عمرو بن هشام في الميزان التاريخيّ: بين سيادة "أبي الحكم" وموقع بدر وتحوّلات الصراع المَكّي
بقلم الباحث فؤاد زاديكي
تقتضي المنهجيّة البحثيّة الدقيقة فكّ الاشتباك بين الحقائق التاريخيّة المُجرّدة والتراكمات المَفهوميّة التي صاغتها الأدبيات الإسلاميّة في سياق الصراع السياسيّ والدينيّ، إذ أدّى تدوين الأحداث برؤية الطرف المُنتصر إلى شَيطنة المُخالفين وإعادة توصيف القائم الاجتماعيّ بأسماء وصفات ذات حُمولة إيديولوجيّة حادة. يبرز في هذا السّياق النموذج المَكّي المُتمَثِّل في عمرو بن هشام بن المُغيرة، الذي احتلّ موقعًا صَداريًّا استثنائيًّا في البُنية الاجتماعيّة والسياسيّة لمكّة قبل الإسلام، إذ كان من أعمدة "دار الندوة"، ولُقّب بـ "أبي الحكم" لرجاحة عقله، وسِعَة مَعرفته بالأعراف، وحِكمته في إدارة التوازنات العشائريّة، ونفوذه في عشيرته بني مَخزوم التي حازت القيادة العسكريّة والثّراء التجاريّ العريض. وفيما يتّصل بموقفه من الدّعوة النّبويّة، فإنّ القراءة الواقعيّة المُستقلّة تُظهِر أنّ مُناهضته للرسالة الجديدة لم تَكُنْ ناتجةً عن عجزٍ عن الفَهم أو انعدامٍ للحكمة، بل جاءت تعبيرًا عن صراعٍ سياسيّ واقتصاديّ وتنافسٍ تاريخيّ مُحتدِم بين بني مَخزوم وبني هاشم حول مَوَازين القوّة والسيادة، إذ رأى في الإقرار بالنُّبُوّة تَنَازُلًا عن الرّياسة القَبَليّة لصالح بطنٍ مُنافِس وتهديدًا لِتَرَاتُبيّة المجتمع المَكّي. إلّا أنُ الأدبيات الإسلاميّة، وفي إطار صراعها الوُجوديّ للتأثير النفسيّ والإعلاميّ، استَبْدَلَت لقبَه التاريخيّ بـ "أبي جهل" لترسيخ انطباعٍ أخلاقيّ يَحُطّ من رصيده الرّمزيّ، وهو نمطٌ من التّحوير الإيديولوجيّ امتدّ لشخصيات أخرى كـ "مُسيلمة بن حبيب الحنفيّ" الذي كان قائدًا يُعبّر عن استقلاليّة بني حنيفة وعُمِّد بلقب "الكذّاب" زُورًا وبُهتانًا، لإقصاء روايته. وتَستدعي الموضوعيّة العلميّة ههنا التّمييز الدّقيق بين شخصيّة أبي الحكم (عمرو بن هشام) المخزوميّ وشخصيّة أبي لهب (عبد العُزّى بن عبد المُطّلِب) الهاشميّ، إذ يَحدث خَلطٌ شائع بينهما، فالنّصّ القرآنيّ القائل ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ... وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ نزلت في عبد العُزّى وزوجته أم جميل (أروى بنت حرب) في سياق الخلاف العائليّ داخل البيت الهاشميّ والأُمويّ، ولم تكن مُوجّهة إطلاقًا إلى أبي الحكم أو زوجته. كما أنّ وصف "حَمَّالة الحَطَب" لم يكن توصيفًا حرفيًّا لمهنة زاوَلَتْها زوجة أبي لهب - وهي سليلة بيت ثراء وسيادة - وإنّما أتى وفق سنن العرب في التعبير المَجَازيّ والبلاغيّ كنايةً عن النّميمة وإذكاء نار الفِتنة والخُصُومة. وقد بلغت المُواجهة السياسيّة والجيو _ ستراتيجيّة بين مَكّة والمدينة ذُروتها الحاسمة في معركة بدر، إذ بدأت الأحداث إثر مُحاولة جماعة المدينة اعتراض قافلة تجاريّة لمَكّة يقودها أبو سفيان بن حرب تعويضًا للمُمتلكات، وعندما تنبّه أبو سفيان للخطر غَيّر مسار القافلة ونجا بها، وبعث إلى مَكّة ينصح بالعَودة وحقنِ الدّماء. غير أنّ أبا الحكم، انطلاقًا من موقعه القياديّ وحرصه على إثبات الهَيبة العسكريّة للتحالف المَكّي وحماية خطوط التّجارة، أصرّ على مُواصلة المَسير نحو بدر وإقامة مُعسكرٍ استعراضيّ يُرَسِّخ سيادةَ قُريش ويُرْهِب الخُصوم. التقى الجَمعان في آبار بدر، وبدأت المُواجهة وفق التقاليد الحربيّة العربيّة بالمُبارزات الفرديّة بين فرسان البٌطون المُتمَيّزة، ثمّ التحمت الصّفوف في قِتالٍ تَكتيكيّ مُباشر أظهر فيه المُعسكر النّبويّ تنظيمًا وانضباطًا عاليًا وتَمَركُزًا استراتيجيًّا حول مَوارد المِياه، مِمّا أدّى إلى انكسار قُوّات مَكّة ومَصرع أرديتها وقادتها وفي مُقَدّمتهم أبو الحكم الذي قُتِل في قلب الميدان. إنّ عبارة "مَصرع أرديتها وقادتها" تُشير إلى أنّ معركة بدر لم تُسفِر فقط عن مَقتل مقاتلين عاديّين، بل أدّت إلى القضاء على الطبقة الحاكمة والرّموز الاستراتيجيّة لمكّة (أمثال أبي الحكم بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف، والوليد بن عتبة)، وهم الكوادر والرّجالات، الذين كانوا بمثابة "الرّداء" والسُند الحامي للهيكل السياسيّ والعسكريّ والاجتماعيّ لمكّة. انتهت المَعركة بانتصارٍ حاسِم لجَماعة المَدينة ومَقتل نحو سبعين من رِجالات مَكّة وأسر سبعين آخرين، وترتّب على هذه النّهاية ومَصرع أبي الحكم تَداعيات جيو - سياسيّة عميقة، إذ أدّى رحيل القادة التقليديّين لبني مَخزُوم إلى فراغٍ قياديّ هائل وانتقال الثّقل السّياسيّ المَكّي إلى بني عبد شمس بقيادة أبي سفيان بن حرب، بينما كفلت هذه النتيجة لسُلطة المَدينة مَشروعيةً عَسكريّة وسياسيّة كُبرَى حَوّلتها إلى قُوّةٍ إقليميّة حاسِمة، لِتكونَ بدر ومَصرَع أبي الحكم نُقطةَ انكسارٍ لنظام القوى المَكّي القديم وبداية النّهاية لسيادة الأرستقراطيّة القُرَيشيّة التّقليديّة لصالح الدّولة المَركزيّة الناشِئة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|