عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 06:01 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,334
افتراضي المسيحيون في سورية بين الخوف والصمت: سجلّ الاعتداءات منذ سقوط الأسد ومسؤولية الدولة ع

المسيحيون في سورية بين الخوف والصمت: سجلّ الاعتداءات منذ سقوط الأسد ومسؤولية الدولة عن الحقيقة والحماية

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

هناك لحظات في تاريخ الأمم يُصبح فيها الصمت موقفًا، ويُصبح التغاضي عن الجريمة مشاركةً غير مباشرة في إنتاجها، ويُصبح دفن الحقيقة أخطر من الجريمة نفسها. وما يتعرّض له المسيحيون في سورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 ليس ملفًّا يُمكن اختزاله في حادثة هنا أو اعتداء هناك، كما أنّه ليس ملفًّا يجوز استخدامه لتأجيج الكراهية بين السوريين أو لتحويل المسيحيين إلى طرف في صراع طائفي جديد. إنّه ملفّ يحتاج إلى توثيق، وتحقيق، ومساءلة، وحماية. والتحذير هنا ليس من المسيحيين، ولا من المسلمين، ولا من مكوّن سوري ضد آخر. التحذير هو من الصّمت. مِن أن يُصبح الاعتداء على مسيحيّ حادثًا عابرًا، وقتله رقمًا، وخطفه قضيةً جنائيّة لا تستحقّ السؤال، وحرق بيته نتيجةً لـ«ظروف أمنيّة»، وتدنيس كنيسته فعلًا فرديًّا، وتهديده على حاجز أمني مجرّد سوء تفاهم، ثم تُغلق الملفّات كلّها تحت عنوان واحد: لا نُريد إثارة الفتنة. أيّ فتنة أخطر من أن يشعر مواطن سوريّ بأنّه لا يستطيع أن يتحدّث عن الجهة التي اعتدت عليه؟ وأيّ دولة يُمكن أن تُبنَى فوق خوف الضحيّة من الكلام؟
إنّ سورية الجديدة، إذا أرادت أن تكون دولة قانون فعلًا، لن تُقاس بما تقوله سلطتها عن التعايش في المؤتمرات واللقاءات، وإنّما بما تفعله عندما يُقتل مواطن، أو تُحرق كنيسة، أو تُدنّس مقبرة، أو تُهدّد عائلة، أو يُختطف شابّ، أو يُعتقل شخص بلا ضمانات قانونيّة. والأدلّة المُتاحة حتى الآن تقول شيئًا أكثر تعقيدًا من الروايات المتطرّفة في كلا الاتجاهين: وقعت بالفعل اعتداءات وانتهاكات طالت مسيحيّين ومواقع وممتلكات مسيحيّة منذ انتقال السلطة، وبعضها ارتبط بجماعات جهادية، وبعضها بقي مجهول المنفّذين، وبعض التقارير اتّهمت أفرادًا أو مجموعات مُرتبطة بالسلطات، بينما توجد حوادث أخرى كانت دوافعها جنائيّة أو مُرتبطة بالثأر أو الاتهام بالارتباط بالنظام السابق، وليس بالدين المسيحيّ بالضرورة. وهذا التفريق ليس تبرئة لأحد, بل هو الشرط الأول لكتابة تاريخ موثّق لا دعاية فيه. (GOV.UK) البداية لم تكن حادثة واحدة منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام السابق، بدأت المخاوف تتشكّل داخل الأوساط المسيحية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2024 أُحرِقت شجرة ميلاد في السقيلبية، وهي المدينة ذات الغالبيّة المسيحيّة في ريف حماة. وأثارت الحادثة احتجاجات ومخاوف واسعة، قبل أن تعلن السلطات توقيف مُشتبه بهم. ثم ظهرت اعتداءات أخرى على رموز مسيحية ومقابر، من بينها تدمير صلبان في مقبرة بريف حمص في شباط/فبراير 2025، إلى جانب حوادث تخريب وتدنيس أخرى. وفي دمشق، ظهرت خلال الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية مظاهر دعويّة متشدّدة في بعض الأحياء المسيحيّة، بما فيها باب توما وباب شرقي والقصّاع والدويلة، عبر مكبّرات الصوت والمنشورات والدّعوة إلى تغيير أنماط حياة السكّان. وتدخّلت السلطات في بعض هذه الوقائع ووصفتها بأنّها أعمال فرديّة وغير رسميّة، لكنّ تكرارها ترك لدى قطاعات من المسيحيين شعورًا بأنّ المجال العامّ الذي اعتادوا عليه يتغيّر من حولهم. (GOV.UK) وهنا تبدأ المشكلة الحقيقيّة, فالاضطهاد لا يبدأ بالضّرورة بمجزرة. قد يبدأ بتخويف. ثم بإهانة. ثم بتهديد. ثم بإحراق سيارة. ثم بتخريب صليب. ثم باقتحام منزل. ثم باختطاف إنسان. ثم يُصبح السؤال بعد سنوات: لماذا غادر المسيحيون؟
من حماة إلى حمص: الاعتداءات الصغيرة التي لا ينبغي أن تُنسى
في نيسان/أبريل 2025 وقعت محاولة لإحراق كنيسة في دمشق. وفي أيار/مايو أُحرقت سيارة عائلة مسيحيّة في حماة، وعُثر على منشورات تحمل تهديدات وإهانات للمسيحيّين. وفي ربلة بريف حمص، أفادت تقارير باعتداء مُسلّحين مُلثّمين يرتدون زيًّا عسكريًّا على متجر، وضَرْب أحد الموجودين فيه وتخريب المحلّ وسرقة أموال وتوجيه عبارات طائفيّة، فيما بقيت هُوِيّة المُهاجمين وعلاقتهم الرسميّة بالسلطة موضع تساؤل. وفي حزيران/يونيو أُطلِقت النار على كنيسة في حمص. وقد وثّقت مصادر دوليّة هذه الحوادث، مع الإشارة إلى أن مُنفّذي بعضها كانوا مجهولين، وأنّ بعضها ارتبط بجماعات متطرّفة تعمل خارج سيطرة الحكومة. (GOV.UK) هذه الحوادث قد تبدو صغيرة إذا قُورِنت بما سيأتي بعدها.لكنّها في الحقيقة كانت إشارات إنذار. إشارات كان ينبغي أن تُقرأ بجدّيّة أكبر، لأنّ الاعتداء على رمز دينيّ لا ينبغي أن ينتظر حتى يسقط عشرات القتلى لكي يُصبح شأنًا وطنيًّا.
ثم جاءت كنيسة مار إلياس
في 22 حزيران/يونيو 2025، وقع الهجوم الأكثر دمويّة ضد المسيحيين في سورية خلال المرحلة الجديدة. دخل انتحاريّ إلى كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق أثناء وجود المصلّين، وأطلق النار قبل أن يُفجّر نفسه. قُتِل 25 شخصًا وأصِيب أكثر من 60 وفق التوثيق الذي استندت إليه وزارة الداخليّة لاحقًا. وفي تموز/يوليو 2026 عرضت الوزارة رواية تفصيليّة قالت فيها إنّ الهجوم خطّط له ونفّذه عناصر من تنظيم الدولة، وإنّ التنظيم كان يسعى إلى استهداف مكوّنات سوريّة مختلفة لإثارة الفتنة وإظهار الدولة ضعيفة أمنيًّا. الجزيرة نت وهنا ينبغي أن تكون الحقيقة واضحة: لا يُوجد ما يبرّر نسبة تفجير مار إلياس إلى السلطة الانتقاليّة نفسها, المصادر التي تناولت التحقيق تنسبه إلى تنظيم الدولة/خلايا جهاديّة مُرتبطة به. لكن هذا لا يلغي سؤالًا آخر لا يقلّ أهمّيّة: هل كان ينبغي للسلطات أن تتعامل بجدّيّة أكبر مع سلسلة الاعتداءات السابقة على الرموز والكنائس والمقابر؟ هذا السؤال طرحه قادة مسيحيون أنفسهم بعد التفجير، خصوصًا أنّ الاعتداءات السابقة كانت قد راكمت شعورًا بالخطر. وقد وثّقت تقارير دوليّة أنّ قادة مسيحيين انتقدوا السلطات بسبب عدم التعامل الكافي مع بعض التهديدات السابقة. (GOV.UK) وبالتالي، يجب التفريق بين مسؤولية المُنفّذ عن الجريمة ومسؤوليّة الدولة عن الوقاية والحماية والمُساءلة. فالقاتل شيء، ومَن كان يستطيع منع الجريمة ولم يفعل شيء آخر.
وبعد مار إلياس لم ينتهِ الخوف
في تموز/يوليو 2025 أُحبطت محاولة تفجير استهدفت كنيسة مار إلياس المارونية قرب طرطوس. وكان من المُمكن أن تتحوّل العملية إلى مجزرة جديدة لو نجحت. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه ظهرت تهديدات مكتوبة على كنيستين، تضمّنت عبارات صريحة ضد المسيحيّين، إحداها في كنيسة القديس كيرلس في دمشق، وأخرى على كنيسة القديس إلياس في معرونة/معلولا، مع إشارات مُباشرة إلى تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة. (GOV.UK) فماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ تفجير مار إلياس لم يكن مجرّد حادث انتهى بانتهاء الانفجار. لقد ترك وراءه مناخًا من الخوف، واستُخدِم اسمه لاحقًا في رسائل تهديد تستهدف المسيحيّين.
القصير: عندما يصبح الماضي ذريعة للحاضر
وفي أيلول/سبتمبر 2025 تعرّض مسيحيون في منطقة القصير بريف حمص لهجمات من فصائل مُسلّحة. وتحدّثت مصادر عن مُهاجمة منازل مسيحيّة وحرق بعضها، وعن اتّهام أصحابها بأنّهم من «فلول النظام السابق». وهنا تظهر واحدة من أخطر المشكلات في سورية الجديدة: هل يجوز أن يتحوّل الانتماء الطائفيّ أو الاشتباه السياسيّ إلى حكم بالإدانة؟ إذا كان شخص ما مُتهمًا بجريمة، فليُحاكم. إذا ثبت أنّه ارتكب جريمة، فليُعاقَب. لكن أن يُعاقَب شخص لأنّه مسيحيّ، أو لأنّ أحد أفراد عائلته كان قريبًا من النظام، أو لأنّ قريته يُعتَقد أنّها كانت مُؤيّدة للنظام، فهذا ليس عدالة. إنّه عقاب جماعيّ. والعقاب الجماعيّ لا يبني دولة. وتُشير وثائق أوروبيّة إلى أنّ مصدرًا كنسيًّا بارزًا اتّهم أفرادًا مرتبطين بالسلطات الانتقاليّة، ولكن خارج السيطرة المركزيّة، باستغلال نفوذهم لتنفيذ اعتداءات ضد المسيحيّين وغيرهم في تلك المنطقة. وفي الوقت نفسه، لا تُوفّر هذه التقارير أساسًا للقول إنّ القيادة المركزية أصدرت أمرًا بمثل هذه الاعتداءات. (GOV.UK) وهنا يجب أن تكون الدّولة هي أوّل مَن يطالِب بالتحقيق.
وادي النصارى: حين وصل الرصاص إلى قلب المجتمع المسيحي
في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2025 قُتِل الشابّان المسيحيّان وسام جورج منصور وشفيق رفيق منصور في قرية عناز في وادي النصارى بريف حمص، وأصِيب شخص ثالث. جاء المسلّح ليلًا، وأطلق النار ثم فرّ. وكانت الجريمة صدمة لمجتمع اعتاد أن يرى وادي النصارى مّلاذًا نسبيًّا للمسيحيّين. لكنّ الأخطر من الرصاص كان الشعور الذي أعقب الجريمة: شعور بأنّ المسيحيّين تُرِكُوا بلا حماية. وقد نقلت التقارير عن ذوي الضحايا وسكّان المنطقة انتقادات للسلطات، ومخاوف من أن نزع السلاح من السكّان المسيحيّين من دون توفير حماية أمنيّة فعّالة ترك المنطقة مكشوفة. وفي الوقت نفسه، لم تُحسَم كلّ التفاصيل المتعلّقة بهُوِيّة القاتل أو علاقته بالسلطات. (GOV.UK) وهذا مثال واضح على ضرورة الفصل بين أمرين: قتل المسيحيّين من قبل مُسلّحين لا يعني تلقائيًّا أنّ الدولة أمرت بالقتل. لكنّ فشل الدولة في حماية مواطنيها ومُحاسبة القاتل، إنْ ثَبُتَ، يُصبح مسؤوليّة الدولة.
السويداء: المسيحيون لم يكونوا بعيدين عن النار
عندما انفجرت أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، لم يكنِ العنف محصورًا في الدروز والأطراف المسلّحة المُتصارعة. تعرّضت مُمتلكات مسيحيّين للاعتداء، وأُحرِقَت منازل في قرية الصورة الكبيرة، كما تعرّضت كنيسة مار ميخائيل للروم الملكيين الكاثوليك للحرق والتخريب. وتُشير التقارير إلى تهجير عائلات مسيحيّة من المنطقة. لكن مرة أخرى، يجب ألّا نقع في التبسيط: أحداث السويداء كانت حربًا متعدّدة الأطراف، ولا يُمكن نسبة كلّ جريمة وقعت فيها إلى السلطة المركزيّة دون دليل خاصّ بكلّ واقعة. المُهمّ أنّ المسيحيّين دفعوا هم أيضًا ثمن الانفلات الأمنيّ والعنف الطائفيّ. وهذا وحده كافٍ ليجعل حماية المدنيّين قضيّة لا تقبل التجزئة.
صيدنايا: الاعتقال والخوف من فقدان الحماية
في صيدنايا، إحدى أهم المدن المسيحيّة في سورية، ظهرت خلال 2026 قضية مُختلفة في طبيعتها، لكنّها لا تقلّ أهمّيّة من ناحية الشعور بالأمان. في 13 حزيران/يونيو 2026 اعتُقِل أربعة رجال مسيحيّون، بحسب Christian Solidarity International، هم جورج منصور وربيع موسى وبطرس الشيخ وشهاب يعقوب، في سياق مُرتبط بمشاركتهم السابقة في الدفاع عن صيدنايا عندما تعرّضت لهجوم عام 2014. كما وثّقت المنظمة استمرار احتجاز سليمان خليل، الرئيس السابق لبلدية صدد السريانية الأرثوذكسية، وقالت إنّه كان مُحتجزًا بلا اتّهام وبلا وصول إلى مُحامٍ لفترة طويلة. (Christian Solidarity International) قد تكون للسلطات روايتها القانونيّة في هذه الملفات. لكنّ دولة القانون لا تُبنى بالروايات. تُبنَى بالاتّهام الواضح، والمُحاكمة العادلة، وحقّ الدّفاع. فإذا كان هؤلاء مُتّهمين بجرائم، فلتُعلَن التُّهَم. وإذا لم تُوجد تُهَمٌ، فلماذا الاعتقال؟
الخطف أيضًا جزء من الصورة
وفي المناطق المسيحية في ريف حمص، ولا سيّما وادي النصارى، تحدّثت مصادر عن استمرار عمليات خطف وابتزاز. لكن من المهمّ ألّا نخلط بين الخطف بسبب الدين والخطف من أجل المال. فبعض المصادر الكنسيّة نفسها أشارت إلى أنّ المسيحيّين المُستَهدَفين بالخطف قد يكونون هدفًا بسبب ثروتهم، وليس لأنّهم مسيحيون. (GOV.UK) وهذا التفصيل مهمّ للغاية. لأنّ كلّ خطف لجريمة مسيحيّ لا يُصبح تلقائيًّا اضطهادًا دينيًّا. لكن في المقابل، إذا كان الخاطفون يستخدمون الهُوِيّة المسيحيّة للضحيّة كوسيلة للتهديد أو التحقير أو الضغط، فهنا يُصبح البُعد الطائفيّ جزءًا مِن الجريمة. ولهذا نحتاج إلى تَحقيقات لا إلى تَخمينات.
إلياس خزعال: 41 يومًا في قبضة الخاطفين
في عام 2026 تعرّض الشابّ المسيحيّ إلياس خزعال من قرية زيدل المسيحيّة في حمص للخطف، وبَقِيَ مُحتَجزًا نحو 41 يومًا، وسط مطالب ماليّة كبيرة من عائلته. وفي النهاية أعلنت الأجهزة الأمنيّة العثور عليه واعتقال مُشتبه بهم. إنّها جريمة خطيرة بكلّ المقاييس، لكنّ دوافعها، وفق المعلومات المُتاحة، لا تكفي وحدها لإثبات أنّها جريمة ارتُكِبَت بسبب المسيحيّة. ومع ذلك فهي تطرح سؤالًا أساسيًّا: هل يستطيع المواطن المسيحيّ في بعض المناطق أن يعيش ويعمل ويتنقل دون أن يُصبح هدفًا سهلًا للخطف والابتزاز؟ إذا كانت الإجابة لا، فهذه مشكلة دولة، مهما كان دِينُ الخاطف.
السقيلبية مرة أخرى
ولم تكن السقيلبية مُجرّد قصة شجرة الميلاد التي أُحرِقَت في نهاية 2024. في آذار/مارس 2026 تعرّضت المدينة لهُجوم جديد بعد خلاف تطوّر إلى حشد مُسلّح. وتُشير تقارير أوروبيّة إلى أنّ مجموعة كبيرة، قُدِّرَ عددُ أفرادها بنحو مئة رجل، تجاوزت نقطة تفتيش تابعة لوزارة الداخليّة، ثم دخلت المدينة واعتدت على ممتلكات مسيحيّين وأحرقت بعضها. (GOV.UK) وهنا يُصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت مجموعة بهذا الحجم قادرة على تجاوز نقطة أمنيّة والوصول إلى مدينة مسيحيّة والاعتداء على سكّانها، فأين كانت الدولة؟ هذا ليس اتّهامًا بتنظيم الهجوم. إنّه سؤال عن مسؤوليّة الحماية. فالشرطة ليست موجودة فقط عندما تنتهي الجريمة. الدولة موجودة كي تمنعَها. وتَكَرّر الأمر في تموز/يوليو 2026 بحادثة أخرى في السقيلبية، الأمر الذي عزّز مخاوف السكّان مِن أنّ المشكلة لم تكن عابرة. وحين تتكرّر الاعتداءات في المكان نفسه، يُصبح من الصعب التعامل معها بوصفها حادثة مُنفردة لا تستحقّ المُعالجة الجذريّة.
وحين يصبح الخوف أقوى من الاحتفال
في صيف 2026 وصلت المخاوف في صيدنايا إلى درجة دفعت مجالس كنسيّة محليّة إلى إلغاء بعض الاحتفالات الدينيّة العامّة احتجاجًا على الاعتقالات والخطف والتهديدات. وهنا نصل إلى جوهر القضيّة. ماذا يعني أن يخاف المسيحيّ من الاحتفال بعيد دينيّ في مدينته؟ ماذا يعني أن يُصبح الاحتفال نفسُه فعلًا يحتاج إلى حسابات أمنيّة؟ ماذا يعني أن تترّدد العائلات في السفر بين المحافظات لأنّ المرور عبر الحواجز قد يحمل معها الخوف من الإهانة أو التوقيف أو الابتزاز؟ هذه ليست مجرّد تفاصيل أمنيّة. إنّها نوعيّة الحياة نفسها.
نادر طنوس: جريمة يجب ألا تُسرَق منها الحقيقة
وفي آب/أغسطس 2026 قُتل نادر بولس طنّوس في حمص بالرصاص. أثارت الجريمة غضبًا واسعًا في الأوساط المسيحيّة، لكنّ التحقيقات الأوليّة التي أعلنت لاحقًا أشارت إلى خلافات قديمة باعتبارها دافعًا مُحتملًا. ولذلك لا يَصحّ تحويل مقتله إلى جريمة طائفيّة قبل ثُبوت ذلك. وهنا تظهر أهمّيّة المبدأ نفسه مرّة أخرى: نحن لا نحتاج إلى تضخيم عدد الجرائم ضد المسيحيّين كي نُثبت وجود المُشكلة. الوقائع الموثّقة وحدُها كافية. ولا يجوز أن يُصبح الدّفاع عن المسيحيّين ذريعة لنشر معلومات غير دقيقة.
أمّا حسّان مروان جروج، فالقضية تحتاج إلى تحقيق لا إلى حكم مُسبق
و20 في أيلول/سبتمبر 2026 انتشرت رواية عن الشابّ المسيحيّ حسّان مروان جروج تفيد بأنّه تعرّض للضرب على أيدي عناصر من الأمن العامّ عقب حادث سير، وأنّ إصاباته أدّت إلى وفاته. لكنّ المرصد السوري لحقوق الإنسان نشر في 20 أيلول/سبتمبر رواية مُناقضة نقلها عن أقارب الشاب، قالوا فيها إنّ الرواية المتداولة عن تعرّضه للضرب غير صحيحة، وإنّه أصيب إثر اصطدام دراجته الناريّة بسيارة ليلًا، ثم توفي بعد تدهور حالته الصحية. (SyriaHR) (قد تكون وصلتهم تهديدات من جهة ما كي يُغيّروا أقوالهم) وفي اليوم التالي، نشر المركز الدوليّ للحقوق والحرّيّات رواية أوّليّة مُختلفة قالت إنّ إصاباته نُسبت إلى عناصر من الأمن العامّ وطالبت بتحقيق مستقل. (ICRights) إذن، في قضية حسّان جروج تحديدًا، لدينا روايات مُتعارضة، وليس حقيقة نهائيّة يُمكن الجزم بها. ولهذا فإنّ تحويل موته الآن إلى دليل قاطع على سياسة مُمنهجة سيكون خطأً بحثيًّا. لكنّ المطالبة بتحقيق مُستقلّ وشفّاف ليست خطأ. بل هي الواجب. وإذا أثبت التحقيق أنّ عناصر أمن اعتدوا عليه، فيجب محاسبتُهم. وإذا أثبِتَ أنّه قضى نتيجة حادث سير، فيجب إعلان ذلك بوضوح وإنهاء الشائعات. الحقيقة لا تُخِيف إلّا من يَخشَى نتائجها.
كنيسة مار جرجس في حماة
وفي أيلول/سبتمبر 2026 وقعت حادثة انفجار قرب كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس في حماة. لم تُسفِر الحادثة عن قتلى، لكنّ وقوعها بالقرب من كنيسة عشيّة عيد الصليب أعاد إلى الواجهة السؤال نفسه: هل تستطيع الكنائس السوريّة أن تعيش طبيعيًّا بعد كلّ ما حدث؟ ولا تزال تفاصيل هذه الحادثة وهُوِيّة مُنفّذيها ودوافعهم بحاجة إلى تَثبيت مُستقلّ. لكن حتّى عندما لا يسقط قتيل، فإنّ استهداف مُحيط كنيسة في بلد شهد تفجير كنيسة مار إلياس يجعل الحادثة جديرة بالتحقيق الكامل، لا بالتجاهل.
إذن: هل كل ما حدث هو مؤامرة واحدة؟
لا. والقول بذلك من دون دليل سيكون ظلمًا للحقيقة. فالمصادر توثّق بوضوح وجود تهديدات من تنظيم الدولة وجماعات جهاديّة، وقد ثبتت مسؤولية هذه الجماعات عن أخطر الهجمات - لكنّ السؤال هنا أليست هذه التنظيمات الجهادية من ضمن دائرة النظام الحاكم؟ فهناك جماعات أجنبيّة غير سوريّة كانت ضمن تنظيم جبهة النصرة وماتزال وصارت جزءًا من أدوات السلطة الحاكمة - وعلى رأسها تفجير مار إلياس. كما أحبطت السلطات هجمات أخرى واتّخذت إجراءات أمنية لحماية الكنائس في مناسبات مختلفة. (الجزيرة نت) لكنّ المصادر نفسها تُوثّق أيضًا اعتداءات أخرى، وبعضها نُسِب إلى أفراد أو مجموعات مُرتبطة بالسلطة أو تعمل خارج السيطرة المركزية، فضلًا عن انتقادات موجهة للسلطات بسبب ضعف الحماية أو ضعف المحاسبة في بعض المناطق. (GOV.UK) وهنا يجب أن نرفض روايتين متناقضتين وخطيرتين: الرواية الأولى تقول: لا توجد مشكلة، وكلّ ما يحدث دعاية. والرواية الثانية تقول: كلّ ما يحدث للمسيحيين هو مؤامرة حكومية مركزية لإبادتهم. الأولى تنكر الوقائع. والثانية تُضيف إلى الوقائع ما لم تُثبته الأدلّة. أمّا الحقيقة، فهي أكثر تعقيدًا:
هناك اعتداءات حقيقية، وهناك خوف حقيقي، وهناك ضحايا حقيقيون، وهناك جماعات جهادية تستهدف المسيحيين، وهناك حالات اتُّهم فيها أفراد مرتبطون بالسلطة بالاعتداء، وهناك قصور أمني ومساءلة غير كافية في بعض الوقائع، وفي المقابل هناك أيضًا إجراءات قامت بها السلطات لحماية المسيحيين وإحباط هجمات. وهذا هو الملفّ الذي ينبغي أن نناقشه. لا أكثر ولا أقلّ.
كان انتشر بعد سقوط الأسد تسجيل قديم يُظهر تحطيم تمثال للسيدة العذراء في اليعقوبيّة، وسعى مُتداولون إلى نسبته لوزير الدفاع في السلطة الجديدة مرهف أبو قصرة. لكنّ التحقيقات الصحفيّة أثبتت أنّ هذه النّسبة غير صحيحة وأنّ التسجيل يعود إلى عام 2013 قبل تَسلّمه منصبه الحالي. غير أنّ الواقعة الأصليّة نفسها، التي استهدفت رمزًا مسيحيًّا في سورية، تبقى جزءًا من الذّاكرة الثقيلة التي تجعل المسيحيّين ينظرون بقلق إلى صُعود القوى الإسلاميّة المسلّحة إلى مواقع السلطة، وهو قلق ينبغي أن يُناقَش بالوقائع لا بالمعلومات المُضلّلة.
المسيحيون ليسوا فلولًا
إنّ اتّهام المسيحيين بالجملة بأنّهم «فلول النظام السابق» ليس عدالة. قد يكون بعض المسيحيين تعاون مع النظام السابق. وقد يكون بعضهم قد استفاد منه (وهذا ينطبق على كثير من السوريين من غير المسيحيين أيضًا لقد كان هناك من السنّة والشيعة والدروز وغيرهم قد تعاون مع النظام بشكلٍ أو بآخر). وقد يكون بعضهم قد ارتكب جرائم. لكنّ هؤلاء يُحاسبون بأسمائهم وبأفعالهم. أمّا أن يُصبح الانتماء المسيحي نفسه قرينة على الولاء السياسي، فهذه بداية كارثة. فالمواطن لا يرث جريمة من طائفته. ولا يرث ذنبًا من جاره. ولا يُدان بسبب دينه. وإذا كان ثمّة درس يجب أن تتعلّمه سورية بعد عقود من الاستبداد والحرب، فهو أنّ العدالة الفردية هي البديل الوحيد عن الانتقام الجماعي.
لا نريد حماية خاصّة للمسيحيين
المسيحي السوري لا يُطالب بأن يكون فوق القانون. ولا يُريد دولة مسيحية. ولا يُريد امتيازًا على المسلم. إنّما يريد شيئًا بسيطًا جدًّا: أن يكون سوريًّا كامل الحقوق. يستطيع أن يدخل الكنيسة دون خوف. أن يسير في الشارع دون أن يُهان بسبب صليبه. أن يفتح متجره دون أن يُبتزّ. أن يُسافر بين المحافظات دون خوف من الحواجز. أن يعيش في قريته دون أن يخشى إحراق منزله. أن يَدفن موتاه دون أن تُدنّس قبورهم. أن يختلف سياسيًّا مع السلطة دون أن يصبح ذلك سببًا لاضطهاده. وأن يعرف، عندما يتعرّض لجريمة، أنّ الدولة ستقف إلى جانبه.
والسلطة مطالبة بأكثر من البيانات
إذا كانت السلطة الجديدة تريد إقناع المسيحيين بأنّها دولة لكلّ السوريين، فإنّ الطريق إلى ذلك واضح. ليس عبر البيانات. ولا عبر الصور الاحتفالية. ولا عبر استقبال رجال الدين. بل عبر: التحقيق. المحاسبة. حماية الكنائس. حماية المقابر. ضبط الحواجز. منع الجماعات المسلحة من العمل خارج القانون. محاسبة أي عنصر أمني يعتدي على مواطن. ومنع تحويل الاتهام السياسي أو الطائفي إلى عقوبة جماعية. وعندما يقع الاعتداء على مسيحي، يجب ألّا يكون السؤال الأول: هل كان من فلول النظام؟» بل: مَنِ اعتدى عليه؟ وما الدليل؟» فإذا كان مُجرمًا، فليُحاكم. وإذا كان بريئًا، فليُحمَ. أمّا أن يُصبح مجرّد الانتماء إلى أقلية دينيّة سببًا للشكّ والرّيبة والعقاب، فذلك ليس بناءً لدولة.
كلمة أخيرة
يهوذا الأسخريوطي ليس في هذه القصة اسمًا لشخص تاريخي فقط. لكنّني لا أريد أن أضع هذا الاسم على شخص بعينه اليوم، لأنّ الخيانة السياسيّة والأخلاقيّة لا تثبت بالشتائم، وإنّما بالوقائع. الخيانة الحقيقيّة هي أن يعرف الإنسان الحقيقة ويخفيها. أن يرى المظلوم ويطلب منه الصمت. أن يرى الجريمة ويخشى على صورة السلطة أكثر مما يخشى على حياة الضحية. أن تتحوّل حماية الدولة إلى حماية صورتها. لكن في المقابل، ليست الحقيقة أن نتّهم بلا دليل، أو أن ننسب كلّ جريمة إلى جهة واحدة، أو أن نحوّل الألم المسيحي إلى كراهية للمسلمين. ذلك أيضًا خيانة للحقيقة. إنّ المسيحيين السوريين لا يحتاجون إلى من يُتاجر بمأساتهم. يحتاجون إلى من يُوثّقها. ولا يحتاجون إلى من يُخيف الآخرين باسمهم. بل إلى من يُطالب بحقّهم في دولة تحميهم كما تحمي سائر مواطنيها. لذلك يجب أن يبقى السؤال مفتوحًا: مَن قتل؟ مَن خطف؟ مَن أحرق؟ مَن هدّد؟ مَن اعتدى؟ مَن أمر؟ ومَن تستّر؟ ومَن فشل في الحماية؟ ومَن منع التحقيق؟ ومَن أغلق الملفّ؟ هذه الأسئلة ليست فتنة. إنّها أسئلة دولة. وإذا كانت السلطة الانتقالية واثقة من أنّها لا تستهدف المسيحيين، فإنّ أفضل ما يمكنها فعله ليس إسكات الأسئلة، بل فتح الملفّات والتحقيق فيها وكشف نتائجها أمام السوريين. فإذا كان الجاني تنظيم الدولة، فليُكشف. وإذا كان الجاني جماعة مسلحة مُنفلتة، فلتُحاسَب. وإذا كان الجاني فردًا من الأمن، فليُحاكم. وإذا كانت الرواية المتداولة خاطئة، فلتثبت الدولة خطأها بالدليل. أما دفن كلّ شيء تحت عنوان «حوادث فرديّة» أو «فلول النظام» أو «أخبار مُضلّلة»، من دون تحقيق شفّاف، فلن يؤدّي إلّا إلى نتيجة واحدة: أن يفقد المواطن ثقته بالدولة، وأن تتحوّل الذّاكرة إلى مستودع للغضب. وهنا يكمن الخطر الحقيقيّ. فالمسيحيّ الذي يُهاجر لا يأخذ معه منزله فقط. يأخذ معه ذاكرة كنيسة. وقبر أب. ولهجة قرية. وصورة جدّ. وحكاية عائلة. وتاريخ مدينة. وعندما يُغادر آخر مسيحيّ قرية سوريّة، لا تكون سورية قد خسرت «أقليّة» فقط. تكون قد خسرت جزءًا من نفسها. ولهذا فإنّ الدفاع عن حقّ المسيحيين في البقاء ليس دفاعًا عن طائفة ضد طائفة. إنّه دفاع عن سورية نفسها. عن سورية التي لا يكون فيها الخوف دينًا، ولا الطائفة تُهمة، ولا الصّمت شرطًا للنجاة، ولا الحقيقة جريمة. لن نصمت عن الضحايا. لكنّنا أيضًا لن نتّهم بلا دليل. سنذكر الأسماء، ونوثّق الوقائع، ونُطالب بالتحقيق، ونرفض العقاب الجماعي، ونرفض الكراهية، ونرفض في الوقت نفسه أن يُطلَب من الضحيّة أن تدفن الحقيقة مع موتاها. فالدولة التي تُريد أن تبدأ عهدًا جديدًا لا تخاف من الحقيقة. بل تبدأ منها.

__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس