عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-06-2026, 05:37 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,197
افتراضي الْجُزْءُ الثَّالِثُ صِرَاعُ السِّيَادَةِ عَلَى أُورُشَلِيمَ وَصِنَاعَةُ الْعَدَاءِ

الْجُزْءُ الثَّالِثُ

صِرَاعُ السِّيَادَةِ عَلَى أُورُشَلِيمَ وَصِنَاعَةُ الْعَدَاءِ الْمُسْتَدَامِ

لَمْ يَقِفْ مَنْهَجُ الْإِقْصَاءِ الْعَسْكَرِيِّ عِنْدَ حُدُودِ طَرْدِ الْقَبَائِلِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ حِجَازِ شِبْهِ الْجَزِيرَةِ، بَلْ مَثَّلَ احْتِلَالُ الْعَرَبِ الْمُسْلِمِينَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ (أُورُشَلِيمَ) فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَحَطَّةً جَوْهَرِيَّةً فِي جِذْرِ الْعَدَاءِ التَّارِيخِيِّ. لَقَدْ جَاءَتْ "الْعُهْدَةُ الْعُمَرِيَّةُ" لِتَعْكِسَ صَرَامَةً وَقَسْوَةً بَعِيدَةً كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ مَفَاهِيمِ الْعَدَالَةِ وَالرَّحْمَةِ، حَيْثُ فُرِضَتْ الشُّرُوطُ الْمُذِلَّةُ، وَتَمَّ بِمُوجَبِهَا مَنْعُ الْيَهُودِ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى مَدِينَتِهِمْ الْمُقَدَّسَةِ وَالسَّكَنِ فِيهَا، لِتَكُونَ هَذِهِ الْخُطْوَةُ بِدَايَةَ طَمْسِ الْهُوِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لِأَصْحَابِ الْأَرْضِ الْأَصْلِيِّينَ.
إِنَّ الْجُذُورَ الْحَقِيقِيَّةَ لِهَذَا الْعَدَاءِ، الَّذِي يَسْرِي لِغَايَةِ الْيَوْمِ، وَتَحَوُّلَهُ إِلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ يَرْتَكِزُ عَلَيْهَا الْفِكْرُ الْمَسْلِمُ، لَا يُمْكِنُ فَهْمُهَا بِالِاعْتِمَادِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمَحْشُوَّةِ بِالْخُرَافَاتِ وَتَزْوِيرِ الْحَقَائِقِ. بَلْ تَعُودُ لِأَسْبَابٍ عَقْلَانِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ:

شَرْعَنَةُ الِاحْتِلَالِ بِسَرْدِيَّةِ الدِّينِ: يَحْتَاجُ الْعَرَبُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى صِيَاغَةِ تَارِيخٍ يَمْنَحُهُمْ حَقًّا مُطْلَقًا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِذَلِكَ تَمَّ قَلْبُ الْحَقَائِقِ لِيُصْبِحَ الْيَهُودُ — وَهُمْ السُّكَّانُ التَّارِيخِيُّونَ — فِي النَّظَرِيَّةِ السَّائِدَةِ كَيَانًا مُصْطَنَعاً وَاحْتِلَالِيًّا وَغَاصِبًا، بَيْنَمَا الْفَاتِحُونَ الْعَسْكَرِيُّونَ هُمْ أَصْحَابُ الْحَقِّ. هَذَا التَّزْوِيرُ هُوَ آلِيَّةٌ نَفْسِيَّةٌ لِتَبْرِيرِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمُقَدَّسَاتِ.
الْحَاجَةُ إِلَى عَدُوٍّ وُجُودِيٍّ دَائِمٍ: تُسْتَخْدَمُ فِكْرَةُ "عَدَاءِ الْيَهُودِ" كَأَدَاةٍ سِيَاسِيَّةٍ لِتَوْجِيهِ الْجَمَاهِيرِ وَتَجْيِيشِ الشُّعُوبِ، حَيْثُ يُعَدُّ وُجُودُ عَدُوٍّ خَارِجِيٍّ مُشْتَرَكٍ أَمْرًا ضَرُورِيًّا لِأَنْظِمَةِ الْحُكْمِ لِتَغْطِيَةِ الْأَزَمَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَإِشْغَالِ الْعُقُولِ بِصِرَاعٍ دِينِيٍّ أَبَدِيٍّ.
بِمَنْطِقِ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْعَدَاءَ الْمُسْتَمِرَّ هُوَ نِتَاجُ رَفْضِ الْمَنْظُومَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ صِيَاغَتَهَا لِلتَّارِيخِ قَائِمَةٌ عَلَى فَرْضِ الْقُوَّةِ وَإِقْصَاءِ الْآخَرِ. وَطَالَمَا بَقِيَ التَّارِيخُ يُكْتَبُ لِيُرْضِيَ الْأَوْهَامَ بَعِيدًا عَنِ الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ، سَيَظَلُّ هَذَا الْعَدَاءُ وَقُودًا لِصِرَاعٍ لَا يَنْتَهِي، لِأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى تَسْوِيغِ الِاحْتِلَالِ الْقَدِيمِ وَإِنْكَارِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس