Sarisûn Kurdim
أنت تكرر الاتهامات نفسها، لكنك لا تجيب عن نقطة جوهرية: هل يمكن إلغاء هوية شعب كامل بالخطابة والتحديات أم بالأدلة التاريخية؟ إذا كنت تطالب بالمصادر، فيجب أن تخضع أنت أيضًا للمعيار نفسه.
تقول: "اذكر لي مؤرخًا من القرن الأول إلى القرن العشرين ذكر الآشوريين". والحقيقة أن اسم آشور (Assyria/Atour/Athur) لم يختف من المصادر التاريخية كما تدعي. فقد ذكره مؤرخون وجغرافيون كثر، منهم سترابون في القرن الأول قبل الميلاد، وبلينيوس الأكبر في القرن الأول الميلادي، وبطليموس في القرن الثاني الميلادي، ثم استمر استعمال اسم أثور/آثور في الأدبيات السريانية والكنسية لقرون طويلة. كما ورد اسم ܐܬܘܪ (أثور) في كتابات آباء كنيسة المشرق، وفي المصادر البيزنطية والإسلامية بصيغ مثل "أثور" و"آشور". صحيح أن الدولة الآشورية زالت سنة 609 ق.م، لكن زوال الدولة لا يعني اختفاء الاسم الجغرافي أو السكاني، كما أن زوال الدولة البيزنطية لا يعني اختفاء اليونانيين، وزوال الدولة الساسانية لا يعني اختفاء الفرس.
أما قولك إن العباسيين لم يذكروا الآشوريين، فهذا غير دقيق أصلًا، لأن المؤرخين المسلمين كانوا يستخدمون غالبًا أسماء دينية وإدارية مثل السريان والنصارى وأهل الجزيرة أكثر من استخدامهم للتسميات القومية القديمة. وهذا لا يثبت عدم وجود هوية أو انقطاعها، بل يعكس طبيعة التصنيف في ذلك العصر.
أما الادعاء بأن الآشوريين "غزاة قدموا من جنوب إثيوبيا"، فهو ادعاء لا وجود له في أي مرجع أكاديمي متخصص في تاريخ الشرق الأدنى القديم. لا علماء الآثار، ولا علماء اللغات السامية، ولا مؤرخو بلاد الرافدين يقولون بذلك. فإذا كنت تملك مصدرًا أكاديميًا محكمًا يثبت هذه الفرضية، فاذكره، أما إطلاقها على أنها حقيقة فهو خروج عن المنهج العلمي.
وتقول إن الآشوريين لم يقدموا أي إنجاز حضاري، وهذا أيضًا يخالف الإجماع العلمي. فالإمبراطورية الآشورية، رغم طابعها العسكري، تركت إرثًا حضاريًا لا ينكره أحد. يكفي أن مكتبة آشور بانيبال في نينوى حفظت آلاف النصوص السومرية والبابلية، ولولاها لضاع جزء كبير من تراث بلاد الرافدين، ومنها ملحمة جلجامش ونصوص فلكية وطبية وقانونية. كما أن الآشوريين طوروا أنظمة متقدمة في الإدارة والهندسة والري والعمران، وهذه حقائق يدرسها اليوم علماء الآثار في جامعات العالم، وليس القوميون الآشوريون.
أما ربط الهوية الآشورية الحديثة بالمؤامرة البريطانية وحدها، فهو تبسيط شديد. نعم، استغلت بريطانيا الآشوريين كما استغلت العرب والكرد والأرمن وغيرهم خلال الحرب العالمية الأولى، لكن الاستغلال السياسي لا يعني اختراع شعب من العدم. ولو أخذنا بمنطقك لكان علينا أن ننكر أيضًا الهويات القومية الحديثة التي تطورت في القرن التاسع عشر، ومنها القومية الكردية نفسها، لأنها أيضًا تأثرت بالتحولات الدولية والفكر القومي الحديث.
وأخيرًا، فإن استخدام أوصاف مثل "صراصير" و"سرطان" و"دنس" لا يقوي الحجة، بل يضعفها. فالباحث يناقش الوثيقة، ولا يشتم الشعوب. وإذا كنت تؤمن فعلًا بالتاريخ، فدعنا نحتكم إلى الوثائق والآثار والدراسات الأكاديمية، لا إلى لغة التخوين والإقصاء.
إن التاريخ ليس ملكًا للكرد ولا للآشوريين ولا للعرب، بل هو علم يقوم على الدليل. ومن يريد نقض هوية شعب أو إثباتها، فعليه أن يأتي بأدلة علمية موثقة، لا بخطابات سياسية أو ايديولوجية
__________________
fouad.hanna@online.de
|