التمييز الديني في مصر: بين غياب التمثيل وسؤال المواطنة بقلم: الباحث فؤاد زاديكي لا
التمييز الديني في مصر: بين غياب التمثيل وسؤال المواطنة
بقلم: الباحث فؤاد زاديكي
لا يظهر التّمييز الدّينيّ دائمًا في صورة قانون صريح يُعلن تفضيل فئة على أخرى، بل قد يَظهر في أنماط مُتكرّرة من غياب فئة معيّنة عن مواقع النّفوذ والقرار، أو في وجود عوائق تجعل الوصول إلى الفرص غير متكافئ بين المواطنين. ومن هنا فإنّ السّؤال عن وضع الأقباط في مصر لا يتعلّق فقط بعدد الأشخاص، الذين يشغلون مناصب معينة، بل يتعلّق بمبدأ أعمق: هل تقوم الدولة على مواطنة متساوية فعلًا، أم أنّ الانتماء الدّيني يؤثّر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في فرص المواطن؟
لقد تناولت دراسات وكتابات حقوقيّة وسياسيّة عديدة ظاهرة التّمييز الديني في مصر، مُشيرة إلى مظاهر متعدّدة، منها التّمييز القانونيّ، والتّمييز في التّعليم، والتّمييز في التّوظيف، ودور بعض الخطابات الإعلامية والدّينيّة في تكريس الفرز الطائفيّ. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أنّ استمرار غياب الأقباط عن بعض المناصب العُليا لفترات طويلة يُثير سؤالًا لا يُمكن تَجاهله: هل يُعقل أنّ مجتمعًا يضمّ ملايين المواطنين الأقباط لا يحتوي على أشخاص مؤهّلين للوصول إلى هذه المواقع؟
فغياب مُحافظ قبطي مثلًا لا يعني بالضّرورة وحده إثبات وجود سياسة رسميّة للإقصاء، لكنّه يظلّ مؤشرًا سياسيًّا واجتماعيًّا يستحقّ التّفسير، خصوصًا عندما يتكرّر نمط ضعف التّمثيل في مواقع أخرى. والسؤال المنطقي هنا ليس: "هل يوجد قبطي واحد مؤهل؟"، بل: "هل من المعقول أن لا يظهر خلال عقود طويلة أيّ شخص قبطي مؤهّل لشغل هذه المناصب؟"
وينطبق السؤال نفسه على المؤسسات الرياضيّة. فالمنتخب الوطني يفترض أن يكون ممثّلًا لكلّ أبناء الشعب، وليس لفئة دينية بعينها. وعندما يغيب اللاعب القبطي عن المنتخب لفترة طويلة جدًا، فإنّ القضية لا تصبح مجرّد اختيار مدربين ولاعبين، بل تصبح سؤالًا حول فرص المشاركة والوصول. هل السّبب أنّ المواهب غير موجودة؟ مع العلم أنّ هناك لاعبين اقباط يلعبون في أقوى الأندية الأوروبية في ألمانيا وبريطانيا وغيرها أم أنّ هناك عوامل اجتماعيّة أو مؤسسيّة تؤثّر على المسار، الذي يصل منه اللاعبون إلى أعلى المستويات؟
وقد أشارت كتابات نقديّة إلى أنّ بعض جذور المشكلة ترتبط ببنية قانونية وثقافية، مثل استمرار وجود نصوص دستورية أو تشريعية يرى منتقدون أنّها تمنح الدّين دورًا في المجال العامّ بطريقة قد تؤثّر على مفهوم المواطنة المتساوية. كما أثارت هذه الكتابات قضية تطبيق بعض الأحكام القانونية في مجالات الأحوال الشخصيّة أو حرّية الاعتقاد، معتبرة أنّ بعض الاجتهادات القضائيّة والتفسيرات القانونيّة قد أدّت إلى معاملة مختلفة للمواطنين حسب خلفيتهم الدّينية.
ومن القضايا التي تناولتها هذه الكتابات أيضًا مسألة بناء دور العبادة، حيث اعتبر منتقدون أنّ القيود التاريخيّة على بناء الكنائس شكّلت مثالًا على عدم المساواة في التّعامل مع الاحتياجات الدينيّة للمواطنين. كما انتقدوا ما وصفوه بتأثير بعض المناهج التعليميّة والخطابات الإعلاميّة، التي قد تُساهم في تعزيز شعور بعض المواطنين بأنّ انتماءهم الدّيني يجعلهم مختلفين في الحقوق أو المكانة.
وفي مجال الوظائف العام؟ة، استندت بعض الدراسات إلى مراجعة قوائم تعيينات وترقيات في مؤسّسات مختلفة خلال سنوات سابقة، وخلصت إلى أنّ نسبة الأقباط في عدد من المواقع القياديّة كانت أقلّ من نسبتهم السكّانية، معتبرة أنّ هذا التّفاوت يحتاج إلى تفسير يتجاوز القول بأنّ الأمر مجرّد صدفة أو نتيجة طبيعية للاختيار بالكفاءة فقط.
لكنّ القضيّة الأساسيّة ليست المطالبة بحصص دينيّة في الدولة، لأنّ المواطنة الحقيقيّة لا تقوم على توزيع المناصب بين الطوائف، بل على ضمان أن تكون الأبواب مفتوحة للجميع وأن يكون مِعيار الاختيار هو الكفاءة وحدها. فإذا كان المجتمع يضمّ مواطنين من أديان مختلفة، فإنّ ظهور التّنوّع في مؤسّسات الدّولة يُصبح أحد المؤشّرات على عدالة النّظام، كما أنُ غيابه المستمرّ يُصبح سببًا مشروعًا للمُساءلة.
أمّا القول بأنّ الدّولة لا يُمكن أن تعترف بتقصيرها إذا كانت هي نفسُها مَوضع الاتهام، فهو يعكس مشكلة معروفة في قضايا حقوق الإنسان: فوجود جهة رسمية تنفي المشكلة لا يكفي وحده لإغلاق النّقاش، كما أنّ الاتهام وحدَه لا يكفي لإثباتها. لذلك فإنّ الطّريق الأفضل هو الشفافية، ونشر بيانات واضحة عن التّعيينات، وضمان وجود آليات مستقلة لمراقبة تكافؤ الفرص ومنع أيّ تمييز على أساس الدّين.
في النّهاية، السؤال الجوهريّ ليس: هل يجب أن يكون المسؤول أو اللاعب مسلمًا أم قبطيًا؟ بل: هل يستطيع أيّ مواطن مصري، مهما كان دينه، أن يصل إلى أي موقع يستحقّه دون أن يكون انتماؤه الدّيني عاملًا مؤثّرًا ضده؟
فالدولة المدنية لا تُقاس فقط بما تقوله القوانين، بل بما يراه المواطنون في الواقع في مؤسّسات الدولة، وفي التّعليم، وفي الإعلام، وفي فُرص العمل، وفي القُدرة على المشاركة الكاملة في الحياة العامّة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|