في رحلة الحياة: الانتماء حقٌّ وأمان في رحلة الحياة، يتشكّل الوجود الإنساني وتتحدد معا
في رحلة الحياة: الانتماء حقٌّ وأمان
في رحلة الحياة، يتشكّل الوجود الإنساني وتتحدد معالمه عبر دافعٍ أصيل ومحوري يُمثّل حاجة وجدانية ونفسية لا غنى عنها، ألا وهو الإحساس بالانتماء. إن الانتماء، بأشكاله المتعددة وسياقاته المتباينة، ليس مجرد اختيار عابر أو انضمام شكلي، بل هو الرابط الروحي والفكري والمكاني الذي يُشعر الفرد بأنه جزء من كيان أكبر يتجاوز حدود ذاته الفردية. وسواء كان هذا الانتماء ماديًا ملموسًا كالانتساب إلى أسرة تحضن، أو بيت يجمع، أو وطن يضمّ تاريخ الإنسان وذكرياته، أم كان انتماءً معنويًا وفكريًا يتجلى في عقيدة دينية أو سياسية، أو مبدأ إنساني سامٍ، أو فكرة كونية وفلسفية؛ فإن كل هذه المسارات تشترك في كونها حقًا مشروعًا وأصيلًا لكل إنسان، لا يجوز لأي جهة أو سلطة أو فرد أن يُعيب عليه اختيارها، أو أن يمارس بحقه التخوين والإقصاء لمجرد الاختلاف في التوجه أو الفكر. وعلى هذا الأساس القائم على احترام حق الاختلاف وصون الكرامة الفردية، تستقيم العلاقات الاجتماعية بين البشر وتستقر في موقعها الصحيح، حيث يتحول التنوع من سبب للنزاع والفرقة إلى رافد للتكامل والغناء الإنساني. إن الهدف الجوهري الذي يسعى إليه الإنسان من خلال امتداده في أي انتماء هو تجنب العزلة والشتات الروحي، وإيجاد مساحة آمنة يتشارك فيها مع الآخرين الأفكار والمشاعر والتطلعات. وتتجسد النتيجة المباشرة لهذا الانتماء الصادق في أنه يبعث في النفس شعورًا عميقًا بالأمان، ويمنح الإنسان ثقة بالنفس وراحة فكرية ونفسية تُعدّ من المقومات الضرورية لحياة صحية وسليمة من جميع النواحي في مسيرة الحياة. لتكون الغاية الأسمى والأخيرة من أي انتماء — مهما تنوعت مظاهره واختلفت أشكاله — هي الوصول إلى وجود متوازن ومطمئن، يُمكن الفرد من ممارسة عطائه وإبداعه وهو آمن على حقه في التعبير عن ذاته وهويته.
الباحث: فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de
|