الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء دراسة تاريخية شاملة من سايكس–بيكو إلى
الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء
دراسة تاريخية شاملة من سايكس–بيكو إلى الجلاء سنة 1946
إعداد وبحث: فؤاد زاديكي
القسم الأول: من سايكس–بيكو إلى فرض الانتداب الفرنسي وبناء نظامه السياسي والإداري
دخلت سورية القرن العشرين وهي تحمل إرثًا تاريخيًا وحضاريًا عميقًا، لكنها كانت في الوقت نفسه جزءًا من الدولة العثمانية التي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر تعاني من أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية متراكمة. وقد أدت الهزائم العسكرية، وتنامي التدخل الأوروبي، وصعود الحركات القومية، وتراجع قدرة الدولة العثمانية على إدارة أقاليمها الواسعة، إلى جعل بلاد الشام واحدة من أهم المناطق التي ستتقرر فيها نتائج الحرب العالمية الأولى ومستقبل الشرق العربي كله.
ولم تكن سورية عند نهاية الحرب العالمية الأولى مجرد منطقة جغرافية محددة بحدودها الحالية، بل كانت جزءًا من المجال التاريخي المعروف ببلاد الشام، الذي شمل في التصورات السياسية والإدارية والثقافية مناطق واسعة من سورية ولبنان وفلسطين والأردن وأجزاء من العراق والأناضول. ولهذا فإن الحديث عن الانتداب الفرنسي على سورية يقتضي العودة إلى المرحلة التي سبقت فرضه، وفهم التنافس الدولي على المنطقة، والوعود التي قُدمت للعرب، والاتفاقيات السرية التي عقدتها القوى الأوروبية، ثم متابعة التحولات التي قادت إلى إسقاط المملكة العربية السورية وفرض نظام الانتداب.
خلال الحرب العالمية الأولى، حاولت بريطانيا استمالة العرب إلى جانب الحلفاء ضد الدولة العثمانية، فدخلت في مراسلات سياسية مع الشريف حسين بن علي، شريف مكة، عُرفت باسم مراسلات حسين–مكماهون. وقد تضمنت هذه المراسلات وعودًا بدعم استقلال عربي واسع في المناطق التي كانت خاضعة للحكم العثماني، مقابل مساهمة العرب في الثورة على الدولة العثمانية. غير أن طبيعة هذه الوعود وحدودها الجغرافية ظلت موضع خلاف وتأويل، إذ استخدمت بريطانيا لغة سياسية مرنة سمحت لها لاحقًا بتقديم تفسيرات مختلفة لما التزمت به تجاه العرب.
وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تتفاوض مع الشريف حسين، كانت تجري مفاوضات سرية مع فرنسا لتقسيم مناطق النفوذ في المشرق العربي. وأسفرت هذه المفاوضات عن اتفاقية سايكس–بيكو سنة 1916، التي ارتبطت باسم الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو. وقد رسمت الاتفاقية تصورًا لتوزيع النفوذ البريطاني والفرنسي في بلاد الشام والعراق، بحيث تحصل فرنسا على مجال نفوذ واسع في سورية ولبنان، بينما تحصل بريطانيا على مجال نفوذ في العراق والمناطق الواقعة إلى الجنوب والشرق من بلاد الشام.
كانت اتفاقية سايكس–بيكو تعبيرًا واضحًا عن منطق المصالح الإمبراطورية الأوروبية، ولم تكن في أصلها اتفاقية تمنح الشعوب العربية حق تقرير مصيرها. فقد تعاملت مع المنطقة بوصفها مجالًا استراتيجيًا واقتصاديًا يمكن تقسيمه إلى مناطق نفوذ، مع مراعاة المصالح التجارية والعسكرية وطرق المواصلات والموانئ ومصادر الطاقة. وعلى الرغم من أن الاتفاقية لم تُنفذ حرفيًا بكل تفاصيلها، فإنها شكلت إطارًا مهمًا لفهم السياسات التي اتبعتها بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الحرب.
وفي سنة 1917 صدر وعد بلفور الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية تأييدها لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع النص على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة فيها. وقد زاد هذا الوعد من تعقيد القضية العربية، لأنه أضاف مشروعًا سياسيًا جديدًا إلى منطقة كانت تنتظر، وفق الوعود السابقة، قيام كيان عربي مستقل. كما كشف التناقض بين الخطاب البريطاني الذي تحدث عن دعم تطلعات الشعوب، والسياسات الفعلية التي اتجهت إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الاستعمارية.
مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، دخلت القوات العربية المتحالفة مع البريطانيين، بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، إلى دمشق في تشرين الأول سنة 1918. وقد استقبل قسم كبير من السكان هذا الدخول بوصفه بداية مرحلة جديدة تقوم على الاستقلال العربي وإنهاء الحكم العثماني. وتشكّلت إدارة عربية في دمشق، وبدأت محاولات بناء مؤسسات سياسية وإدارية وعسكرية تمهيدًا لإقامة دولة عربية مستقلة.
كان الأمير فيصل يحاول الجمع بين الاعتراف الدولي بالدولة العربية الناشئة، والمحافظة على وحدة بلاد الشام، والتعامل مع الأطماع البريطانية والفرنسية. وقد ظهرت في دمشق خلال تلك المرحلة مؤسسات سياسية وإدارية ذات طابع عربي، كما نشطت الجمعيات الوطنية والقومية، وبدأت تتبلور فكرة الدولة السورية الحديثة بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا.
وفي آذار سنة 1920، أعلن المؤتمر السوري العام قيام المملكة العربية السورية، واختار الأمير فيصل ملكًا عليها. وكان هذا الإعلان من أهم الأحداث السياسية في تاريخ سورية الحديث، لأنه عبّر عن محاولة تأسيس دولة عربية مستقلة على أساس الإرادة المحلية، بعيدًا عن الوصاية الأجنبية. وقد شملت المطالب السياسية آنذاك استقلال سورية الطبيعية ووحدتها، ورفض تقسيم بلاد الشام إلى كيانات منفصلة تخضع للنفوذ الأوروبي.
غير أن المملكة العربية السورية وُلدت في ظروف دولية شديدة الصعوبة. فقد كانت الدول المنتصرة في الحرب، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، قد عقدت تفاهمات مسبقة حول مستقبل المنطقة، ولم تكن مستعدة للاعتراف الكامل بمشروع الدولة العربية المستقلة. كما أن مؤتمر الصلح في باريس، ثم المداولات اللاحقة، أظهرت أن مصير البلاد العربية سيُقرر بدرجة كبيرة من قبل القوى الأوروبية، لا من قبل سكانها.
في نيسان سنة 1920 انعقد مؤتمر سان ريمو في إيطاليا، وقرر منح فرنسا الانتداب على سورية ولبنان، ومنح بريطانيا الانتداب على العراق وفلسطين. وقد جاء هذا القرار في إطار نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، والذي قُدّم رسميًا باعتباره وسيلة لمساعدة الشعوب التي كانت خاضعة للدولة العثمانية على الوصول إلى الاستقلال. إلا أن التطبيق العملي للانتداب كشف عن طبيعته الاستعمارية، إذ احتفظت الدولة المنتدبة بالسلطة الفعلية على الإدارة والجيش والاقتصاد والسياسة الخارجية، بينما بقيت وعود الاستقلال مؤجلة ومشروطة.
رفضت الحكومة العربية في دمشق مقررات سان ريمو، لأنها رأت فيها انتهاكًا لاستقلال سورية وحق شعبها في تقرير مصيره. وتصاعد التوتر بين الحكومة العربية والسلطات الفرنسية، خصوصًا بعد أن أصبحت فرنسا مصممة على فرض سيطرتها العسكرية على البلاد. وفي تلك الأثناء، حاول الملك فيصل وحكومته تجنب الحرب، لكن المفاوضات لم تؤدِ إلى نتيجة، بسبب التناقض بين المطالب السورية بالاستقلال والوحدة، والمطالب الفرنسية بالسيطرة السياسية والعسكرية.
كان الجنرال هنري غورو يتولى قيادة القوات الفرنسية في المنطقة، وقد وجّه إنذارًا إلى الحكومة العربية يطالبها بقبول الشروط الفرنسية، ومن بينها الاعتراف بالانتداب وحل عدد من المؤسسات العسكرية والسياسية. وقد اعتبرت الحكومة السورية هذا الإنذار مساسًا بسيادتها، لكنها كانت تدرك في الوقت نفسه ضعف إمكاناتها العسكرية أمام الجيش الفرنسي المدعوم بالتفوق في السلاح والتنظيم والإمداد.
وقعت معركة ميسلون في 24 تموز سنة 1920، عندما تقدمت القوات الفرنسية باتجاه دمشق، وواجهتها قوات سورية بقيادة وزير الحربية يوسف العظمة. وقد قرر العظمة خوض المعركة رغم إدراكه اختلال ميزان القوى، لأن الانسحاب دون مقاومة كان يعني ترك العاصمة أمام الاحتلال من دون أي مواجهة. استشهد يوسف العظمة في المعركة، وأصبحت ميسلون رمزًا للمقاومة الوطنية السورية، كما أصبحت الهزيمة فيها نقطة فاصلة بين مرحلة المملكة العربية السورية ومرحلة الانتداب الفرنسي.
بعد معركة ميسلون دخلت القوات الفرنسية دمشق، وغادر الملك فيصل البلاد. وبذلك انتهت تجربة المملكة العربية السورية القصيرة التي لم تستمر سوى بضعة أشهر. ولم يكن سقوط المملكة نتيجة غياب الرغبة في الاستقلال، بل نتيجة تضافر عوامل دولية وعسكرية وسياسية، أهمها التفاهم البريطاني الفرنسي، ورفض الدول المنتصرة الاعتراف بالدولة العربية، والتفوق العسكري الفرنسي، وضعف الموارد المتاحة للحكومة السورية.
بدأت فرنسا بعد احتلال دمشق بإقامة نظام انتدابي يقوم على السيطرة المباشرة وغير المباشرة، وعلى إعادة تنظيم البلاد وفق رؤيتها السياسية والإدارية. ولم تتعامل السلطات الفرنسية مع سورية بوصفها وحدة سياسية واحدة ينبغي الحفاظ على حدودها ومؤسساتها، بل اتجهت إلى تقسيمها إلى وحدات إدارية وسياسية مختلفة، اعتقادًا منها أن التجزئة تساعد على تثبيت النفوذ الفرنسي وتمنع تشكل حركة وطنية سورية موحدة.
في هذا السياق، أُنشئت دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة جبل الدروز، كما أُبقي لبنان في إطار سياسي منفصل انتهى لاحقًا إلى قيام دولة لبنان الكبير. وقد اختلفت الحدود والأسماء والتقسيمات الإدارية خلال سنوات الانتداب، لكن الاتجاه العام كان واضحًا، وهو تفكيك المجال السوري التاريخي إلى وحدات متعددة ذات إدارات منفصلة، وربطها بالسلطة الفرنسية.
استندت السياسة الفرنسية في تقسيم سورية إلى مجموعة من الاعتبارات. فقد رأت الإدارة الفرنسية أن التنوع الديني والمذهبي والقومي يمكن أن يكون أساسًا لتقسيم البلاد إلى كيانات منفصلة، كما سعت إلى تعزيز نفوذها في المناطق الساحلية والداخلية، وإلى إقامة ترتيبات أمنية وعسكرية تضمن السيطرة على المراكز الاستراتيجية. كذلك استخدمت فرنسا فكرة حماية الأقليات لتبرير بعض سياساتها، رغم أن هذه السياسة أدت عمليًا في كثير من الأحيان إلى تكريس الانقسامات الاجتماعية والسياسية بدلًا من تطوير نظام وطني جامع.
كان التقسيم الإداري الفرنسي ذا أثر عميق في تطور الدولة السورية. فقد أدى إلى اختلاف القوانين والأنظمة بين المناطق، وإلى نشوء إدارات محلية متباينة، وإلى تعقيد العلاقة بين المركز والأطراف. كما ساهم في خلق مصالح سياسية واقتصادية مرتبطة بالوحدات الجديدة، الأمر الذي جعل مسألة إعادة توحيد البلاد لاحقًا من القضايا الأساسية للحركة الوطنية.
في دولة دمشق، حاولت السلطات الفرنسية ضبط الحياة السياسية والإدارية من خلال تعيين المسؤولين والموظفين، والإشراف على البلديات، والتحكم في الأمن والجيش والمالية. وفي دولة حلب، ركزت الإدارة الفرنسية على موقع المدينة التجاري وعلاقاتها الاقتصادية مع الأناضول والعراق والبادية. أما في المناطق الساحلية والداخلية، فقد اتبعت سياسات مختلفة تبعًا للتركيبة السكانية والموقع الجغرافي والأهمية العسكرية.
لم يكن نظام الانتداب مجرد وجود عسكري، بل كان منظومة متكاملة من السيطرة السياسية والإدارية والاقتصادية. فقد احتفظت فرنسا بالقرار النهائي في شؤون الدفاع والخارجية والمالية، وأشرفت على أجهزة الأمن والجيش، كما تدخلت في تعيين كبار الموظفين وتحديد طبيعة القوانين والأنظمة. وكانت المفوضية السامية الفرنسية في بيروت مركزًا رئيسيًا لإدارة الانتداب على سورية ولبنان، ومنها كانت تصدر التعليمات السياسية والعسكرية والإدارية.
عملت السلطات الفرنسية على إعادة تنظيم الجيش والأمن بما يضمن ولاءهما للانتداب. وأُنشئت تشكيلات عسكرية محلية عُرفت باسم القوات الخاصة، وضمت عناصر من مناطق وطوائف مختلفة، وكانت خاضعة للإشراف الفرنسي. وقد استخدمت هذه القوات في حفظ الأمن ومواجهة الانتفاضات والثورات، وأصبحت جزءًا من البنية العسكرية التي اعتمدت عليها فرنسا في تثبيت سيطرتها.
كما أعادت فرنسا تنظيم الإدارة المدنية، فوسعت دور الموظفين والخبراء الفرنسيين، وأبقت في الوقت نفسه على عدد من الموظفين السوريين الذين عملوا داخل الجهاز الإداري. وقد أدى ذلك إلى نشوء طبقة من الإداريين والقانونيين الذين اكتسبوا خبرة في مؤسسات الدولة الحديثة، لكنهم عملوا ضمن نظام سياسي لم يكن مستقلًا بصورة كاملة.
وفي المجال القانوني، أدخلت الإدارة الفرنسية تعديلات على أنظمة القضاء والبلديات والضرائب والتسجيل العقاري. واستندت بعض هذه التعديلات إلى نماذج قانونية وإدارية فرنسية، بينما حافظت مناطق أخرى على أجزاء من الإرث العثماني. ولذلك لم يكن الانتداب قطيعة كاملة مع الماضي، بل كان مزيجًا من مؤسسات عثمانية موروثة، وتنظيمات فرنسية جديدة، ومبادرات محلية سورية.
أما في المجال الاقتصادي، فقد سعت فرنسا إلى حماية مصالحها التجارية والمالية، وربط الاقتصاد السوري بشبكة المصالح الفرنسية في المشرق. وأُعيد تنظيم الجمارك والضرائب، وأُنشئت أو دُعمت مؤسسات مصرفية وتجارية، كما جرى الاهتمام بالموانئ والطرق والسكك الحديدية ووسائل الاتصال. غير أن هذه المشاريع لم تكن منفصلة عن الأهداف العسكرية والاستراتيجية، إذ كانت الطرق وخطوط السكك والمرافئ تخدم حركة القوات والبضائع معًا.
أدت السياسة الاقتصادية الفرنسية إلى تغيرات في أنماط التجارة والزراعة والإنتاج. فقد ازداد الاهتمام ببعض المحاصيل التجارية، ولا سيما الحبوب والقطن، كما توسعت حركة التبادل مع الموانئ والأسواق الإقليمية. لكن الاستفادة من هذه التحولات لم تكن متساوية بين المناطق والفئات الاجتماعية، إذ استفاد بعض التجار وكبار ملاك الأراضي والوسطاء من النظام الجديد، بينما بقيت قطاعات واسعة من الفلاحين والعمال تعاني من الضرائب والديون وتقلبات الأسعار.
وفي المدن، تدخلت الإدارة الفرنسية في تنظيم البلديات وتخطيط الشوارع والأسواق والخدمات العامة. وشهدت دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها من المدن تحولات عمرانية وإدارية متفاوتة. وقد شملت هذه التحولات إنشاء أو توسيع بعض الطرق، وتنظيم الأسواق، وتحسين شبكات المياه والإنارة والاتصالات، لكنها ارتبطت أيضًا بمصالح الإدارة العسكرية والاقتصادية، ولم تكن دائمًا ناتجة عن رؤية وطنية شاملة للتنمية.
على المستوى السياسي، حاولت فرنسا إنشاء مؤسسات تمثيلية محدودة تستطيع من خلالها إظهار أن الانتداب يقوم على بناء حياة دستورية، لكنها حرصت على إبقاء السلطات الأساسية في يد المفوضية السامية. ولهذا ظهرت مجالس وهيئات محلية، ثم جرت محاولات لصياغة دستور سوري، غير أن هذه المؤسسات ظلت مقيدة بتدخل السلطة الفرنسية وحاجتها إلى المصادقة على القرارات الكبرى.
كان من أبرز مظاهر الصراع السياسي في تلك المرحلة الخلاف حول وحدة سورية وحدودها. فقد رفض الوطنيون السوريون تقسيم البلاد، وطالبوا بدولة سورية موحدة ذات سيادة، بينما حاولت الإدارة الفرنسية تكريس الكيانات المنفصلة وإبقاء كل منطقة ضمن ترتيباتها الخاصة. ومع مرور الوقت، تحولت قضية الوحدة إلى عنصر أساسي في الخطاب الوطني السوري، وأصبحت مقاومة التقسيم مرتبطة بمقاومة الانتداب نفسه.
لم تكن الحركة الوطنية السورية موحدة في جميع مراحلها، فقد اختلفت اتجاهاتها ووسائلها. فهناك من دعا إلى المقاومة المسلحة، وهناك من فضّل العمل السياسي والتفاوض، وهناك من حاول الاستفادة من المؤسسات القائمة للوصول تدريجيًا إلى الاستقلال. كما ظهرت اختلافات بين النخب المدينية والزعامات المحلية والقيادات الريفية، وبين التيارات القومية والمحلية، لكن هذه الاختلافات لم تمنع تشكل شعور عام بأن الانتداب نظام مفروض من الخارج.
في المناطق الريفية والقبلية والجبلية، ظهرت مقاومات متعددة ضد الوجود الفرنسي. وقد ارتبطت هذه المقاومات أحيانًا بالدفاع عن الاستقلال الوطني، وأحيانًا بالاعتراض على الضرائب والتدخل الإداري والتجنيد وسياسات نزع السلاح. وفي كثير من الحالات تداخلت العوامل الوطنية والمحلية والاجتماعية، بحيث يصعب فصل المطالب السياسية العامة عن مصالح الجماعات والقرى والعشائر والمناطق.
واجهت السلطات الفرنسية هذه المقاومة باستخدام الحملات العسكرية والعقوبات الجماعية والاعتقالات والملاحقات، كما لجأت إلى عقد الاتفاقيات مع بعض الزعامات المحلية أو استخدام التوازنات الاجتماعية لتقليص نفوذ خصومها. وقد تركت هذه السياسات آثارًا عميقة في الذاكرة الوطنية السورية، وأسهمت في ترسيخ صورة الانتداب بوصفه سلطة تعتمد على القوة العسكرية والتقسيم الإداري أكثر مما تعتمد على الرضا الشعبي.
ومع ذلك، ينبغي النظر إلى مرحلة الانتداب بعيدًا عن التبسيط. ففرنسا لم تكن القوة الوحيدة التي أثرت في مستقبل سورية، كما أن المجتمع السوري لم يكن كتلة واحدة ذات موقف موحد. فقد كانت هناك مصالح متباينة بين المدن والأرياف، وبين التجار والملاك والفلاحين، وبين النخب التقليدية والموظفين الجدد، وبين المناطق المختلفة. كما أن بعض السوريين تعاونوا مع الإدارة الفرنسية لأسباب سياسية أو اقتصادية أو محلية، في حين عارضها آخرون بصورة مستمرة. ولا يعني هذا التعاون بالضرورة غياب الشعور الوطني، كما لا يعني الرفض في كل حالة موقفًا سياسيًا واحدًا.
لقد ترك الانتداب الفرنسي إرثًا مركبًا. فمن جهة، ساهم في ترسيخ حدود إدارية وسياسية جديدة، وأدخل أنظمة في الإدارة والقانون والتعليم والمواصلات والاقتصاد، وفتح المجال أمام نشوء فئات مهنية وإدارية جديدة. ومن جهة أخرى، فرض سيطرة أجنبية، وقسّم البلاد، واستخدم القوة العسكرية، وأخّر الاستقلال، وربط القرارات الأساسية بالمصالح الفرنسية.
وبين هذين البعدين نشأت سورية الحديثة في ظروف متناقضة. فقد كانت الدولة السورية تحاول بناء مؤسساتها الوطنية، بينما كانت هذه المؤسسات تعمل تحت سلطة الانتداب. وكانت النخب السورية تتعلم أدوات السياسة والدستور والإدارة، لكنها كانت تصطدم بحدود السيادة المفروضة عليها. كما كانت المدن تتوسع وتتغير، لكن المشاريع العمرانية والاقتصادية كانت غالبًا مرتبطة بالحاجات العسكرية والتجارية للسلطة المنتدبة.
يمكن القول إن المرحلة الممتدة من اتفاقية سايكس–بيكو إلى فرض الانتداب الفرنسي كانت مرحلة انتقال من الحكم العثماني إلى نظام دولي جديد، لكنه لم يكن نظام استقلال عربي، بل نظام نفوذ استعماري أعاد رسم الحدود والسلطات. وقد شكل سقوط المملكة العربية السورية في ميسلون نقطة التحول الأساسية، إذ انتقلت سورية من مشروع دولة عربية مستقلة إلى واقع الانتداب والتقسيم والإدارة الفرنسية.
ومع بداية الانتداب، لم تنتهِ فكرة الاستقلال، بل بدأت مرحلة جديدة من النضال من أجلها. فقد انتقلت المقاومة من الدفاع عن المملكة العربية السورية إلى مواجهة الانتداب في المدن والأرياف والجبال، وظهرت قيادات وطنية متعددة، وتطورت الحركة السياسية والصحافية والثقافية، وصولًا إلى الثورات الكبرى التي ستشكل موضوع القسم التالي من هذه الدراسة.
إن فهم هذه المرحلة ضروري لفهم تاريخ سورية المعاصر، لأن كثيرًا من القضايا التي ظهرت خلالها بقيت حاضرة في العقود اللاحقة، ومنها قضية وحدة البلاد، والعلاقة بين المركز والأطراف، ودور الجيش، وطبيعة الدولة الدستورية، وموقع الأقليات، والعلاقة بين النخب السياسية والإدارة الأجنبية، والجدل حول حدود التدخل الخارجي في بناء المؤسسات الوطنية.
وعليه، فإن الانتداب الفرنسي لا يمكن اختزاله في صورة واحدة. فهو من جهة نظام سيطرة أجنبية فُرض بالقوة، ومن جهة أخرى مرحلة شهدت إعادة تنظيم إداري واقتصادي وعمراني ترك آثارًا استمرت بعد الاستقلال. لكن الاعتراف بوجود بعض التحولات المؤسسية أو العمرانية لا يلغي حقيقة أن القرار السياسي والسيادي كان خاضعًا للسلطة الفرنسية، وأن هذه التحولات جرت ضمن سياق استعماري هدفه الأساسي تثبيت النفوذ الفرنسي وحماية مصالحه.
لقد كانت سورية خلال هذه المرحلة أمام معادلة صعبة: بناء دولة حديثة من جهة، ومقاومة سلطة أجنبية تتحكم في أدوات هذا البناء من جهة أخرى. ومن هذا التناقض وُلدت الحركة الوطنية السورية الحديثة، التي ستواصل نضالها عبر المقاومة المسلحة والعمل السياسي والمفاوضات والاحتجاجات الشعبية، حتى الوصول إلى الجلاء الكامل سنة 1946.
__________________
fouad.hanna@online.de
|