عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 02:02 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,357
افتراضي الأرمن بين الأناضول وسورية… قبل الحدود وبعدها كما هو الحال مع السريان والآشوريين وال

الأرمن بين الأناضول وسورية… قبل الحدود وبعدها

كما هو الحال مع السريان والآشوريين والكلدان، لا يمكن فهم وصول الأرمن إلى سورية إذا أسقطنا الحدود التركية ـ السورية الحالية على الماضي. فقبل الحرب العالمية الأولى لم تكن هناك دولة تركية حديثة بحدودها الحالية، وكانت حلب وكيليكيا وأضنة ومرعش وعينتاب وكيليس وأورفا والإسكندرونة أجزاء من المجال العثماني المتصل، وكانت بينها علاقات اقتصادية واجتماعية وسكانية عميقة.

ولهذا كان هناك أرمن في المناطق التي أصبحت لاحقاً سورية قبل موجات النزوح الكبرى، كما كان هناك أرمن في المناطق التي أصبحت لاحقاً جزءاً من تركيا. بل إن الإسكندرونة مثال واضح جداً؛ فقد كان فيها مجتمع أرمني تاريخي سابق على موجات اللاجئين، وتشير دراسة حديثة إلى أن عدد الأرمن في سنجق الإسكندرونة بلغ نحو 27 ألفاً عام 1923، بينما تشير إحصاءات أخرى إلى نحو 28,857 عام 1936. وهذا يعني أن الحديث عن "الأرمن الذين هاجروا من تركيا إلى سورية" يجب ألا يشمل جميع أرمن الإسكندرونة، لأن المنطقة نفسها كانت خلال جزء من تلك الفترة ضمن سورية تحت الانتداب الفرنسي، ولم تلحق بتركيا إلا سنة 1939.

وكان للأرمن وجود تاريخي أيضاً في كيليكيا، وفي أضنة، مرعش، هاجين، زيتون، سيس، طرسوس، مرسين، دورتيول، حسن بيلي، بهجِه، كوزان، عينتاب، كيليس وغيرها، كما كانوا منتشرين في أرضروم، وان، موش، بدليس، سيواس، خربوط، ديار بكر، مالتية، قيصرية ومناطق واسعة من الأناضول.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وسنة 1915، فتعرض الأرمن للترحيل الجماعي والقتل والمصادرة والتدمير، ووصلت قوافل كبيرة من المرحلين إلى الأراضي السورية، وكانت حلب أهم محطة استقبال وتجميع، بينما ارتبطت مناطق المسكنة والرقة ودير الزور والفرات بمراحل مختلفة من الترحيل والمخيمات والموت.

وبحلول منتصف عشرينيات القرن العشرين كان عدد الأرمن في حلب قد ارتفع بصورة هائلة. فقد أصبحت المدينة إحدى أهم مراكز اللجوء الأرمني، واستقبلت أولاً الناجين من ترحيلات 1915، ثم موجات جديدة من كيليكيا، ثم مجموعات أخرى من الأناضول. وتشير Near East Relief إلى أن حلب استقبلت ثلاث موجات رئيسية خلال العقد 1915–1925، وأن عدد الأرمن فيها بلغ نحو 79 ألفاً في منتصف عشرينيات القرن العشرين.

لكن ما حدث للأرمن بعد الحرب يوضح بصورة ممتازة أهمية التمييز بين النزوح والعودة وإعادة رسم الحدود.

فبعد هدنة مودروس عام 1918، عادت أعداد كبيرة من الأرمن الذين كانوا قد رحلوا من كيليكيا إلى ديارهم، بعدما أصبحت كيليكيا تحت السيطرة الفرنسية. وتشير إحدى الدراسات إلى أن أكثر من 170 ألف أرمني عادوا إلى كيليكيا خلال 1918–1919، وكان معظمهم من أرمن كيليكيا الذين كانوا قد رُحّلوا إلى الصحراء السورية سنة 1915.

أي أن الشخص نفسه قد يكون قد مر بثلاث مراحل: خرج من كيليكيا سنة 1915، وصل إلى سورية، ثم عاد إلى كيليكيا سنة 1919، ثم خرج منها مرة ثانية سنة 1921.

وهذا ما حدث فعلاً عندما وقعت الحرب التركية ـ الفرنسية في كيليكيا، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاق أنقرة في 20 تشرين الأول/أكتوبر 1921، الذي أدى إلى انسحاب فرنسا من كيليكيا وتسليمها للحركة الكمالية. عندها بدأت موجة جديدة وكبيرة من النزوح الأرمني إلى سورية ولبنان.

ومن أضنة ومرسين وطرسوس ودورتيول ومرعش وهاجين وسيس وزيتون وعينتاب وكيليس خرجت عائلات ومجموعات كبيرة باتجاه حلب وسائر سورية ولبنان. وتشير الدراسات إلى أن طرق النزوح لم تكن واحدة؛ فقد خرج قسم عن طريق مرسين بحراً إلى الموانئ السورية واللبنانية، وقسم عبر دورتيول والإسكندرونة، وقسم عبر عينتاب وكيليس إلى حلب.

وفي أواخر 1921، مثلاً، غادرت أعداد كبيرة من الأرمن الكيليكيين عبر البحر من مرسين، بينما اتجه آخرون براً من دورتيول نحو الإسكندرونة، ومن عينتاب عبر كيليس إلى حلب. وتظهر سجلات الاستقرار اللاحقة أن القادمين إلى شمال سورية جاءوا من دورتيول وأضنة وباهجِه وحسن بيلي ومرعش وسيس وقيصرية وغيرها.

وهنا أيضاً لا يصح القول إن جميع من وصلوا إلى سورية كانوا "قادمين من تركيا" بالمعنى السياسي الحديث؛ لأن كيليكيا والإسكندرونة كانتا في فترة من هذه المرحلة تحت الإدارة الفرنسية أو ضمن سورية الانتدابية أو في منطقة ذات وضع خاص، ثم تغيرت الحدود والسيادة لاحقاً.

وتتضح هذه المسألة بصورة أكبر في الإسكندرونة/لواء الإسكندرون. فقد كان الأرمن هناك مجتمعاً قديماً، ثم ازداد عددهم نتيجة وصول لاجئين من كيليكيا. وبعد الاتفاقات التي سبقت ضم السنجق إلى تركيا عام 1939، خرجت موجة جديدة من الأرمن. وتختلف التقديرات، لكن الدراسات تضع عدد المغادرين الأرمن في حدود 12–15 ألفاً في بعض التقديرات، بينما تعطي دراسة أحدث رقماً يتجاوز 30 ألف مهجّر أرمني من السنجق استقر معظمهم في سورية ولبنان، وهو اختلاف يرتبط بالفترة وطريقة تعريف المهجرين ومن شملتهم الإحصاءات.

وبالتالي فإن 1939 تمثل مرحلة إضافية مهمة في تاريخ الأرمن في سورية، تماماً كما تمثل 1915 و1921–1922 مرحلتين أساسيتين.

أما جبل موسى وكسب وأنطاكية والإسكندرونة، فيجب التعامل معها بحذر؛ فوجود الأرمن فيها لم يبدأ باللاجئين القادمين بعد 1915. كانت هناك جماعات أرمنية تاريخية في المنطقة، ثم ازدادت أعدادها نتيجة موجات النزوح، ثم تعرض بعضها مرة أخرى للنزوح بعد تغير الحدود والسيادة.

وهكذا فإن المجتمع الأرمني في سورية تشكل من طبقات متعددة: أرمن كانوا موجودين أصلاً في المناطق التي أصبحت سورية، وناجون من ترحيلات 1915، وأرمن عادوا إلى كيليكيا بعد الحرب ثم نزحوا منها ثانية عام 1921، وأرمن وصلوا من مناطق الأناضول خلال العشرينيات، ثم موجات جديدة بعد 1939.

وفي حلب خصوصاً تداخلت هذه المراحل كلها. فقد أصبحت المدينة مركزاً رئيسياً للأرمن، ثم ظهرت تجمعات أرمنية في دمشق وجرابلس والرقة ودير الزور والحسكة والقامشلي وكسب واللاذقية وحمص وحماة وغيرها. وتشير الدراسات إلى أن بعض الأرمن الذين كانوا قد استقروا في المناطق الريفية والمخيمات انتقلوا لاحقاً إلى المدن، حيث بنوا المدارس والكنائس والمؤسسات والجمعيات.

وكانت القامشلي والحسكة مهمتين بصورة خاصة بالنسبة إلى بعض موجات الأرمن التي وصلت في أواخر العشرينيات. فبحسب سجلات استقرار اللاجئين، من أصل نحو 800 عائلة أرمنية وصلت في موجة 1929–1930، وصل نحو 200 عائلة إلى حلب، بينما اتجه نحو 600 عائلة إلى منطقة القامشلي ـ الحسكة.

وهذا يفسر لماذا لا ينبغي حصر التاريخ الأرمني السوري في حلب وحدها؛ فالجزيرة السورية أصبحت أيضاً موطناً مهماً لأرمن قدموا في موجات مختلفة، إلى جانب السريان والآشوريين والكرد والعرب وغيرهم.

ومن هنا يمكن فهم التاريخ كله بصورة أكثر دقة: لم يكن هناك ببساطة "أرمن يعيشون في تركيا ثم هاجروا إلى سورية"، بل كانت هناك منطقة واسعة متصلة سكانياً داخل الدولة العثمانية، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى والمجازر والترحيل، ثم انهيار الدولة العثمانية، ثم الاحتلال الفرنسي، ثم عودة بعض الناجين إلى كيليكيا، ثم الحرب التركية ـ الفرنسية، ثم اتفاق أنقرة سنة 1921، ثم معاهدة لوزان سنة 1923، ثم قضية الإسكندرونة وانضمامها إلى تركيا سنة 1939.

وفي كل مرحلة كانت الحدود تتغير، وكان السكان يتحركون معها أو بسببها.

ولهذا يمكن أن نجد عائلة أرمنية واحدة خرجت من أضنة عام 1915، وصلت إلى سورية، عادت إلى أضنة بعد 1918، ثم خرجت مرة أخرى إلى حلب عام 1921. ويمكن أن نجد عائلة أخرى من الإسكندرونة كانت موجودة في منطقة لم تكن جزءاً من تركيا الحديثة أصلاً، ثم أصبحت تركية عام 1939، فغادرت إلى سورية. ويمكن أن نجد عائلة ثالثة من حلب كانت موجودة في المدينة قبل الحرب ولم تأت إليها لاجئة أصلاً.

وهذه التفاصيل هي التي تجعل دراسة النزوح الأرمني أكثر تعقيداً، لكنها في الوقت نفسه أكثر دقة.

وفي النهاية، فإن الوجود الأرمني في سورية الحديث تشكل نتيجة الاضطرابات والمجازر والترحيل، ثم العودة، ثم النزوح الثاني، ثم تغير الحدود والسيادة. ولذلك فإن أسماء أرضروم، وان، بدليس، موش، سيواس، خربوط، ديار بكر، مالتية، قيصرية، أضنة، مرعش، زيتون، هاجين، سيس، عينتاب، كيليس، دورتيول، حسن بيلي، طرسوس، مرسين، جبل موسى، الإسكندرونة ترتبط بذاكرة مختلفة المراحل، بينما أصبحت حلب ودمشق والقامشلي والحسكة وكسب ودير الزور والرقة وجرابلس واللاذقية وحمص مراكز جديدة لإعادة بناء الحياة الأرمنية.

وهكذا، كما في حالة السريان والآشوريين والكلدان والكرد، فإن الحدود الحالية لا تشرح وحدها حركة السكان في الماضي. بل إن الحدود نفسها كانت أحد أهم العوامل التي صنعت لاحقاً معنى "النزوح من تركيا إلى سورية".

وهذه هي النقطة التي يجب أن تجمع المنشورات الثلاثة كلها: لم تكن المنطقة التي نعرفها اليوم بتركيا وسورية دولتين منفصلتين دائماً، بل كانت فضاءً عثمانياً متشابكاً، ثم أدت الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية والانتداب الفرنسي والحدود الجديدة إلى تحويل حركات السكان القديمة إلى هجرات ولجوء ونزوح عبر حدود دولية.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس