مؤسّسة الأزهر وتحدّيات الفكر الديني: قراءة في بيئة التشدّد وخطورة الاستقطاب
بقلم الباحث: فؤاد زاديكي
تُعَدّ مؤسّسة الأزهر في مصر من أقدم المؤسّسات الدينيّة وأكثرها تأثيرًا في العالم الإسلاميّ، وقد منحتها مكانتها التاريخيّة سُلطة رمزيّة ومَعرفيّة واسعة. غير أنّ المكانة التاريخيّة لا ينبغي أن تتحوّل إلى حصانة من النقد، بل إنّ اتّساع تأثير المؤسّسة يجعل مُساءلة مناهجها وآليّات إنتاجها للمعرفة الدينيّة أكثر إلحاحًا، خصوصًا في زمن تتزايد فيه تحدّيات التطرّف والاستقطاب الدينيّ والفكريّ.
ولا يتعلّق النقد هنا بإنكار المواقف الرسميّة للأزهر الرافضة للعنف والإرهاب، ولا بتجاهُل ما أعلنته المؤسّسة من مشروعات لتطوير المناهج ومواجهة التطرّف وتعزيز قِيَم المُواطنة والحوار. بل إنّ الإشكال الأعمق يكمن في الفَجوة المُحتملة بين خطاب التجديد المُعلَن والبُنية المَعرفيّة التي ما تزال تحكم جانبًا من التعليم الدينيّ. فالمشكلة ليست في دراسة التراث الإسلاميّ، فالتراث جزء أساسيّ من الذاكرة الحضاريّة العربيّة، وإنّما في الطريقة التي يُقدَّم بها. هناك فرق بين أن يدرس الطالب الفِقه والتفسير والعقيدة بوصفها عُلُومًا نشأت في سياقات تاريخيّة مُحدّدة، وبين أن يتعامل معها باعتبارها منظومة نهائيّة صالحة بذاتها لكلّ زمان ومكان. الأول ينتج عقلًا قادرًا على الفهم والنقد، أمّا الثاني فقد ينتج عقلًا يَميل إلى استعادة الإجابات أكثر من إنتاج الأسئلة.
وتزداد المشكلة عندما يتحوّل الحفظ إلى مركز العمليّة التعليميّة، بينما يتراجع التدريب على التحليل والمقارنة والنقد. فالشابّ الذي يحفظ الأحكام دون أن يعرف ظُروف نشأتها ومناهج الاستدلال عليها، قد يكون أكثر عرضة للقراءة الحَرفِيّة والاجتزائيّة التي تمارسها الخطابات المُتشدّدة. فالتطرّف لا يحتاج دائمًا إلى مَعرِفة دينيّة عميقة، بل قد يستثمر معرفة محدودة ممزوجة بيقين مُطلق. ولهذا فإنّ مواجهة التطرّف لا ينبغي أن تقتصر على تقديم "التفسير الصحيح" للنصّ، بل يجب أن تتّجه إلى تعليم الطالب كيف يقرأ النصّ، وكيف يميّز بين النص وتفسيره، وبين الحكم التاريخيّ وشروط تطبيقه، وبين المُقدّس والاجتهاد البشريّ. وهنا تبرز قضيّة التجديد الدينيّ. فإذا كان التجديد مجرّد إعادة صياغة للموروث بلغة مُعاصرة أو حذف بعض العبارات الإشكاليّة من المناهج، فإنّه يبقى تجديدًا شكليًّا. أمّا التجديد الحقيقيّ فيقتضي إعادة النظر في طريقة إنتاج الحكم الدينيّ نفسه، وفي علاقة الفقه بسياقه التاريخيّ، وفي حدود صلاحية الأحكام التي نشأت في مجتمعات سياسيّة واجتماعيّة تختلف جذريًّا عن الدولة الحديثة. فمفاهيم المواطنة والمساواة أمام القانون وحريّة الاعتقاد وحقوق الإنسان نشأت ضمن سياق تاريخيّ مختلف، ولا يُمكن معالجة التوتّرات بينها وبين بعض التصورات الفقهيّة القديمة بمجرّد ترديد شعارات التسامح. المطلوب هو قراءة تاريخيّة نقديّة تكشف للطالب أنّ الفقه الإسلاميّ عَرَف تعدّدًا واسعًا في الاجتهاد، وأنّ كثيرًا من أحكامه ارتبطت بظروف وأعراف ومؤسّسات سياسيّة واجتماعيّة مُعيّنة. ومن هنا تُصبح دراسة الاختلاف داخل التراث نفسه وسيلة أساسيّة لمقاومة التطرّف. فالمذاهب الفقهيّة والمدارس الكلاميّة والتفسيرات المُتعدّدة تؤكد أنّ الفكر الإسلاميّ لم يكن يومًا كتلة واحدة مُغلقة. وإذا فهم الطالب هذا التنوّع، أصبح أقلّ استعدادًا للاعتقاد بأنّ رأيًا واحدًا يحتكر الحقيقة وأنّ المخالِف يُمَثّل بالضرورة انحرافًا أو تهديدًا. أمّا عندما يتحول الاختلاف إلى ثُنائيّة بين "حقّ وباطل" أو "إيمان وانحراف"، فإنّ الخلاف الفكريّ قد يتحوّل تدريجيًّا إلى إقصاء اجتماعيّ، وفي البيئات الأكثر توتّرًا إلى تَعصّب وعُنف. لذلك فإنّ أخطر ما ينبغي مقاومته ليس التشدّد في المظهر، وإنّما التشدّد في إنتاج اليقين، أي الاعتقاد بأنّ امتلاك الحقيقة يمنح صاحبها حقّ إلغاء المُختلِف. وهنا تظهر أهمّيّة العلوم التي تقع خارج الدائرة التقليديّة للمعرفة الدينيّة. فرجل الدّين المُعاصر يحتاج إلى الفلسفة والمنطق وتاريخ الأديان وعلم الاجتماع وعلم النفس ومناهج البحث، بقدر حاجته إلى الفقه والتفسير والعقيدة. فالتطرّف ظاهرة اجتماعيّة ونفسيّة وسياسية أيضًا، ولا يُمكن فهمُها بأدوات فقهيّة وحدها. كما أنّ تطوير الكتب لا يكفي إذا بَقِيت طريقة التعليم قائمة على التلقين وإعادة إنتاج الإجابة النّموذجيّة. فالتجديد الحقيقيّ يجب أن يشمل المُدَرِّس، ونظام التقييم، وحريّة النقاش داخل الفصل، وعلاقة الطالب بالأستاذ، ومكانة السؤال في العمليّة التعليميّة. فالكتاب الحديث الذي يُدرَّس بعقليّة قديمة لا يُنتج بالضرورة إنسانًا حديث التفكير. وتبرز كذلك مسألة علاقة المؤسّسة بالحَدَاثة. فالحداثة ليست مُجرّد استخدام التكنولوجيا، وإنّما منظومة تتعلّق بالفرد والحريّة والقانون والمُواطنة والتعدّديّة وحقوق الإنسان. ولذلك فإنّ التعامل معها بوصفها مجرد أفكار وافدة ينبغي الدفاع ضدّها يضع المؤسّسة في موقف دفاعيّ دائم، بينما المطلوب هو الدُّخول معها في حوار نقديّ مفتوح: ما الذي يُمكن قبوله؟ وما الذي يمكِن نقده؟ وما الذي يحتاج إلى إعادة صياغة؟
إنّ الأزهر، بحكم مكانته، لا ينبغي أن يكتفي بتعليم الشباب كيف يرفضون التطرّف، بل أن يعلمهم كيف يفكرون بحيث يُصبحون أقلّ قابلية للاستقطاب أصلًا. وهذه مُهمّة أعمق من إصدار البيانات أو تعديل بعض المُقرّرات.
ومع ذلك، فإنّ تحميل الأزهر وحده مسؤوليّة التشدد والتطرف سيكون تبسيطًا للظاهرة، فالتطرّف نتاج عوامل سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة ونفسيّة وإعلاميّة مُتشابكة، كما أنّ جزءًا كبيرًا من الخطاب المُتطرّف المعاصر ينتشر خارج المؤسّسات الدينيّة، خصوصًا عبر الإنترنت. لكن ذلك لا يلغي مسؤوليّة المؤسّسة في بناء مَناعة فكريّة لدى المتلقّي، ولا يعفيها من مراجعة أدواتها حين يتبيّن قصورُها.
لذلك فإنّ السؤال الحقيقيّ ليس: هل الأزهر مؤسّسة مُعتدلة أم مُتشدّدة؟ فهذه الثنائيّة تختزل مؤسّسة واسعة ومُعقّدة. السؤال الأهمّ هو: إلى أيّ مدى استطاع الأزهر أن يحوّل التجديد من خطاب مُعلَن إلى تغيير فعليّ في طريقة إنتاج المعرفة الدينيّة وتَكوين العقل؟ فالتجديد الذي لا يَمَسّ علاقة الطالب بالتراث، ولا يُوسّع مساحة السؤال، ولا يُعِيد قراءة الأحكام في سياقاتها التاريخيّة، ولا يُرسّخ التعدّد والمُواطنة وحريّة التفكير، يبقى تجديدًا محدود الأثر.
إنّ الأزهر لا يحتاج إلى التخلّي عن تراثه لكي يتجدّد، وإنّما يحتاج إلى تحرير التراث من التحوّل إلى سلطة مُغلقة على العقل. فالتراث الذي يخضع للنقد يُصبح مَعرفة، أمّا التراث الذي يُمنَع مِن السؤال فقد يتحوّل إلى أيديولوجيا.
وفي النهاية، فإنّ أقوى وسيلة لتحصين الشّباب من التطرّف ليست إغراقهم في الإجابات الجاهزة، وإنّما منحهم أدوات التفكير التي تمكّنهم من فحص كلّ إجابة، دينيّة كانت أم سياسيّة أم أيديولوجيّة. إنّ الإنسان المُتديّن الذي يَعرف تراثه، ويَفهم سياقاته، ويَقبل الاختلاف، ويُميز بين المقدس والتفسير البشريّ، ويمتلك حقّ السؤال، هو أكثر قدرة على مقاومة الاستقطاب من الإنسان الذي لا يملك سوى اليقين الموروث.
وهنا يَكمُن التحدّي الحقيقيّ أمام الأزهر: ليس الحفاظ على التراث كما وصل، وإنّما تحويله من سلطة على الحاضر إلى مادة نقديّة قادرة على الحِوار مع الحاضر والمستقبل.
__________________
fouad.hanna@online.de
|