عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 08:32 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,137
افتراضي الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَإِ شَجَاعَةٌ... وَالْمُكَابَرَةُ هَزِيمَةٌ مُؤَجَّلَةٌ فِي حَ

الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَإِ شَجَاعَةٌ... وَالْمُكَابَرَةُ هَزِيمَةٌ مُؤَجَّلَةٌ

فِي حَيَاةِ الْأَفْرَادِ وَالْأُمَمِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، لَيْسَ الْخَطَأُ هُوَ الْمِحَكَّ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي تُقَاسُ بِهِ دَرَجَاتُ الْوَعْيِ وَالرُّقِيِّ، فَالْخَطَأُ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ، وَالْعِصْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِهِمْ. إِنَّمَا الْمِحَكُّ الْحَقِيقِيُّ يَكْمُنُ فِي الْمَوْقِفِ مِنَ الْخَطَإِ بَعْدَ وُقُوعِهِ: أَيُوَاجِهُهُ الْإِنْسَانُ بِشَجَاعَةٍ وَصِدْقٍ، أَمْ يَتَوَارَى خَلْفَ أَسْوَارِ الْإِنْكَارِ وَالْمُرَاوَغَةِ وَالتَّبْرِيرِ؟

إِنَّ الِاعْتِرَافَ بِالْخَطَإِ فَضِيلَةٌ لَا تَنْبُعُ مِنَ الضَّعْفِ كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُهُمْ، بَلْ مِنْ قُوَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ رَفِيعَةٍ تُمَكِّنُ صَاحِبَهَا مِنَ الِانْتِصَارِ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى غَيْرِهِ. فَلَيْسَ هَيِّنًا عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْحَقِيقَةِ مُجَرَّدًا مِنْ أَعْذَارِهِ، مُعْتَرِفًا بِتَقْصِيرِهِ أَوْ زَلَلِهِ، ثُمَّ يَمْضِي فِي سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ وَجَبْرِ الضَّرَرِ وَتَصْحِيحِ الْمَسَارِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَإِ دَلِيلًا عَلَى النُّضْجِ، وَعَلَامَةً عَلَى حَيَوِيَّةِ الضَّمِيرِ، وَبُرْهَانًا عَلَى احْتِرَامِ الْإِنْسَانِ لِلْحَقِيقَةِ أَكْثَرَ مِنِ احْتِرَامِهِ لِصُورَتِهِ أَمَامَ النَّاسِ.

وَعَلَى الضِّفَّةِ الْأُخْرَى، تَقِفُ الْمُكَابَرَةُ بِوَجْهِهَا الْقَاسِي، لَا بِاعْتِبَارِهَا مَوْقِفًا مِنَ الْقُوَّةِ، بَلْ بِوَصْفِهَا شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ الْهَرَبِ مِنَ الْحَقِيقَةِ. فَكَمْ مِنْ خَطَإٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْوَى بِاعْتِذَارٍ صَادِقٍ، فَتَحَوَّلَ بِفِعْلِ الْعِنَادِ إِلَى أَزْمَةٍ مُسْتَعْصِيَةٍ! وَكَمْ مِنْ زَلَّةٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تُصْلَحَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَتَضَخَّمَتْ حَتَّى غَدَتْ جُرْحًا عَمِيقًا لِأَنَّ صَاحِبَهَا آثَرَ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ!

إِنَّ الْمُكَابِرَ لَا يَخْدَعُ الْوَاقِعَ بِإِنْكَارِهِ، وَلَا يُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ بِإِصْرَارِهِ، بَلْ إِنَّهُ يُؤَجِّلُ لَحْظَةَ الْمُوَاجَهَةِ فَقَطْ. وَمَا أَكْثَرَ مَا يَدْفَعُ الْإِنْسَانُ ثَمَنًا بَاهِظًا لِكَلِمَةٍ أَبَى أَنْ يَقُولَهَا فِي وَقْتِهَا: «لَقَدْ أَخْطَأْتُ». فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَرَاهَا الْبَعْضُ انْكِسَارًا، هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا بَدَايَةُ النُّهُوضِ، وَالَّتِي يَرَوْنَ فِي تَجَنُّبِهَا حِفْظًا لِلْكَرَامَةِ، قَدْ تَكُونُ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ السُّقُوطِ.

وَلَعَلَّ أَخْطَرَ أَنْوَاعِ الْخَطَإِ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَتَحَوَّلُ مِنْ فِعْلٍ عَابِرٍ إِلَى مَنْهَجٍ فِي التَّفْكِيرِ وَالسُّلُوكِ. فَعِنْدَمَا يَعْتَادُ الْفَرْدُ أَوِ الْمُجْتَمَعُ تَبْرِيرَ أَخْطَائِهِ وَالِالْتِفَافَ حَوْلَهَا وَإِلْقَاءَ اللَّوْمِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْقِدُ أَهَمَّ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ التَّقَدُّمِ، أَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى النَّقْدِ الذَّاتِيِّ وَمُرَاجَعَةِ النَّفْسِ. وَمَا مِنْ أُمَّةٍ ارْتَقَتْ إِلَّا حِينَ امْتَلَكَتْ شَجَاعَةَ الِاعْتِرَافِ بِإِخْفَاقَاتِهَا، وَمَا مِنْ أُمَّةٍ تَعَثَّرَتْ إِلَّا حِينَ أَقْنَعَتْ نَفْسَهَا بِأَنَّهَا لَا تُخْطِئُ.

إِنَّ الْحَضَارَاتِ لَا تُبْنَى عَلَى ادِّعَاءِ الْكَمَالِ، بَلْ عَلَى فَهْمِ النَّقْصِ وَالسَّعْيِ إِلَى تَجَاوُزِهِ. وَلَا يُقَاسُ رُقِيُّ الْإِنْسَانِ بِمِقْدَارِ مَا يَمْلِكُ مِنْ مَبَرِّرَاتٍ، بَلْ بِمِقْدَارِ مَا يَمْلِكُ مِنْ شَجَاعَةٍ لِيَقُولَ: أَخْطَأْتُ، وَسَأُصَحِّحُ خَطَئِي. فَهُنَا تَبْدَأُ الْحِكْمَةُ، وَهُنَا يَبْدَأُ الْإِصْلَاحُ، وَهُنَا أَيْضًا يَبْدَأُ الطَّرِيقُ نَحْوَ التَّقَدُّمِ.

بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس