لا أحدَ يملأ مكانَ أحدٍ: تأمُّلٌ في فَرَادةِ الإنسان وأثرِهٍ بقلم: الباحث فؤاد زاديك
لا أحدَ يملأ مكانَ أحدٍ: تأمُّلٌ في فَرَادةِ الإنسان وأثرِهٍ
بقلم: الباحث فؤاد زاديكي
من بين الأمثال الشّعبيّة الشّاميّة، التي تختزن في كلماتها القليلة معاني كثيرة، يبرز مثل: "ما حَدَنْ يِحِلّ مكان حَدَن" أو "ما حَدَن يعبّي مكان حَدَن"، وهو قول يتردّد على ألسنة الناس في مواقف الفقد والغياب والتّغيير، وكأنّه خلاصة تجربة طويلة مع البشر والحياة. فعندما يرحل إنسان عزيز، أو يغيب شخص ترك أثرًا في محيطه، أو يحاول آخر أن يقوم بالدّور، الذي كان يشغله سابقه، يأتي هذا المثل ليقول إنّ الإنسان ليس مجرّد موقع أو وظيفة يمكن أن يشغلها أيّ شخص آخر، بل هو حضور كامل له ملامحه الخاصّة وبصمته، التي لا تتكرّر.
إنّ كلمة "المكان" في هذا المثل لا تُشير إلى حيّز مادّي نجلس فيه أو منصب نشغله، وإنّما تُشير إلى مكانة الإنسان في حياة الآخرين، وإلى الأثر، الذي يتركه من خلال شخصيّته وتجربته وعلاقاته. فالإنسان لا يُقاس فقط بما يفعله، بل بالطريقة، التي يفعله بها، وبالرّوح، التي يضعها في أعماله، وبالذّكريات، التي يصنعها مع مَن حوله. قد يأتي شخص آخر ليقوم بالمهمّة نفسها، وقد ينجح فيها وربّما يتفوّق أحيانًا، لكنّه لن يكون النّسخة ذاتها من الإنسان، الذي سبقه، لأنّ كلّ إنسان يحمل تاريخًا خاصًّا لا يُمكن نقله أو تكراره.
فالمعلّم، الذي يترك المدرسة قد يأتي بعده معلمٌ آخر يشرح الدروس، والطبيب، الذي يتقاعد قد يأتي طبيبٌ آخر يعالج المَرضى، والمدير، الذي يغادر مكان عمله قد يخلفه مدير جديد، لكنّ أحدًا منهم لا يحمل التّجربة نفسها، ولا العلاقات نفسها، ولا الذّكريات نفسها، التي بناها من سبقه. يمكن للإنسان أن يملأ الفراغ العملي، لكنّه لا يستطيع أن يمحو الأثر الإنسانيّ الذي تركه صاحبه.
ومع ذلك، فإنّ فهم هذا المثل يحتاج إلى شيء من التّوازن. فإذا أخذناه بمعناه الحرفي المطلق، فإنّه لا يكون دقيقًا تمامًا، لأنّ الحياة بطبيعتها تقوم على التّعاقب والاستمرار. فالمجتمعات لا تتوقّف برحيل الأشخاص، والمؤسسات تستمرّ، والأجيال تتعاقب، وكلّ إنسان يمكن أن يساهم بدوره ويضيف شيئًا جديدًا. ليس صحيحًا أنّ شخصًا واحدًا فقط قادر على أداء مهمّة معيّنة إلى الأبد، فالبشر قادرون على التعلّم والتّطوّر وتَحمّل المسؤوليات.
لكنّ المعنى الأعمق للمثل لا يتحدّث عن استحالة التّعويض في الدور، بل عن استحالة الاستنساخ في الشّخصيّة. فالإنسان قد يُستبدل في موقعه، لكنّه لا يُستبدل في قيمته الإنسانية الخاصّة. قد يأتي ابن بارّ بعد ابن بارّ، وصديق جديد بعد صديق قديم، وزميل آخر بعد زميل سابق، لكنّ العلاقات الإنسانيّة لا تُبنى على الوظائف فقط، بل على تفاصيل صغيرة لا يُمكن تكرارها: كلمة قِيلت في وقت صعب، موقف نبيل، ضَحِكة مشتركة، نصيحة بقيت في الذاكرة، أو لحظة كان فيها وجود شخص ما سببًا في تغيير حياة إنسان آخر.
ومن هنا يظهر الفرق بين أن "نسدّ الفراغ" وأن "نملأ المكان". فالفراغ يمكن أن يُسَدّ، والحياة تجد دائمًا طُرقًا للاستمرار، لكنّ المكانة العاطفيّة والإنسانيّة، التي صنعها شخص عبر سنوات طويلة لا يُمكن أن تُنقَل إلى شخص آخر كما هي. إنّنا لا نفتقد الأشخاص فقط بسبب ما كانوا يفعلونه، بل بسبب من كانوا عليه.
ولعلّ جمال هذا المثل أنّه يُذكّرنا بقيمة الإنسان بعيدًا عن النّظرة المادّيّة التي ترى البشر كأنهم عناصر قابلة للاستبدال. ففي عالم يُركّز كثيرًا على الوظائف والمناصب والأدوار، يأتي هذا المثل ليقول إنّ وراء كلّ دور إنسانًا، ووراء كلّ إنسان قصّةً لا تُشبه غيرها. فكلّ شخص هو مزيج فريد من التّجارب والصّفات والذّكريات والعلاقات، ولهذا فإنّ وجوده يحمل معنى خاصًّا لا يستطيع أحدٌ أن يكرّره تمامًا.
إنّ الإنسان يشبه بصمة الإصبع، قد تتشابه البصمات، لكنّها لا تتطابق. وكذلك البشر، قد يتشابهون في الأدوار والقدرات، لكنْ لكلّ واحد منهم طريقته الخاصّة في الحضور والتأثير. لذلك فإنّ القول: "ما حَدَنْ يحلّ مكان حَدَن" ليس دعوة إلى التعلّق بالماضي أو رفض الجديد، بل هو اعتراف جميل بحقيقة بسيطة وعميقة: أنّ الحياة تستمرّ بوجود أشخاص جُدُد، لكنّ آثار الأشخاص الذين مرّوا في حياتنا تبقى مُحتفظة بمكانها.
فالنّاس قد يملأون الفراغ، وقد يحملون الرّاية مِن بعدنا، وقد يُكملون الطّريق، لكنهم لا يمحون الحكاية، التي كتبها مَن سبقهم. لأنّ الإنسان لا يُختصَرُ في مكانّ يَشغله، بل في أثر يتركه، والأثرُ الحقيقيّ لا يملك أحدٌ القدرةَ على نسخِه.
__________________
fouad.hanna@online.de
|