Ebdilkerîm Resul الأستاذ والصديق العزيز عبد الكريم رسول،
أشكرك من القلب على هذا الرد النبيل، الموضوعي، والشجاع، وعلى هذه الشهادة التي أعتز بها كثيرًا، لا سيما أنها صادرة عن أخ كردي عزيز يتحدث من موقع المعايشة والمعرفة، لا من موقع المجاملة أو الانحياز.
لقد لفتني في شهادتك أنّك لم تتحدث عن السريان من خلال ما يُقال عنهم، وإنّما من خلال ما رأيته وعايشته بنفسك خلال عقود من التنقل والعمل والتواصل مع أبناء المنطقة. وهذه قيمة كبيرة؛ لأنّ التاريخ الاجتماعي للشعوب لا يُكتب كلّه في الكتب، بل تحفظه أيضًا ذاكرة الناس وشهاداتهم وتجاربهم اليومية.
ولعل أجمل ما في كلامك أنّك اكتشفت، من خلال صداقتك مع المرحوم داوود متو ومع صديقك سمير إبراهيم يوسف وغيرهما، أنّ ثمة سريانًا كثيرين جرى التعامل معهم، بفعل التعريب وسياسات الصهر الثقافي، على أنّهم عرب، حتى إن بعضهم فقد لغته الأصلية أو اضطر إلى إخفائها أو لم تتح له فرصة تعلمها بصورة طبيعية.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يفقد الإنسان لغته دون أن يفقد بالضرورة انتماءه إلى وطنه.
فاللغة ليست جدارًا بين السوريين، وليست نقيضًا للمواطنة، ولا ينبغي أن تكون سببًا للفرقة. على العكس، إنّ الاعتراف بلغة الآخر واحترامها هو أحد أرقى أشكال احترام الإنسان وكرامته وهويته.
وأنا أتّفق معك تمامًا في أنّ من حقّ السريان أن يفتخروا بلغتهم، وأن يكتبوا بها إلى جانب العربية، وأن يتعلّمها أبناؤهم في مدارسهم وجامعاتهم حيثما كان ذلك ممكنًا. ولا أرى في ذلك انتقاصًا من العربية، كما أنّ تعليم الكردية لا ينتقص من العربية، ولا ينبغي أن يُنظر إلى أي لغة سورية باعتبارها منافسًا للغة أخرى.
وأودّ هنا أن أقول لك شيئًا من القلب: إنّ موقفك هذا، بوصفك كرديًّا سوريًّا، يعبّر عن المعنى الحقيقي للأخوة الوطنية التي نحتاج إليها اليوم.
لقد عانى الكرد في سورية بدورهم من سياسات التهميش والإنكار والصهر الثقافي، ولذلك فإنّ وقوف المثقف الكردي إلى جانب حقّ السريان في لغتهم يحمل معنى أخلاقيًّا وتاريخيًّا عميقًا. فالذي ذاق مرارة حرمانه من حقّه يفترض أن يكون أكثر الناس إحساسًا بمرارة حرمان الآخرين من حقوقهم.
وهذه هي الرسالة التي أتمنّى أن تصل إلى الجميع: حقوقنا ليست متعارضة، وكرامتنا ليست قابلة للتجزئة.
لا أريد للسرياني أن ينتصر على الكردي، ولا للكردي أن ينتصر على السرياني، ولا للعربي أن ينتصر على أي منهما. أريد أن ينتصر السوريون جميعًا لفكرة بسيطة وعادلة: أنّ لكل إنسان الحقّ في لغته وثقافته وتاريخه وذاكرته، ما دام متمسّكًا بوطنه وشريكًا في مستقبله.
أما ملاحظتك حول كثرة الكُتّاب السريان الذين لا يكتبون بالسريانية، فهي في الحقيقة تفتح بابًا مؤلمًا للنقاش. فليس من العدل أن نحمّل الأفراد وحدهم مسؤولية ذلك، فحين تُضعف لغة ما في التعليم والحياة العامّة، ثم تمرّ أجيال من أبنائها من دون تعليم مؤسّسي حقيقي بلغتهم، فمن الطبيعي أن تتراجع قدرتهم على الكتابة بها. ولذلك فإنّ استعادة اللغة السريانية تحتاج إلى مشروع ثقافي وتعليمي طويل النفس، وليس مجرّد دعوات عاطفية.
وأخيرًا، أخي عبد الكريم، أقول لك إنّ كلماتك لن تُقرأ عندي بوصفها مجرّد تعليق على منشور، بل بوصفها شهادة أخوية صادقة أعتز بها وأحتفظ لها بمكانة خاصة.
السريان والكرد والعرب والأرمن والكلدوآشوريون وسائر مكوّنات سورية ليسوا جزرًا منفصلة، بل شركاء في وطن واحد، صنع كلّ منهم جانبًا من تاريخه وثقافته وذاكرته.
فلنختلف في السياسة كما نشاء، ولكن لنتّفق على ألّا يكون اختلافنا سببًا في إنكار وجود بعضنا أو إلغاء لغاتنا وثقافاتنا.
لك مني، أيّها الصديق العزيز، كلّ المحبة والاحترام والتقدير، ولإخوتنا الكرد السوريين كلّ المحبة، ولإخوتنا السريان كلّ التضامن، ولسورية التي نحبها جميعًا أمنية واحدة:
أن تصبح سورية الجديدة وطنًا يتّسع لتنوّع أبنائه، لا دولة تطلب منهم أن يتشابهوا كي يكونوا مواطنين.
أخوك وصديقك
فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de
|