عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 11:03 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,297
افتراضي دحض المفتريات والأباطيل: قراءة توثيقية ونقدية في مزاعم ملكية ديريك بقلم الباحث والمؤ

دحض المفتريات والأباطيل: قراءة توثيقية ونقدية في مزاعم ملكية ديريك

بقلم الباحث والمؤرخ الآزخي فؤاد زاديكي

إنّ القراءة الفاحصة للرواية المروجة بشأن ملكية مدينة ديريك وقرية (كاني بحنى)، من قبل موقع الأدب الكردي وما اكتنفها من ادّعاءات تَطال ملكية المرحوم إسماعيل حسين آغا وشخص السيد رزقو أنطون، تكشف بجلاء عن تهافت منهجها وسقوط أطروحتها أمام المعايير العلمية والتوثيقية. إنّ هذا النصّ المنشور لا يعدو كونه سردًا إنشائيًّا يفتقر إلى الأدنى من السند العقاري أو الأرشيفي، ويعتمد كلّيًّا على التخمينات والشائعات التي تُلبَس لبوس "روايات المُعمّرين" للتغطية على غياب الدّليل.
تتجلّى أولى الهنّات الجسيمة في هذا الطرح بالخلط الجغرافي والإداري الفاضح بين ديريك الحالية (المالكية) في الجزيرة السورية، وبين قضاء ديريك (Derik) التاريخي التابع لسنجق ماردين وولاية ديار بكر العثمانية في تركيا الحالية (لنا كتاب الكتروني عن مدينة ديريك السريانية التابعة لماردين). إنّ هذا التّلفيق والتّداخل بين المكانين يُستغَلّ لتمرير ادّعاءات عثمانية ومُستندات لا علاقة لها إطلاقًا بالنُّواة الحضرية لديريك السورية، وهو خطأ منهجي يُسقط المقال برُمّته قانونيًّا وتاريخيًّا.
أمّا الادعاء بأنّ ديريك بكاملها كانت ملكًا خاصًّا لإسماعيل حسين آغا، فيُسقطه التضارب والتناقض الصارخ الوارد في المصادر والشيوعات الشفوية ذاتها التي يحاول أصحاب المنشور الارتكاز عليها. فعند مراجعة الروايات الشفوية المتداولة حول أصل ملكية ديريك، نجد أمامنا على الأقلّ خمس روايات متضاربة ينسخ بعضها بعضًا:
* الرواية الأولى: تزعم أنّ السيد رزقو أنطون اشترى الأراضي من ملاكين ينتمون لجزيرة بوطان.
* الرواية الثانية: تجعل الملكية محصورة بثلاثة أشخاص من أشراف بوطان.
* الرواية الثالثة: ترجع أصل الملكية إلى عبد الله شعبان ويوسف أفندي.
* الرواية الرابعة: تربط أراضي المنطقة بنفوذ وسيادة مصطفى باشا العشائرية.
* الرواية الخامسة: تذكر أنّ حمكو الحسيني كان المالك الأصلي للقرية ومنه اشترى رزقو.
والحقيقة التوثيقية الجوهرية هنا هي أنّ اسم إسماعيل حسين آغا لا يظهر في أيّ من هذه الروايات الخمس باعتباره المالك الأصلي لبلدة ديريك. بل إنّ اسمه لا يَرِد إلّا في هامش الرواية الثالثة بوصفه الشخص الذي ساعد يوسف أفندي في الوصول إلى المنطقة، وليس بوصفه صاحبًا لسند ملكية البلدة. إنّ القفز فوق هذه الروايات المتناقضة لتقديم ادعاء حديث وجازم بأنّ إسماعيل حسين آغا كان مالكًا لكلّ ديريك هو ادّعاء مُفتعل يفتقر إلى السند، ويحتاج إلى وثيقة عقارية جديدة ومستقلّة لا إلى إعادة تأويل السرديات المُتضاربة.
تتّضح السقطات المنهجية الخمس الكبرى في أطروحة المنشور من خلال:
* الخلط بين التبعية العشائرية والملكية العقارية: التداخل بين صفة "كبير عشيرة هارونا" وبين الملكية القانونية والشخصية للبلدة، إذ إنّ النفوذ العُرفي على أفراد العشيرة لا يمنح آغا العشيرة سند ملكية طابو لبلدة كاملة بأسواقها وطواحينها.
* تناقض المنهج بين الشّفاهة والتّوثيق: الارتكاز الكامل على "روايات المُعمّرين" لإثبات اتهامات خطيرة بالتّزوير والاستيلاء، وفي الوقت نفسه مطالبة الآخرين بالاعتماد على الوثائق الرسمية، وهو تناقض موصوف بالمعايير العلمية.
* الإقرار بالتّخطيط الإداري وتجاهل الأملاك الأميرية: الاعتراف بإنشاء المركز الإداري والمقرّ البلدي والثكنة العسكرية عام 1927 بقرارات سيادية من سلطة الانتداب، مع توهّم أنّ تلك المراكز والتنظيمات البلدية أُقيمت ضمن ملك عقاري خاصّ لشخص واحد.
* تناقض ادّعاء التزوير لعام 1942: الاحتجاج بوقوع تزوير لكون البيع سُجِّل عام 1942 بينما الوفاة كانت عام 1941، مع إغفال الإجراءات القانونية المُعتادة كالتّثبيت العقاري للبيوع السابقة أو التسويات الإرثيّة، فضلًا عن عدم تقديم أيّ طعن قضائي بُطلان طوال عقود التّحديد والتّحرير.
* تناقض أولويّة الملكيّة للوقف الكنسي: اتهام رزقو بالعمالة للفرنسيين وبالاستيلاء الانتهازي والتّزوير لمصالح شخصيّة، لا يستند إلى أيّ دليل وهو اتّهامٌ باطل من أساسه، ثمّ الإقرار في النصّ نفسه بأنّ العقارات آلت بموجب وصّيته إلى أوقاف الكنيسة، مما يُثبت أنّ المُعاملات كانت ذات طابع أوقافي ومؤسّساتي لصالح الرعية وليست عملية سلب فردي.
الأدلّة الوثائقيّة الحاسمة: سندات عدلية ومحاضر رسمية تُقرّ بالملكيات والتصرف القانوني
إنّ السند القاطع في تثبيت حقوق الملكية في ديريك لا يعتمد على الانطباعات أو المنشورات العابرة، بل يتجلّى في مجموعة من السندات العقارية والتعهدات التوثيقية المسجلة رسميًّا لدى كاتب العدل والمطرانية السريانية في ديريك، والتي تدحض بشكل مباشر ومطلق أوهام الاستيلاء أو انعدام السند القانوني:
* سند التعهد والتنازل العدلي (نيسان 1950 - رقم 23):
تُثبت الوثائق الرسمية أنّه بتاريخ 9 نيسان 1950، صرّح وقرّ المتعهد رزق الله أنطون موسى (من أهالي قضاء ديريك) عن نفسه وبالوكالة الرسمية عن ابن أخيه صبري أفندي بن يوسف سعيد (من أهالي قضاء زاخو بموجب سند توكيل كاتب عدل زاخو المؤرخ في 8 نيسان 1930 برقم 13، صحيفة 108، جلد 1) بتنازله التامّ عن نصف ملكه في "قضية ديريك" لصالح التنظيم البلدي ودائرة البلدية، مُسقطًا أيّ حق في الرجوع أو المطالبة بالتعويض.
وقد جرى توثيق هذا التنازل وتصديقه رسمياً أمام كاتب عدل قضاء ديريك (محمد نديم محي الدين) بتاريخ 15 رجب 1369 هـ / 2 أيار 1950 م، تحت الرقم 23 وبحضور الشهود المعروفين (ميشيل خليل وغيره)، ومستوفيًا كافة الرسوم والخروج القانونية والعدلية.
* سند التعهد وإقرار البدلات العقارية (24 أيار 1954):
تؤكد وثيقة رسمية أخرى حررت بتاريخ 24 أيار 1954 توقيع المتعهد عبد الله عبد الأحد (من أهالي قضية ديريك)، بحضور المصلح كبرو مراد الحكيم والشهود (كوركيس رشكو والشماس حنا القس)، ومُصدّقة رسميًّا بخاتم وتوقيع سيادة المطران قرياقس مطران الحسكة للسريان الارثوذكس، حيث يُقرّ فيها صراحةً بأنّه إذا جرى أيّ بناء أو استئجار أو بيع على أراضي خراج بلدة ديريك والقرية العائدة له من قبل الغير، فإنّ كامل البدل يُدفع أصولًا إلى السيد يوسف سعيد صبري العراقي لمدة عشر سنوات.
* سجلات وسندات المالكين المتتابعين والتكليف المالي:
تستعرض المحاضر الثبوتية المرفقة سلسلة المعاملات العقارية، والرسوم الدفترية، والإيصالات المالية الرسمية المزودة بالطوابع الحكومية، والتي تؤكد وجود تصرف عقاري قانوني وموثق بين أوقاف الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والعائلات والمالكين المحليين (كعائلة عبد الغني وشخص صبري يوسف سعيد وغيرهم) لتثبيت الحقوق وتحديد المقاسم والهكتارات بدقة متناهية.
إنّ التراث الكنسي والديني والوجود المسيحي السرياني الأصيل في ديريك، والذي تمتد جذوره إلى عهود سحيقة تشهد عليها الأديرة والكنائس المنسوبة للمنطقة، هو حقيقة تاريخية قائمة بذاتها. ولذا، فإنّ محاولة تحويل مسألة الملكيات العقارية إلى دراما اتهامية تقوم على الشكوك هي محاولة بائسة لتزييف الحقائق، إذ إنّ الحقيقة لا تُبنى على الأماني، بل تُستمدّ حصرًا من صحائف الطابو، وسجلات المحاكم العقارية، والأرشيفات الرسمية الموثقة.
وإنّي أستغرب مِن أنّ أحدًا من آل عبد الغني قدري الأفاضل لم يقم بالرّد على هذه المزاعم الباطلة ودحضها وهم الطرف الثاني من مالكي أراضي ديريك إلى جانب الكنيسة السريانية الارثوذكسية في ديريك.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس