عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 02:17 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,362
افتراضي فلسطين بين إخفاق القيادات ومسؤولية التاريخ: لماذا لم تَقُمْ الدولة الفلسطينية حتى الي

فلسطين بين إخفاق القيادات ومسؤولية التاريخ: لماذا لم تَقُمْ الدولة الفلسطينية حتى اليوم؟

بقلم الباحث فؤاد زاديكى

إنّ القضية الفلسطينية، إذا أردنا مُقاربتها بقدر من العمق والموضوعية، بعيدًا عن الشعارات الجاهزة والخطابات العاطفية والتعبئة الإعلامية، تفرض علينا أن نطرح سؤالًا جوهريًّا لا يقلّ أهمية عن سؤال الاحتلال نفسه: كيف مضت عقود طويلة منذ طُرِح مشروع تقسيم فلسطين عام 1947، من دون أن يتمكّن الفلسطينيون من إقامة دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، قادرة على حماية شعبها وصون حقوقه وتقرير مصيره؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال لا يُمكن اختزالها في طرف واحد، ولا يجوز أن تتحوّل إلى تبرئة مجّانية لإسرائيل أو إلى تحميل العرب وحدهم مسؤولية كل ما جرى. لكنّها، في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تستثني القيادات العربية والفلسطينية من المساءلة التاريخية، لمجرُد أنّ نقدها قد يتعارض مع الرواية السائدة أو يجرح مشاعر اعتادت أن ترى في كلّ إخفاق مؤامرة خارجية، وفي كلّ مسؤول محلي أو إقليمي مُدافعًا عن القضية، حتى حين تكشف الوقائع عن تناقضات بين الأقوال والأفعال. فالقضية العادلة لا تحتاج إلى حصانة تمنع مساءلة مَن يتحدّث باسمها، والشعب الذي يدفع ثمن الصراع من دمه وأرضه ومستقبله، من حقّه أن يسأل قادته: ماذا حقّقتم له؟ وما الذي خسرتموه؟ وأيّ خيارات اتخذتموها، وما البدائل التي أهملتموها؟ وهل كانت قراراتكم نابعة من رؤية استراتيجية تخدم الأجيال القادمة، أم من حسابات سياسية آنية ارتبطت ببقاء الأنظمة، وتثبيت النفوذ، وتوزيع المصالح؟ هذه الأسئلة ليست طعنًا في عدالة القضية الفلسطينية، بل هي جزء من الدفاع الحقيقي عنها، لأنّ الفرق كبير بين التضامن مع شعب يسعى إلى الحرية، وبين مَنح كلّ من يرفع اسمه صكّ براءة دائمًا من المحاسبة.
في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع خاصّ لمدينة القدس. وقد رفضت القيادة العربية الفلسطينية والدول العربية الخطة، انطلاقًا من اعتراضها على تقسيم البلاد واعتبارها ذلك انتقاصًا من حقوق العرب الفلسطينيين. في المقابل، قبلت الوكالة اليهودية الخطة، رغم اعتراضاتها على بعض جوانبها. لكنّ القرار لم يُنفّذ كما رُسِم، ولم تَقُم الدولة العربية الفلسطينية المقترحة.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين في قراءة التاريخ: لم يكن رفض الخطة مجرّد تفصيل عابر، بل كان قرارًا سياسيًّا ذا نتائج بعيدة المدى. ومن المشروع أن نتساءل عمّا إذا كانت القيادة العربية الفلسطينية، والحكومات العربية التي ساندت موقف الرفض، قد امتلكت بديلًا عمليًّا قابلًا للتنفيذ، يحفظ أكبر قدر مُمكن من الحقوق الفلسطينية، ويمنع ضياع فرصة تأسيس كيان سياسي مستقل.
لكنّ الإنصاف التاريخي يقتضي ألّا نحوّل هذا السؤال إلى معادلة مُبسّطة مَفادها أنّ قبول القرار كان سيضمن بالضرورة قيام دولة فلسطينية مستقرة، أو أنّ رفضه وحده يفسّر كل ما حدث لاحقًا. فقد كانت الخطة نفسها موضع نزاع حول شرعيتها وعدالتها وتوزيع الأرض، ولم يكن تطبيقها مضمونًا في ظلّ الصراع المسلح وانتهاء الانتداب البريطاني. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي لا يجوز إهماله: هل كان من المُمكن أن تختار القيادة الفلسطينية والعربية مسارًا سياسيًّا آخر، يجمع بين رفض الظلم الواقع على الفلسطينيين وبين السّعي إلى تثبيت وجودهم السياسي والقانوني على الأرض، بدل الدخول في مواجهة لم تكن نتائجها مضمونة؟
إنّ قيمة هذا السؤال لا تكمن في محاكمة الماضي بمعايير الحاضر وحدها، بل في استخلاص درس أساسي: قد يكون الموقف السياسي مبدئيًّا في دوافعه، لكنّه يحتاج أيضًا إلى استراتيجية واقعية تحمي مصالح الشعب الذي يُتخذ الموقف باسمه.
دخلت جيوش عربية الحرب عام 1948، لكنّ الدولة الفلسطينية التي نصّ عليها مشروع التقسيم لم تَقُم. وانتهى الأمر بخضوع مساحات من الأراضي التي خُصّصت للدولة العربية لسيطرة الأردن ومصر، فيما اتّسعت الأراضي الخاضعة لإسرائيل مُقارنة بما خصّصته الخطة للدولة اليهودية. كما شهدت الحرب تهجيرًا واسعًا للفلسطينيين ونزوحهم، لتنشأ قضية اللاجئين التي بقيت إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في الصراع.
لم يكن السؤال إذن عن دخول الحرب أو عدم دخولها فحسب، بل عن الأهداف التي وُضِعت لها، ومدى التنسيق بين أطرافها، وما إذا كانت مصالح الفلسطينيين قد احتلّت فعلًا موقع الأولوية في حسابات الحكومات العربية.
لقد أثبتت النتائج أنّ رفع شعار تحرير فلسطين لا يكفي وحده لتحقيق التحرير، وأنّ امتلاك الجيوش لا يعني بالضرورة امتلاك رؤية سياسية موحّدة. كما أنّ التضحية بالجنود والأموال، مهما بلغت، لا تضمن تحقيق الهدف إذا غابت الاستراتيجية الواضحة والمساءلة عن القرارات. ومن هنا تبرز مسؤولية القيادات التي اتّخذت قرارات الحرب، كما تبرز مسؤولية القوى التي ساهمت في صياغة المواقف السياسية والعسكرية. غير أنّ هذه المسؤولية ينبغي أن تُبحَث من خلال القرارات والوثائق والنتائج، لا من خلال إطلاق أحكام عامّة على الشعوب أو افتراض أنّ جميع القادة تحرّكوا بدوافع واحدة. أمّا النتيجة الأهمّ، فهي أنّ الفلسطينيين دفعوا ثمن صراع لم يمتلّكوا دائمًا القدرة على التحكّم في مساراته، سواءً بسبب ضعف مؤسساتهم آنذاك أو بسبب تضارُب أهداف القوى التي ادّعت تمثيل مصالحهم.
ومن أكثر الأسئلة إيلامًا في التاريخ السياسي العربي سؤال العلاقة بين القضية الفلسطينية ومصالح الأنظمة الحاكمة. فالقضية الفلسطينية تمتلك مكانة وجدانية وسياسية عميقة لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية، وقد وفّرت هذه المكانة لبعض الحكومات مصدرًا مهمًّا للشرعية والخطاب السياسي. لكنّ توظيف قضية شعب في بناء الشرعية الداخلية يختلف عن العمل الفعلي على إنهاء معاناته وتحقيق حقوقه. حين تجعل حكومة ما فلسطين عنوانًا دائمًا لخطابها، يُصبح من حقّ المواطنين أن يسألوا عن النتائج العملية لهذا الخطاب: ما الذي قدّمته من دعم حقيقي ومُستدام؟ ما السياسات التي اتبعتها؟ ما الالتزامات التي نفُذتها؟ وهل اتّسقت علاقاتها الخارجية ومصالحها الاقتصادية والأمنية مع المواقف التي أعلنتها أمام شعوبها؟
إنّ المشكلة لا تكمن في أن تكون للدول مصالح، فكلّ دولة تتحرُك ضمن شبكة من المصالح والاعتبارات. المشكلة تبدأ عندما تُقدَّم المصالح الخاصّة باعتبارها تضحية من أجل الأمة، أو عندما تُستخدم فلسطين لتبرير السياسات الداخلية، بينما تُهمَّش حقوق الفلسطينيين في الحسابات العملية.
ولا يصحّ، في المقابل، أن نضع جميع الدول العربية في سلّة واحدة، أو أن نفترض أنّ كلّ مبادرة دبلوماسية أو اتّفاق سياسي ليس إلّا صفقة لبقاء الحاكم في السلطة. فالحكم على كلّ حالة يتطلّب النّظر إلى سياقها، وقراراتها، والتزاماتها، وما ترتّب عليها من نتائج.
لكنّ المبدأ الذي ينبغي ألّا يخضع للمساومة هو أن القضية الفلسطينية ليست مُلكًا لحاكم، ولا أداة لتثبيت نظام، ولا رصيدًا سياسيًّا يحقّ لأحد احتكاره، إنّها قضية شعب له حقوق لا تسقط بتغيّر الحكومات ولا بتبدّل التحالفات. إنّ نقد القيادات العربية والفلسطينية لا يعني إعفاء إسرائيل من مسؤولية السياسات والقرارات التي حالت دون قيام دولة فلسطينية مستقلة.
فبعد حرب 1967، احتلّت إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وهي الأراضي التي أصبحت محورًا أساسيًّا في المُطالبة بإقامة الدولة الفلسطينية. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت الحروب والمفاوضات والمبادرات الدولية من دون التوصّل إلى تسوية نهائية تحقّق قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وهذا أيضًا يُضاف إلى رصيد العرب الذين كانوا السبب في تلك الهزيمة والنتائج التي آلت إليها. وهنا يجب التمييز بين مسألتين: الأولى هي مسؤولية إسرائيل عن أفعالها وسياساتها، وما تُثيره من مسائل تتعلّق بالاحتلال والأرض والاستيطان والحقوق الفلسطينية، والثانية هي مسؤولية القيادات الفلسطينية والعربية عن اختياراتها وأخطائها وإخفاقاتها. ولا تُوجد ضرورة منطقية تفرض علينا اختيار إحداهما وإسقاط الأخرى. فإذا كانت إسرائيل تملك سلطة فعلية على الأرض وقُدرة على اتخاذ قرارات تؤثّر في إمكان قيام الدولة الفلسطينية، فإنّ ذلك يجعل سياساتها عنصرًا أساسيًّا في تفسير تعثّر المشروع الوطني الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، فإنّ الانقسام الفلسطيني، وضعف المؤسسات، والتنافس على التمثيل والسلطة، وتباين الاستراتيجيات، كلّها مسائل تستحقّ النقد والمراجعة من دون أن تتحوّل إلى ذريعة لتبرير الاحتلال أو إنكار الحقوق الفلسطينية. وكذلك فإنّ مواقف القوى الدولية ليست خارج الحسابات، فالتوازنات الدولية، ومصالح الدول الكبرى، واستخدام النفوذ الدبلوماسي، ومدى تطبيق القرارات الدولية، تؤثّر في البيئة التي تتحرّك ضمنها الأطراف. لكنّ الإشارة إلى العوامل الدولية لا ينبغي أن تتحوّل إلى وسيلة لإخفاء مسؤولية الفاعلين المحلّيّين، كما أنّ نقد هؤلاء لا ينبغي أن يُستخدَم لتبرئة الأطراف الأقوى أو إعفائها من التزاماتها.
إنّ التحليل الذي يبحث عن سبب واحد لكلّ هذا التاريخ لا يُفَسِّر الواقع بقدر ما يختار منه ما يناسب موقفًا مُسبقًا.
ولا يُمكن فهم استمرار غياب الدولة الفلسطينية من دون التوقّف عند أزمة التمثيل السياسي والانقسام الداخلي. فالقضية التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التفاوض، وإدارة الموارد، وتوحيد القرار، وبناء الثّقة بين الشعب وقيادته، تُصبح أكثر عرضة للضعف عندما تتوزّع سلطتها بين مراكز مُتنافسة، وتتباين رؤاها بشأن التسوية والمقاومة وإدارة الحكم.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان الفلسطينيون يستحقّون دولة، فهذا الحقّ لا يتوقّف على اتفاقهم الكامل في كلّ شأن سياسي. السؤال هو كيف يُمكن تحويل هذا الحق إلى واقع مؤسسي وسيادي في ظلّ الخلافات الداخلية، والقيود الخارجية، وتفاوت الإمكانات، وتضارب المصالح الإقليمية.
إنّ القيادة التي لا تسمح بالمُراجعة والمُحاسبة تضعف قدرتها على التّعلّم من الأخطاء. والحركة السياسية التي تجعل الولاء للأشخاص أو التنظيمات مِعيارًا للانتماء قد تجد نفسها عاجزة عن بناء توافق وطني أوسع. كما أنّ تحويل كلّ خلاف إلى تَخوين مُتبادل، كما هو حاصل بين فتح وحماس وغيرها من التنظيمات الفلسطينية المختلفة، إنّ هكذا وضع يَستهلك طاقة المجتمع في الصراع الداخلي، بدل توجيهها نحو بناء المؤسسات وصيانة الحقوق.
ولا يعني ذلك مساواة جميع الأطراف في المسؤولية، أو تجاهل اختلاف سلطاتها وقدراتها والظروف التي تعمل فيها. بل يعني أنّ استعادة الوحدة السياسية تحتاج إلى قواعد واضحة للمساءلة، وتَمثيل حقيقي للفلسطينيين، وآليات سلمية لتداول المسؤولية، وبرنامج وطني يحدد أهدافًا قابلة للقِياس، بدل الاكتفاء بالشعارات التي يصعب محاسبة أصحابها عليها.
عندما يطلق فلاديمير بوتين، أو أيّ زعيم دولي آخر، تصريحات مؤيدة لفلسطين أو ناقدة لسياسات إسرائيل، فإنّ التعامل الجادّ معها يقتضي ألّا نكتفي بالكلمات، وألّا نفترض في الوقت نفسه أنّها بلا قيمة لمجرّد صدورها عن قائد تحكمه مصالح دولته. فالتصريح السياسي قد يكون تعبيرًا عن موقف مُعلَن، أو رسالة دبلوماسية، أو محاولة للتأثير في الرأي العام، أو جزءًا من حسابات أوسع. ولا يُمكن تحديد وظيفته بدقّة بمجرّد قراءة عباراته بمعزل عن السياق. لكنّ المُثير للاهتمام والتساؤل هو الادلاء بمثل هذا التصريح من بوتين، أليس بوتين مَن قام بالانتماء على دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة كاوكرانيا وقبلها على الشيشان؟ أليس هذا تناقضًا عمليًّا ومنطقيًّا بين ما يقوله وما يفعله؟ أما بخصوص العلاقة بين روسيا وإسرائيل، فلا يكفي وصفها بأنّها جيدة أو سيئة لإثبات صدق خطاب بوتين أو تناقضه. المطلوب هو فحص المواقف والقرارات الفعلية، وطبيعة الاتصالات والتعاون، وحدود الاختلاف، وكيف تتعامل السياسة الروسية عمليًا مع الحقوق الفلسطينية ومع السياسات الإسرائيلية ذات الصلة.
والقاعدة ذاتها تنطبق على القادة العرب: لا ينبغي أن يكون المعيار هو حرارة الخطاب أو كثرة الشعارات، بل مدى الاتّساق بين القول والفعل، وما إذا كانت السياسات المعلنة قد تحوّلت إلى نتائج يمكن التحقق منها. فليس كلّ تصريح تضليلًا، وليس كلّ موقف دبلوماسي إنجازًا، وليس كلّ علاقة سياسية دليلًا على التواطؤ. إنّ البحث الموضوعي يقتضي أدلّة محدّدة، ومقارنة الأقوال بالأفعال، والتمييز بين ما نعرفه وما نستنتجه وما لا نملك أدلّة كافية للحكم عليه.
ويؤدي الإعلام دورًا مُهمًّا في تشكيل الوعي بالقضية الفلسطينية، لكنّه قد يتحوّل، في بعض الحالات، من وسيلة لشرح الوقائع ومراقبة السلطة إلى أداة لتكرار الرواية الرسمية وتعبئة الجمهور خلفها، وبكلّ اسف فإنّ إعلام الدول العربية يخدم قالتها السياسيين وأنظمة حكمهم. ويظهر الخلل حين تُضخّم الانتصارات الرمزية، وتُهمَّش الإخفاقات السياسية، ويُقدَّم النقد الداخلي بوصفه خدمة للخصم، بينما يُعامل المسؤولون الذين يتحدثون باسم القضية باعتبارهم فوق المساءلة. كما يظهر حين تُختزَل الأحداث المعقّدة في رواية واحدة، ويُنتقَى من التاريخ ما يدعم موقفًا حاضرًا، وتُحجب الوقائع التي قد تفرض إعادة النظر فيه. وفي هذه البيئة، يُصبح المواطن مُستهلكًا للخطاب بدل أن يكون قادرًا على مساءلته والتحقّق منه.
لكنّ وصف الإعلام العربي كلّه بالنفاق أو التبعية سيكون تعميمًا لا يقلّ إشكالية عن الروايات التي ينتقدها، فالمؤسسات الإعلامية والصحفيون يختلفون في استقلاليتهم ومصادر تمويلهم ومساحة عملهم ومناهجهم المهنية.
المطلوب، إذن، ليس استبدال رواية رسمية برواية مُضادّة مُغلقة، بل تأسيس ثقافة عامّة تقبل تعدّد المصادر، وتفحص الأدلة، وتُتيح نقد الحكومات والفصائل والقيادات من دون تخوين تلقائي. فالإعلام الذي يخدم القضية الفلسطينية حقًدًّا هو الذي يساعد الناس على فهم ما حدث، ومن اتّخذ القرار، وما النتائج التي ترتبت عليه، وما الخيارات المتاحة الآن، لا الذي يكتفي بإنتاج الغضب ثم يترك الجمهور من دون إجابات.
إنّ الإجابة الأكثر دقّة عن سؤال غياب الدولة الفلسطينية ليست أنّ العرب وحدهم منعوا قيام الدولة، ولا أن إسرائيل وحدها تفسّر كلّ إخفاق، ولا أن القوى الدولية وحدها تتحكّم في مصير الفلسطينيين. بل إنّ غياب الدولة نتاج تاريخ طويل من العوامل المتداخلة، التي لا تتساوى في حجمها أو طبيعتها أو قدرة أصحابها على تغييرها. فقد أسهمت إخفاقات اللحظة التأسيسية، وفي مقدّمتها رفض خطة التقسيم عام 1947 وعدم قيام الدولة العربية المُقترحة، ثم اندلاع حرب 1948 وما أعقبها من تغيّرات إقليمية وديموغرافية عميقة، في تشكيل مسار القضية. كما أسهمت الحروب وتغيّر السيطرة على الأرض، وما ترتب عليهما من احتلال وتهجير وفقدان السيطرة الفلسطينية على أجزاء واسعة من الأراضي التي كان يُفترض أن تقوم عليها الدولة، في تعقيد الطريق نحو الاستقلال. ولا يمكن إغفال السياسات الإسرائيلية وما يرتبط بالاحتلال والاستيطان والسيطرة على الأرض والقيود المفروضة على إمكان ممارسة السيادة الفلسطينية. كما لا يمكن تجاهل الانقسام الفلسطيني وأزمات القيادة، بما يشمل غياب التوافق المستدام على الاستراتيجية والتمثيل والمساءلة وإدارة المؤسسات. ويضاف إلى ذلك تضارب المصالح العربية، حين تتقدّم الحسابات الوطنية الضيقة أو المصالح المرتبطة ببقاء الأنظمة على بناء موقف عربي مُتماسك ومُستدام، فضلًا عن اختلال موازين القوى والدور الدولي، بما يشمل مصالح القوى الكبرى وحدود الضغط الدبلوماسي والفجوة بين القرارات الدولية وتنفيذها. كما أنّ تعثّر المسارات السياسية المُتعاقبة لم ينجح في تسوية القضايا الجوهرية المتعلّقة بالأرض والحدود والقدس والأمن واللاجئين والسيادة، وهي مسائل بقيت في صلب النزاع وأعاقت الوصول إلى تسوية نهائية. هذه العوامل ليست متساوية في المسؤولية، ولا يمكن جمعها في ميزان واحد من دون بحث كل مرحلة على حدة. لكنها توضح لماذا لا تكفي رواية واحدة، مهما بدت مريحة أو شائعة، لتفسير ثمانية عقود تقريبًا من التعقيد السياسي والتاريخي.
والأهم أنّ الاعتراف بأخطاء الماضي لا يعني التسليم بأنُ المستقبل محكوم بتكرارها، كما أن تحديد مسؤولية طرف بعينه لا يعفي الأطراف الأخرى من مسؤولياتها. إنّ استعادة الحقوق الفلسطينية لا تتطلّب خطابًا أكثر ارتفاعًا فحسب، بل تحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير والعمل السياسي. وهذا يبدأ من المساءلة بدل التقديس، فلا حصانة لأيّ قيادة فلسطينية أو عربية من النقد، ولا يكفي رفع شعار فلسطين لإثبات النجاح في خدمتها. كما يتطلب تقديم المصالح الوطنية على المصالح الشخصية، بحيث تُقاس السياسات بمدى خدمتها لحقوق الفلسطينيين وأمنهم ومستقبلهم، لا بمقدار ما تمنحه من نفوذ أو شرعية لأصحاب القرار. ولا يمكن بناء مشروع وطني مستدام من دون مؤسسات شرعية وخاضعة للمحاسبة، وتمثيل سياسي حقيقي، وآليات واضحة لمعالجة الخلافات. كذلك لا بد من واقعية استراتيجية لا تعني التفريط بالحقوق، فالواقعية ليست استسلامًا، كما أنّ التمسّك بالمبادئ لا يعفي القيادة من مسؤولية تقدير موازين القوى والنتائج المحتملة لقراراتها.
ومن الضروري أيضًا رفض استغلال الدم الفلسطيني، وألّا تتحوّل معاناة المدنيين إلى مادة دعائية أو وسيلة لتحسين صورة فصيل أو حكومة أو قوة إقليمية. فحياة الفلسطينيين وحقوقهم غاية في ذاتها، وليست مجرد أدوات في صراع الآخرين. ويحتاج الفلسطينيون إلى أن تكون أولوياتهم ومصالحهم هي المعيار الأساسي لقراراتهم، بعيدًا عن تحويل قضيتهم إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الدول. كما لا بد من إعلام قائم على التحقق، يفصل بين الخبر والرأي والدعاية، ويتيح المجال لنقد القيادات جميعًا، ويتحقّق من الادعاءات، ويعترف بالأخطاء حين تثبت.
هذه المبادئ لا تقدّم ضمانة آلية لقيام الدولة، لكنّها تضع المساءلة والحقوق والمؤسسات في قلب أيّ مشروع سياسي يسعى إلى تحويل التطلعات الوطنية إلى واقع
إنّ المأساة الفلسطينية لا تكمن فقط في غياب الدولة، ولا في الاحتلال والحروب والتهجير، بل أيضًا في الفجوة التي اتسعت، عبر عقود، بين عدالة تطلعات الشعب الفلسطيني وقدرة قياداته والقوى التي ادّعت دعمه على تحويل تلك التطلعات إلى واقع مستدام.
لقد أخطأت قيادات عربية وفلسطينية في قرارات ومواقف كان لبعضها أثر بالغ في مسار القضية، ومن حق التاريخ أن يسجل هذه الإخفاقات، ومن حق الشعوب أن تطالب بكشفها ومحاسبة المسؤولين عنها. كما أنّ من حقّ الفلسطينيين أن يسألوا عن جدوى السياسات التي رفعت اسم فلسطين طويلًا من دون أن تحقق لهم دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
لكنّ هذه المساءلة لا تصبح أكثر صدقًا عندما تتحول إلى تبرئة لإسرائيل، أو إلى تجاهل أثر الاحتلال والاختلال الكبير في موازين القوى، أو إلى تحميل شعب بأكمله مسؤولية قرارات حكامه. فالتمييز بين مسؤولية الشعوب ومسؤولية الأنظمة ضرورة أخلاقية وسياسية، كما أن التمييز بين مسؤولية الأطراف المختلفة ضرورة لفهم التاريخ.
إنّ النقد الحقيقي لا يبحث عن كبش فداء، بل عن الحقيقة؛ ولا يستبدل دعاية بأخرى، بل يفكك الدعاية أينما ظهرت؛ ولا يمنح أي قائد امتياز الحديث باسم فلسطين من دون أن يخضع للمساءلة عن أفعاله.
لقد آن الأوان لأن يُنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حقوق وشعب ومستقبل، لا مجرد رمز تستخدمه الحكومات والفصائل في خطابها السياسي. وأن يُسأل كل من يتحدث باسمها عن النتائج التي حققها، والفرص التي أضاعها، والقرارات التي اتخذها، والثمن الذي دفعه الفلسطينيون بسببها.
فلا يكفي أن نعرف مَن أعلن التضامن مع فلسطين، بل يجب أن نعرف مَن دافع فعليًا عن حقوق الفلسطينيين، ومَن أخفق في ذلك، ومَن استثمر معاناتهم في حساباته السياسية. ولا يكفي أن نلوم الخارج كي نعفي الداخل من مسؤوليته، كما لا يجوز أن نلوم الداخل كي نبرئ الخارج من مسؤولياته.
إنّ الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تظلّ شرطًا ضروريًا لأي مراجعة جادّة. فالشعوب لا تستعيد حقوقها بتكرار الروايات التي تريحها، بل بفهم تاريخها كما حدث، والاعتراف بالأخطاء كما وقعت، وبناء مؤسسات وقيادات تستطيع أن تتعلم من الماضي بدل أن تعيد إنتاجه.
وفلسطين، في نهاية المطاف، ليست مُلكًا لمن يحكمون باسمها، ولا لمن يتاجرون بآلام أهلها، ولا لمن يجعلونها ورقة في صراعاتهم الإقليمية والدولية. فلسطين حق شعب، وكرامة إنسان، ومسؤولية تاريخية لا يجوز أن تتحول إلى شعار يُرفع عند الحاجة ثم يُترك أصحابها وحدهم أمام نتائج القرارات.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس