عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-08-2026, 06:33 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,264
افتراضي عِنْدَمَا يَفْشَلُ العِشْقُ… لَا تُضَاعِفُوا وَجَعَ المُنْكَسِرِينَ (١١) [ضمن سلسلة

عِنْدَمَا يَفْشَلُ العِشْقُ… لَا تُضَاعِفُوا وَجَعَ المُنْكَسِرِينَ

(١١)

[ضمن سلسلة مقالات في رحلة الحياة]

الشَّاعِرُ وَالبَاحِثُ الاجْتِمَاعِيّ: فُؤَاد زَادِيكي

لَيْسَ كُلُّ مَنِ انْكَسَرَ قَلْبُهُ مَجْنُونًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَتْعَبَهُ العِشْقُ قَدْ فَقَدَ عَقْلَهُ. وَمَعَ ذَلِكَ، فِي بَعْضِ مُجْتَمَعَاتِنَا العَرَبِيَّةِ وَالشَّرْقِيَّةِ، مَا زَالَتْ تَسْكُنُ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ صُورَةٌ قَدِيمَةٌ لِلعَاشِقِ المَكْسُورِ: إِنْ أَفْصَحَ عَنْ أَلَمِهِ قِيلَ إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ أَطَالَ الحُزْنَ قِيلَ إِنَّهُ مَرِيضٌ، وَإِنْ اضْطَرَبَ سُلُوكُهُ قِيلَ: «لَقَدْ جُنَّ مِنَ العِشْقِ!».
وَلَعَلَّ أَقْسَى مَا فِي هَذِهِ الظَّاهِرَةِ أَنَّ الإِنْسَانَ، فِي أَشَدِّ لَحَظَاتِ انْكِسَارِهِ، يَحْتَاجُ إِلَى يَدٍ تَرْفَعُهُ، فَيَجِدُ أَيْدِيَ تَدْفَعُهُ أَكْثَرَ إِلَى القَاعِ.
إِنَّ فَشَلَ العَلَاقَةِ العَاطِفِيَّةِ لَيْسَ حَدَثًا عَابِرًا دَائِمًا. فَالعَلَاقَةُ، حِينَ تَطُولُ وَتَتَعَمَّقُ، لَا تَبْنِي مَشَاعِرَ فَقَطْ، بَلْ تَبْنِي آمالًا وَتَوَقُّعَاتٍ وَصُوَرًا لِلمُسْتَقْبَلِ. وَحِينَ تَنْهَارُ، لَا يَفْقِدُ الإِنْسَانُ شَخْصًا أَحَبَّهُ فَحَسْبُ، بَلْ قَدْ يَفْقِدُ مَعَهُ مُسْتَقْبَلًا كَانَ قَدْ رَسَمَهُ فِي خَيَالِهِ، وَحُلْمًا أَقَامَ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنْ مَعْنَى حَيَاتِهِ.
وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الحُزْنُ،
وَالحُزْنُ لَيْسَ عَيْبًا، وَالدُّمُوعُ لَيْسَتْ دَلِيلَ ضَعْفٍ، وَالحَنِينُ لَيْسَ جُنُونًا. إِنَّمَا الإِنْسَانُ كَائِنٌ يَتَأَلَّمُ لِمَا يُحِبُّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ لِيُعِيدَ تَرْتِيبَ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ تَتَغَيَّرَ خَرِيطَةُ حَيَاتِهِ.
وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ تَبْدَأُ حِينَ يَتَحَوَّلُ أَلَمُ الفَرْدِ إِلَى مَادَّةٍ لِلسُّخْرِيَةِ.
فَبَدَلَ أَنْ يَقْتَرِبَ الأَهْلُ وَالأَصْدِقَاءُ مِنَ الإِنْسَانِ المَنْكَسِرِ بِالرِّفْقِ، قَدْ يَسْأَلُونَهُ بِاسْتِهْزَاءٍ: «أَلِهَذَا السَّبَبِ تَبْكِي؟»، أَوْ يَصِفُونَهُ بِأَوْصَافٍ قَاسِيَةٍ، أَوْ يَحْكُونَ قِصَّتَهُ لِلآخَرِينَ عَلَى سَبِيلِ النُّكْتَةِ وَالتَّسْلِيَةِ. وَرُبَّمَا لَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ إِيذَاءَهُ، وَلَكِنَّ الجُرْحَ لَا يَقْرَأُ النِّيَّاتِ، إِنَّهُ يَشْعُرُ بِمَا يَصِلُ إِلَيْهِ.
وَهُنَا تَتَضَاعَفُ المِحْنَةُ.
فَالإِنْسَانُ، الَّذِي يَشْعُرُ أَصْلًا أَنَّهُ خَسِرَ الحُبَّ، قَدْ يَبْدَأُ فِي الشُّعُورِ أَنَّهُ خَسِرَ أَيْضًا قِيمَتَهُ أَمَامَ النَّاسِ. وَالَّذِي كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَقُولُ لَهُ: «سَتَمُرُّ هَذِهِ الأَيَّامُ»، يَسْمَعُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ: «لَقَدْ أَصْبَحْتَ مَجْنُونًا!». وَبَيْنَ العِبَارَتَيْنِ مَسَافَةٌ كَبِيرَةٌ، هِيَ مَسَافَةُ الرَّحْمَةِ وَالقَسْوَةِ.
إِنَّنَا أَحْيَانًا نُخْطِئُ حِينَ نَظُنُّ أَنَّ السُّخْرِيَةَ تُخَفِّفُ الأَلَمَ. نَظُنُّ أَنَّنَا إِذَا أَضْحَكْنَا المَكْرُوبَ عَلَى مَا يَتَأَلَّمُ مِنْهُ، فَإِنَّنَا نُخْرِجُهُ مِنْ حُزْنِهِ. وَلَكِنَّ السُّخْرِيَةَ قَدْ تَفْعَلُ العَكْسَ تَمَامًا، فَهِيَ تَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى إِخْفَاءِ أَلَمِهِ، وَالعُزْلَةِ عَنْ مُحِيطِهِ، وَالخَجَلِ مِنْ مَشَاعِرِهِ، وَرُبَّمَا إِلَى تَرَاكُمِ الوَجَعِ فِي دَاخِلِهِ حَتَّى يَصْعُبَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ المُسَاعَدَةَ عِنْدَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا.
وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ نَجْعَلَ مِنْ كَلِمَةِ «الجُنُونِ» تَهْمَةً نُلْصِقُهَا بِكُلِّ مَنْ تَغَيَّرَ سُلُوكُهُ بَعْدَ صَدْمَةٍ عَاطِفِيَّةٍ. فَالاضْطِرَابُ النَّفْسِيُّ، إِنْ وُجِدَ، لَيْسَ مَجَالًا لِلسُّخْرِيَةِ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى الفَهْمِ وَالرِّعَايَةِ، وَقَدْ تَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى مُسَاعَدَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ. وَالفَرْقُ بَيْنَ الحُزْنِ الطَّبِيعِيِّ بَعْدَ الفِرَاقِ وَالاضْطِرَابِ النَّفْسِيِّ، الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيمٍ لَيْسَ مِمَّا يَحْسِمُهُ المَارَّةُ بِكَلِمَةٍ أَوْ نَظْرَةٍ. لقد شَاهَدنا حالَاتٍ مثلَ هذِهِ في مجتَمَعِ بلدتِنا ديريك (المالكيّة) ولا داعٍ لِذِكرِ أيّةِ أسماء.
إِنَّ أَجْمَلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَهُ لِمَنْ انْكَسَرَ قَلْبُهُ هُوَ أَنْ نُشْعِرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ إِنْسَانِيَّتَهُ بِفَقْدِهِ لِعَلَاقَةٍ. نَقُولُ لَهُ: «نَعَمْ، أَنْتَ مُتَأَلِّمٌ، وَمِنْ حَقِّكَ أَنْ تَتَأَلَّمَ، وَلَكِنَّ هَذَا الأَلَمَ لَا يُعَرِّفُكَ كُلَّكَ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَى بَقِيَّةِ حَيَاتِكَ».
فَرُبَّمَا كَانَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ذَلِكَ العَاشِقُ المَكْسُورُ لَيْسَ مَوْعِظَةً، وَلَا نُكْتَةً، وَلَا مَحَاكَمَةً، بَلْ إِنْسَانًا يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِهِ فِي صَمْتٍ، وَيَقُولُ لَهُ: «أَنَا هُنَا».
فِي الحَيَاةِ جُرُوحٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَفْتَحُهَا لِيَرَاهَا، بَلْ إِلَى مَنْ يَضَعُ عَلَيْهَا يَدًا رَحِيمَةً حَتَّى تَلْتَئِمَ.
وَلَيْسَ مِنَ العَيْبِ أَنْ يَنْكَسِرَ القَلْبُ، فَالعَيْبُ أَنْ نَرَى قَلْبًا مُنْكَسِرًا فَنَكْسِرُهُ أَكْثَرَ.
وَلَعَلَّ مِنْ أَسْمَى دُرُوسِ رِحْلَةِ الحَيَاةِ أَنْ نَتَعَلَّمَ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ، أَحْيَانًا يَكْفِي أَنْ نَكُفَّ أَلْسِنَتَنَا عَنِ السُّخْرِيَةِ، وَأَنْ نَتْرُكَ لِلْمَكْسُورِ مَسَاحَةً لِيَبْكِي، وَأَنْ نَمْنَحَهُ وَقْتَهُ لِيَسْتَعِيدَ نَفْسَهُ، وَأَنْ نُذَكِّرَهُ، بِهُدُوءٍ، أَنَّ الفَشَلَ فِي الحُبِّ لَيْسَ فَشَلًا فِي الحَيَاةِ.
فَقَدْ يَنْتَهِي حُبٌّ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَهِيَ مَعَهُ الإِنْسَانُ.
وَقَدْ يَغِيبُ شَخْصٌ عَنْ قَلْبِنَا، وَلَكِنْ يَبْقَى فِي أَعْمَاقِنَا دَرْسٌ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نُحِبُّ، وَكَيْفَ نَفْقِدُ، وَكَيْفَ نَنْهَضُ.
وَهَكَذَا تَمْضِي رِحْلَةُ الحَيَاةِ: نَخْسَرُ أَحْيَانًا مَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ العَيْشَ بِدُونِهِ، ثُمَّ نَكْتَشِفُ بَعْدَ سِنِينَ أَنَّنَا لَمْ نَخْسَرْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدْ رَبِحْنَا أَنْفُسَنَا، وَرُبَّمَا رَبِحْنَا قَلْبًا أَعْمَقَ، وَنَظْرَةً أَرْحَمَ إِلَى الآخَرِينَ، وَإِنْسَانِيَّةً أَكْثَرَ نُضْجًا.
فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْكَسِرًا، فَلَا تَسْأَلُوا كَيْفَ نَسْخَرُ مِنْهُ، بَلْ اسْأَلُوا: كَيْفَ نَكُونُ لَهُ سَبَبًا فِي أَنْ يَعُودَ إِلَى الحَيَاةِ؟
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس