14s nachgedacht التوزع السكاني والقومي والديني في الجزيرة السورية خلال عهد الانتداب
14s nachgedacht
التوزع السكاني والقومي والديني في الجزيرة السورية خلال عهد الانتداب الفرنسي (1929–1943): قراءة نقدية في الإحصاءات الفرنسية والسورية
إعداد: الباحث فؤاد زاديكي
تُظهر الوثائق الفرنسية والسورية المتاحة عن الجزيرة السورية في أواخر العشرينيات والثلاثينيات وأوائل الأربعينيات أن المنطقة كانت تشهد تحولًا سكانيًا سريعًا، ولذلك فإن أي محاولة لعرضها بوصفها كتلة سكانية ثابتة ينبغي أن تراعي اختلاف السنوات، واختلاف الحدود الإدارية، والفرق بين إحصاء السكان حسب الدين أو الطائفة وبين تصنيفهم حسب القومية أو الإثنية. كما أن تعبير «الجزيرة» في الوثائق الفرنسية لا يطابق دائمًا حدود محافظة الحسكة السورية الحالية، ولذلك فإن النسب الواردة أدناه تخص المجال الجغرافي الذي حدده كل إحصاء، ولا يصح جمع أرقام إحصاءات مختلفة للوصول إلى نتيجة واحدة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الإدارة الفرنسية نفسها كانت تستخدم في بعض الوثائق تصنيفات مثل العرب والكرد والمسيحيين واليزيديين، وفي وثائق أخرى تصنيفات دينية مثل السريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والكلدان والنساطرة والأرمن، وهي ليست تصنيفات قومية متطابقة.
من أقدم الأوصاف الإحصائية والميدانية المهمة ما أعدته السلطات الفرنسية في أواخر العشرينيات. ففي سنة 1929 قُدّر سكان الجزيرة بنحو 40 ألف نسمة موزعين على نحو 250 قرية، وكانت القامشلي لا تزال مدينة حديثة النشأة، إذ لم تكن قد ظهرت كمدينة قبل سنة 1926 تقريبًا، ثم بلغ عدد سكانها نحو 2500 نسمة في 1929، بينما قُدّر سكان عامودا بنحو ألفي نسمة. وكان في المنطقة في ذلك الوقت وجود مسيحي مهم، ولا سيما من السريان الأرثوذكس والأرمن، إلى جانب السكان الكرد والعرب واليزيديين والبدو. وتوضح المعاينات الفرنسية التي أُجريت سنة 1925 أن الشريط الشمالي المحاذي للحدود، الممتد من منطقة رأس العين باتجاه دجلة، كان يغلب عليه الاستقرار الكردي، في حين كانت وديان الخابور والجغجغ ومحيط الخاتونية ومصدر الهول مناطق ذات وجود عربي شبه مستقر، وكانت عشائر شمر وغيرها من البدو تستخدم مجالًا أوسع يمتد بين دجلة وسنجار والفرات والخابور. وهذا الوصف الميداني لا يمثل «تعدادًا قوميًّا» بالمعنى الحديث، لكنه مهم لفهم التوزع الجغرافي السابق للتغيرات السكانية الكبيرة في عهد الانتداب.
وتسارعت حركة الاستقرار في مطلع الثلاثينيات بصورة كبيرة؛ ففي قضاء القامشلي وحده ظهرت خلال أقل من خمس سنوات مدينة واحدة و28 قرية و48 تجمعًا صغيرًا و29 مزرعة منفردة، بينما نشأ شمال عين ديوار خلال عامين نحو تسعين موقعًا مأهولًا جديدًا، وبلغ عدد قرى الجزيرة سنة 1933 نحو 336 قرية. وفي الوقت نفسه استقبلت مدن رأس العين والدرباسية وعامودا والقامشلي والحسكة موجات من المسيحيين القادمين من مدن وقرى جنوب شرقي تركيا، ولا سيما السريان الأرثوذكس والأرمن، كما استقبلت الجزيرة أعدادًا كبيرة من الكرد القادمين من تركيا، خصوصًا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. ولذلك فإن نمو عدد القرى والسكان خلال هذه المرحلة لم يكن نتيجة الزيادة الطبيعية وحدها، بل كان نتيجة الهجرة والاستقرار وإعادة توزيع السكان أيضًا.
ويأتي إحصاء سنة 1937 بوصفه واحدًا من أهم الوثائق التي تسمح بقياس الوجود اليزيدي تحديدًا؛ فالوثيقة الفرنسية المعنونة Population sédentaire de la République Syrienne par rite et par caza au 31 Décembre 1937، والمحفوظة ضمن ملف BEY 567، تسجل نحو ألفي يزيدي في سورية، موزعين بحسب الأقضية على النحو الآتي: 87 في قضاء الحسكة، و797 في قضاء القامشلي، و1082 في جبل الأكراد. وبذلك كانت حصة قضاء القامشلي نحو 39.9% من مجموع اليزيديين المسجلين في هذه الوثيقة، والحسكة نحو 4.4%، وجبل الأكراد نحو 55.7%. ولا يجوز تحويل هذه الأرقام إلى نسب من سكان الحسكة أو القامشلي من دون معرفة المقام السكاني الخاص بكل قضاء في الوثيقة نفسها؛ كما أن الرقم «نحو ألفين» هو إجمالي اليزيديين في سورية، وليس في الجزيرة وحدها. وهذه الوثيقة إحصاء حسب الطقس/الدين والقضاء، وليست جدولًا شاملًا للقوميات.
وفي سنة 1939 نملك وثيقة أكثر أهمية بالنسبة إلى الجزيرة العليا، محفوظة في Centre des Archives Diplomatiques de Nantes (CADN)، Fonds Beyrouth، Cabinet politique، رقم 1367، بعنوان Répartition de la population de la Haute Jézireh، وتذكر أن مجموع سكان «الجزيرة العليا» بلغ 158,550 نسمة، منهم 81,450 كرديًا مسلمًا و2,150 يزيديًا كرديًا. وبحساب النسب من مجموع 158,550، يشكل الكرد المسلمون 51.38% من مجموع السكان، واليزيديون 1.36%، أي إن مجموع الفئتين الكرديتين في هذا التصنيف يبلغ 83,600 نسمة، أو 52.74% من السكان. وتبقى 74,950 نسمة، أي 47.26%، من الجماعات الأخرى التي لم يفصلها هذا الاقتباس إلى عرب وسريان وآشوريين وأرمن وكلدان كلٌّ على حدة. ومن ثم فإن هذه الوثيقة تسمح لنا بإثبات حجم الكتلة الكردية في «الجزيرة العليا» وفق التصنيف الفرنسي لذلك العام، لكنها لا تسمح وحدها باستخراج نسبة العرب أو السريان أو الأرمن. وتشير الدراسة التي نقلت الوثيقة إلى أن عدد القرى ذات الأغلبية الكردية، الذي كان يقدّر قبل 1927 بنحو 45–47 قرية، وصل في 1939 إلى ما بين 700 و800 تجمع ذي أغلبية كردية؛ وهذه المعلومة ينبغي فهمها ضمن تعريف «الجزيرة العليا» في الوثيقة الفرنسية، وليس باعتبارها تعدادًا حرفيًا لكل قرى محافظة الحسكة الحالية.
وفي السنة نفسها، أي 1939، توجد جداول فرنسية أخرى تفصل بعض المراكز والبلدات بحسب العرب والكرد والمسيحيين والأرمن واليزيديين. ففي مدينة الحسكة سجل الجدول 7,133 عربيًا و360 كرديًا و5,700 مسيحي و500 أرمني، أي مجموعًا قدره 13,693 نسمة ضمن الخانات المنشورة؛ وبذلك تبلغ نسبة العرب 52.1%، والكرد 2.6%، والمسيحيين 41.6%، والأرمن 3.7%. وهذه الخانات لا ينبغي جمع «المسيحيين» و«الأرمن» باعتبارهما فئتين متنافيتين قبل معرفة طريقة إعداد الجدول، إذ قد يكون الأرمن مصنفين بصورة منفصلة عن المسيحيين العامين. وفي القامشلي سجل الجدول 7,990 عربيًا، و5,892 كرديًا، و14,140 مسيحيًا، و3,500 أرمني، و720 يزيديًا، بمجموع 32,242 نسمة؛ أي 24.8% عرب، 18.3% كرد، 43.9% مسيحيين، 10.9% أرمن، و2.2% يزيديين بحسب الخانات المنشورة. وفي عامودا سجل 11,260 كرديًا و1,500 مسيحي و720 يزيديًا، أي 13,480 نسمة، فتكون النسب 83.5% كرد، 11.1% مسيحيين، و5.3% يزيديين. وفي الدرباسية سجل 3,011 عربيًا و7,899 كرديًا و2,382 مسيحيًا و425 يزيديًا، بمجموع 13,717 نسمة؛ أي 22.0% عرب، 57.6% كرد، 17.4% مسيحيين، و3.1% يزيديين. وفي رأس العين سجل 2,283 عربيًا و1,025 كرديًا و2,263 مسيحيًا، بمجموع 5,571 نسمة، أي نحو 41.0% عرب، 18.4% كرد، و40.6% مسيحيين. أما ديريك فسجلت 44 عربيًا و1,685 كرديًا و1,204 مسيحيين، بمجموع 2,933، أي 1.5% عرب، 57.4% كرد، و41.1% مسيحيين. وفي عين ديوار سجل 3,608 كرد و900 مسيحي، أي 80% كرد و20% مسيحيين. وفي شاغر بازار سجل 380 عربيًا و3,810 كرديًا وثلاثة مسيحيين، أي 9.1% عرب و90.9% كرد ونحو 0.1% مسيحيين. وفي تل براك سجل 4,509 عرب و905 كرد و200 أرمني، بمجموع 5,614، أي 80.3% عرب و16.1% كرد و3.6% أرمن. وفي الشدادي سجل 2,610 عرب وستة مسيحيين، أي نحو 99.8% عرب و0.2% مسيحيين. وهذه الأرقام تخص المراكز التي شملها الجدول ولا تمثل مجموع الأقضية المحيطة بها، ولذلك لا يصح جمعها باعتبارها تعدادًا كاملًا لمحافظة الحسكة.
وتكشف هذه الأرقام الحضرية بوضوح أن الجزيرة لم تكن ذات تركيب واحد؛ فالحسكة نفسها كانت ذات ثقل عربي ومسيحي كبير، والقامشلي كانت مركزًا شديد التنوع، بينما كانت عامودا وشاغر بازار وعين ديوار ذات أغلبية كردية واضحة في الأرقام المتاحة، وكانت تل براك والشدادي ذات أغلبية عربية واضحة، أما رأس العين فكان العرب والمسيحيون فيها متقاربين جدًا، وكانت ديريك مقسومة تقريبًا بين كتلة كردية وأخرى مسيحية. ولا يجوز نقل تركيبة أي مركز إلى الريف المحيط به؛ فالإحصاءات الفرنسية نفسها تُظهر فرقًا كبيرًا بين المدينة والريف.
ويؤكد جدول آخر لسنة 1941 هذا الفرق بصورة أوضح؛ ففي قضاء الحسكة بلغ عدد السكان في الجدول 51,910، منهم 27,480 عربيًا في الريف و2,070 في المدينة، أي 29,550 عربيًا، و5,720 كرديًا في الريف و59 في المدينة، أي 5,779 كرديًا، و9,600 مسيحي في الريف و6,922 في المدينة، أي 16,522 مسيحيًا، و59 يهوديًا في المدينة. ومن مجموع القضاء يشكل العرب 56.9%، والمسيحيون 31.8%، والكرد 11.1%، واليهود نحو 0.1%. وفي قضاء القامشلي بلغ مجموع الجدول 71,965 نسمة، منهم 39,670 كرديًا، أي 55.1%، و15,613 مسيحيًا، أي 21.7%، و15,019 عربيًا، أي 20.9%، و1,663 يهوديًا، أي 2.3%. أما قضاء دجلة فبلغ 19,540 نسمة، منهم 12,550 كرديًا، أي 64.2%، و4,180 عربيًا، أي 21.4%، و2,810 مسيحيين، أي 14.4%. وإذا جمعت هذه الأقضية الثلاثة وفق الجدول نفسه يصبح مجموع السكان 143,415 نسمة، منهم 57,999 كرديًا، أي 40.4%، و48,749 عربيًا، أي 34.0%، و34,945 مسيحيًا، أي 24.4%، و1,722 يهوديًا، أي 1.2%. وهذا الجدول، أكثر من أي رقم منفرد، يبين أن الكتلة الكردية كانت أثقل في القامشلي ودجلة، بينما كانت الكتلة العربية أكبر في قضاء الحسكة، وكانت الجماعات المسيحية ذات حضور قوي خصوصًا في المراكز الحضرية. ويجب التنبيه إلى أن هذا الجدول يختلف في نطاقه وتعريفه عن إحصاء «الجزيرة العليا» لعام 1939، ولذلك لا ينبغي مقارنتهما كنسبتين لنفس المجتمع تمامًا.
أما المسيحيون، فإن أكبر مشكلة منهجية تظهر عند محاولة تحويل هذه الأرقام إلى قوميات؛ فالجدول الفرنسي لعام 1939 يستخدم في بعض المواضع فئة عامة هي «المسيحيون»، بينما تفصل الإحصاءات الدينية اللاحقة بين السريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والكلدان والنساطرة والأرمن وغيرهم. لذلك لا يجوز أن نقول، مثلًا، إن كل المسيحيين المسجلين في الحسكة سنة 1939 كانوا «سريانًا»، ولا أن كل مسيحيي القامشلي كانوا «آشوريين»، لأن المصدر نفسه لم يصنفهم بهذه الطريقة. وتزداد أهمية هذا التحفظ لأن الجزيرة استقبلت خلال الفترة نفسها موجات مختلفة من السريان والأرمن من تركيا، ثم موجة آشورية كبيرة من العراق، ولكل موجة تاريخ ومجال استقرار مختلف.
وأبرز مثال على ذلك هو منطقة الخابور وتل تمر؛ فقد استقر فيها آلاف الآشوريين القادمين من العراق بعد أحداث العراق سنة 1933، وبلغ عددهم، بحسب دراسة إتيان دو فاوماس المستندة إلى المصادر الفرنسية، 8,627 نسمة في 31 كانون الأول/ديسمبر 1939. وكان هؤلاء موزعين في المستوطنات الآشورية على الخابور، وليس صحيحًا اختزالهم جميعًا في مدينة تل تمر وحدها. كما تذكر المصادر أن المستعمرة الآشورية كانت في نهاية 1936 تضم 16 قرية و8,819 نسمة. ويظهر من ذلك أن الوجود الآشوري في الخابور كان نتيجة عملية استيطان وإعادة توطين حديثة نسبيًا خلال النصف الثاني من الثلاثينيات، وليس مجرد استمرار بسيط للتوزيع السكاني الذي كان قائمًا في عشرينيات القرن العشرين.
وتفيد الدراسة الفرنسية نفسها في فهم العلاقة بين هذه المجموعات؛ فهي تصف الكرد بأنهم ظلوا متركزين في شمال السهل، واليزيديين في منطقة سنجار، والعرب والآشوريين على امتداد الأنهار وحول الحسكة في المرحلة السابقة للحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه كان هناك انتقال واسع للسكان المسيحيين من مدن جنوب شرقي تركيا إلى رأس العين والدرباسية وعامودا والقامشلي والحسكة. لذلك فإن «السريان» و«الآشوريين» و«الأرمن» لا ينبغي التعامل معهم كأنهم كتلة واحدة ظهرت في وقت واحد؛ فالوجود السرياني الأرثوذكسي أقدم في المنطقة من موجة اللاجئين الآشوريين التي استقرت في الخابور بعد 1933، كما أن الأرمن كانت لهم موجات هجرة واستقرار مختلفة.
أما بالنسبة إلى اليزيديين، فالمصدر الأوضح هو إحصاء 1937 المذكور سابقًا: نحو 2,000 يزيدي في سورية، منهم 797 في قضاء القامشلي، أي نحو 39.9% من مجموع اليزيديين المسجلين، و87 في قضاء الحسكة، أي 4.4%، و1,082 في جبل الأكراد، أي 55.7%. ويجب عدم الخلط بين هذا الرقم وبين تعداد اليزيديين في الجزيرة وحدها، كما يجب عدم الخلط بين اليزيدية كدين وبين «الكرد» كتصنيف قومي؛ فالمصدر نفسه يعاملهم هنا باعتبارهم فئة دينية/طائفية، وإن كانت الدراسات التاريخية تشير إلى أن لغة معظم اليزيديين في المنطقة كانت كردية. وتؤكد المصادر الفرنسية الأقدم أن جبل سنجار كان موطنًا رئيسيًا لليزيديين وأنهم كانوا ينتقلون شتاءً إلى مناطق جنوب الجزيرة.
وفي سنة 1943 تظهر إحصاءات دينية أكثر تفصيلًا، ومن بين الأرقام التي يمكن توثيقها في الجدول السوري: 99,665 مسلمًا سنيًا في الجزيرة، و1,475 يزيديًا، و1,938 يهوديًا، و17,793 سريانيًا أرثوذكسيًا، و2,851 سريانيًا كاثوليكيًا، و9,176 كلدانيًا، و1,944 نساطرة. وهذه الأرقام تكشف بوضوح أن الفئات المسيحية التي كانت تظهر في إحصاءات سابقة تحت عنوان عام هو «المسيحيون» كانت في الواقع متعددة الطوائف. لكن توجد هنا ملاحظة حسابية مهمة: الرقم الإجمالي المتداول للجزيرة في هذا الجدول هو 146,001 نسمة، في حين أن مجموع بعض الخانات المنشورة التي أمكن التحقق منها لا يطابق هذا الرقم تمامًا، ولذلك لا ينبغي استخراج نسب مئوية نهائية لكل الطوائف من هذه الخانات قبل الرجوع إلى صورة الجدول الأصلي كاملة والتأكد من جميع الصفوف، ولا سيما الأرمن والطوائف المسيحية الأخرى. وهذا احتياط ضروري حتى لا يتحول اختلاف أو نقص في نقل جدول قديم إلى نسبة مضللة.
ومن ثم فإن الصورة التي تسمح بها الوثائق، إذا صيغت بصورة دقيقة، هي أن العرب والكرد كانوا أكبر مجموعتين إثنيتين في الجزيرة، مع تفاوت جغرافي شديد بين الشمال والوسط والجنوب؛ ففي الشمال الحدودي كانت كثافة القرى الكردية كبيرة جدًا، بينما كان للعرب ثقل واضح في مناطق الخابور والجغجغ والخاتونية والهول والبادية وفي أقضية جنوبية مثل الشدادي، وكانت المدن الكبرى مناطق مختلطة بصورة واضحة. وفي الوقت نفسه كان للمسيحيين حضور كبير في المراكز الحضرية وفي الخابور، وكان هذا الحضور موزعًا بين السريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والكلدان والنساطرة والأرمن، بينما ظهر الوجود الآشوري بصورة بارزة جدًا في مستوطنات الخابور بعد 1933. أما اليزيديون فكانوا أقل عددًا من العرب والكرد والمسيحيين، لكن وجودهم كان موثقًا في القامشلي وعامودا وأجزاء أخرى من الجزيرة، إلى جانب مركزهم السكاني الأكبر في سنجار ومناطق أخرى خارج الجزيرة السورية.
والنتيجة الأهم التي ينبغي الاحتفاظ بها عند قراءة هذه الإحصاءات هي أن لا يوجد إحصاء واحد بين 1929 و1943 يمكنه وحده أن يعطينا جدولًا متكاملًا يقول: عرب كذا بالمئة، كرد كذا بالمئة، سريان كذا بالمئة، آشوريون كذا بالمئة، أرمن كذا بالمئة، كلدان كذا بالمئة، ويزيديون كذا بالمئة، على مستوى محافظة الحسكة الحالية؛ فالوثائق المختلفة تستخدم وحدات جغرافية وتصنيفات مختلفة. إحصاء 1937 هو إحصاء حسب الطائفة والقضاء، ووثيقة 1939 للجزيرة العليا تفصل الكرد المسلمين واليزيديين لكنها لا تفصل العرب والمسيحيين إلى قوميات، وجداول 1939 الخاصة بالبلدات تفصل العرب والكرد والمسيحيين والأرمن واليزيديين ولكنها لا تفكك المسيحيين طائفيًا، أما إحصاءات 1943 فتفكك المسيحيين دينيًا لكنها لا تقدم بالضرورة التصنيف القومي الذي نبحث عنه. لذلك فإن الجمع العلمي بين هذه الوثائق لا ينبغي أن ينتج «رقمًا واحدًا نهائيًا» مصطنعًا، بل ينبغي أن يحافظ على التصنيف الذي استخدمه كل مصدر وأن يذكر النسبة داخل مجاله الجغرافي والزمني.
وعليه، فإن أقرب صورة موثقة للجزيرة السورية في أواخر عهد الانتداب هي منطقة متعددة السكان بصورة واضحة: كتلة كردية كبيرة ومتركزة بصورة خاصة في الشمال، وكتلة عربية كبيرة وممتدة خصوصًا في الوسط والجنوب والبادية، ومجتمعات سريانية وآشورية وكلدانية وأرمنية ذات حضور قوي في عدد من المراكز والمدن وعلى الخابور، ويزيديون بأعداد أصغر ولكن بوجود موثق، إلى جانب اليهود وغيرهم. ولا تدعم الوثائق المتاحة وصف الجزيرة كلها بأنها كانت ذات أغلبية قومية واحدة في كل مناطقها؛ بل تكشف عن فسيفساء سكانية كان توزيعها يتغير بشدة من قضاء إلى آخر ومن المدينة إلى الريف، وكانت الهجرة والاستيطان وإعادة التوطين بين 1925 و1939 عوامل أساسية في تشكيل صورتها الديموغرافية عشية الاستقلال. وتؤكد دراسة إتيان دو فاوماس، المبنية على وثائق ومسوحات فرنسية، أن هذا التغير السكاني كان سريعًا وأن عدد القرى ارتفع بصورة كبيرة خلال الفترة نفسها.
المصادر الأساسية: وثيقة الانتداب الفرنسي Population sédentaire de la République Syrienne par rite et par caza au 31 Décembre 1937، ملف BEY 567؛ ووثيقة Répartition de la population de la Haute Jézireh، أرشيف CADN، Fonds Beyrouth، Cabinet politique، رقم 1367، نيسان 1939؛ ومواد أرشيفية فرنسية أخرى عن سكان الجزيرة سنة 1939؛ ودراسة إتيان دو فاوماس، Le peuplement de la Djézireh، المنشورة في Annales de Géographie سنة 1956، الصفحات 70–72، وهي من أهم الدراسات التي تجمع شهادات وتقارير فرنسية ميدانية عن توزع السكان ونشوء القرى والهجرات في الجزيرة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|