القدرات العسكرية، لكنّها قد تؤدي أيضًا إلى التفاف شعبي حول السلطة إذا شعر الإيرانيون بأنّ البلاد تتعرض لهجوم خارجي. ولذلك فإنّ الاعتقاد بأنّ القصف الخارجي يؤدي تلقائيًّا إلى سقوط النظام سيكون تبسيطًا خطيرًا. العامل الحاسم هو ما إذا كانت الضربات ستؤدي إلى إضعاف النظام أم إلى توحيد قاعدته الداخلية. لكن السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لطهران هو أن يأتي الضغط الخارجي في اللحظة التي تكون فيها الجبهة الداخلية أصلًا في حالة اضطراب. عندها قد لا تكون الضربة مجرّد خسارة عسكرية، بل عاملًا يُسرّع سلسلة من الأزمات المتداخلة.
وهنا يجب الانتباه إلى شيء بالغ الأهمية: الأنظمة لا تسقط عادة لأنّ المعارضة أصبحت أقوى منها عسكريًّا، وإنّما عندما تبدأ مؤسسات الدولة نفسها بفقدان القدرة أو الرغبة في تنفيذ أوامر السلطة. التاريخ السياسي مليء بأنظمة بدت قوية حتى اللحظة التي بدأت فيها الانشقاقات، أو ظهرت الخلافات داخل النخبة، أو تراجعت ثقة الأجهزة الأمنية في القيادة السياسية. ولهذا فإنّ المؤشّر الحقيقي الذي ينبغي مراقبته في إيران ليس عدد الهجمات وحده، ولا عدد القتلى من الحرس الثوري أو الشرطة، وإنّما ما إذا كانت هذه الأحداث ستبدأ بإنتاج تصدعات داخل مؤسسات النظام نفسها. هل يبقى الحرس الثوري مُوحّدًا؟ هل تبقى الأجهزة الأمنية مُستعدة لتنفيذ الأوامر بلا تردّد؟ هل تظلّ النّخبة السياسية مُتماسكة؟ هل يبقى النظام قادرًا على تمويل أجهزته الأمنية وإدارة الاقتصاد؟ وهل تستطيع طهران الحفاظ على السيطرة على الأطراف والحدود والمدن في الوقت نفسه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإنّ الحديث عن سقوط النظام سيكون سابقًا لأوانه. أمّا إذا بدأت الإجابات تتغيّر، وإذا تزامنت العمليات المسلحة مع احتجاجات جماهيرية واسعة، وضربات خارجية مؤثّرة، واضطراب اقتصادي، وانقسامات داخل النّخبة أو المؤسّسة الأمنية، فإنّ إيران قد تدخل عندها مرحلة مُختلفة جَذريًّا، مرحلة لا يعود فيها السؤال عن قُدرة النظام على قمع احتجاج جديد، بل عن قدرته على البقاء متماسكًا. وهنا يصبح الحديث عن «إسقاط النظام» أكثر من مجرّد شعار سياسي. قد لا يكون هناك حتى الآن دليل كافٍٍ للقول إنّ عملية متكاملة لإسقاط النظام الإيراني قد بدأت بالفعل من الداخل، وقد تكون بعض التطوّرات التي تبدو مترابطة مجرّد أحداث منفصلة تستغلّها أطراف مُختلفة لتحقيق أهدافها. لكنّ الخطأ الأكبر سيكون في الاتجاه المعاكس أيضًا، أيّ التقليل من خطورة اجتماع هذه العوامل.
فما يحدث في الأطراف، وما يحدث في الشارع، وما يحدث على المستوى العسكري والإقليمي، قد لا يكون جزءًا من خطّة واحدة، لكنّه يمكن أن ينتج نتيجة واحدة. وهذه النتيجة هي استنزاف قدرة الدولة على السيطرة.
وعندما تبدأ الدولة بفقدان السيطرة تدريجيًّا، فإنّ المسافة بين «الاضطراب» و«الأزمة الوجودية» تصبح قصيرة جدًا.
ربّما تستطيع طهران احتواء الموجة الحالية، كما فعلت في موجات سابقة. وربّما تنجح في إعادة فرض السيطرة على المناطق المُضطربة، وتُعيد بناء هيبة أجهزتها الأمنية، وتمنع المعارضة من تحويل نشاطها المسلح إلى تمرّد واسع. لكنّ الاحتمال الآخر يجب ألّا يُستبعد: أن تكون إيران قد دخلت مرحلة تتراكم فيها الأزمات فوق بعضها بعضًا، بحيث يُصبح كلّ تصعيد جديد عاملًا يُضعف قدرة النظام على التعامل مع التصعيد التالي. وفي السياسة، لا تكمن خطورة الأزمة دائمًا في حجمها الأوّليّ، بل في قدرتها على إنتاج أزمات أخرى. لهذا فإنّ السؤال الأكثر دقّة اليوم ليس: هل سقط النظام الإيراني؟
بل: هل بدأت الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى سقوطه تتشكّل؟
إذا بقيت مؤسسات القوة متماسكة، فالجواب سيكون لا.
أمّا إذا بدأنا نشهد تَزامنًا مُستمرًّا بين الانتفاضة الشعبية والنشاط المسلّح والضغط العسكري الخارجي، وتَرافَق ذلك مع تَصَدّعات داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية والنّخبة السياسية، فإنّ إيران ستكون أمام نقطة تحوّل تاريخيّة.
عندها قد لا يحتاج إسقاط النظام إلى جيش معارض يحتلّ طهران. قد يكفي أن تفقد الدولة تدريجيًّا قدرتها على السيطرة، وأن تفقد مؤسّساتها الأمنية ثقتها بالقيادة، وأن يفقد الشارع خوفَه، وأن تتزامن هذه التطوّرات مع ضغط خارجي يجعل إعادة فرض النظام أكثر صعوبة. عند تلك اللحظة فقط يُمكن القول إنّ معركة إسقاط النظام قد انتقلت من مستوى الشعار إلى مستوى الواقع. وحتى ذلك الحين، فإنّ ما يجري داخل إيران يجب أن يُقرَأ باعتباره صراعًا مفتوحًا على احتمالات عدّة، وليس نتيجة محسومة. لكنّ المؤكّد أنّ استمرار تزامن الاحتجاج الشعبي مع النشاط المسلح والضغط الخارجي يجعل المرحلة المقبلة واحدة من أخطر المراحل التي تواجه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. فإمّا أن تنجح طهران مرة أخرى في استعادة زمام المبادرة، وإمّا أن تكون هذه الأحداث المتفرّقة هي اللبِنَات الأولى لمسار أكبر بكثير: مَسار يبدأ بالاستنزاف، ثم يفقد النظام السيطرة على بعض الأطراف، ثم يَتسرّب الضّعف إلى مؤسّسات الدولة، وبعدها يُصبح السّؤال ليس كيف يبقى النظام، وإنّما ماذا سيأتي بَعدَه.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس