عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 04:36 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,137
افتراضي الضّمير بين الصوت الداخلي

الضَّمِيرُ بَيْنَ الصَّوْتِ الدَّاخِلِيِّ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ

بقلم: فؤاد زاديكي

لَطَالَمَا رَدَّدَ النَّاسُ مَقُولَةً شَائِعَةً تَقُولُ: «إِنَّ الضَّمِيرَ هُوَ صَوْتُ اللهِ فِينَا». وَهِيَ مَقُولَةٌ تَسْتَمِدُّ قُوَّتَهَا مِنْ مَا تُوحِي بِهِ مِنْ سُمُوٍّ أَخْلَاقِيٍّ وَعُمْقٍ رُوحِيٍّ، غَيْرَ أَنَّهَا، عِنْدَ التَّأَمُّلِ، لَيْسَتْ تَعْرِيفًا دَقِيقًا لِلضَّمِيرِ بِقَدْرِ مَا هِيَ تَعْبِيرٌ مَجَازِيٌّ يُرَادُ بِهِ التَّنْبِيهُ إِلَى مَكَانَةِ هَذِهِ الْقُوَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ الَّتِي تُرَافِقُ الْإِنْسَانَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ.

فَالضَّمِيرُ هُوَ الْوَعْيُ الْأَخْلَاقِيُّ الَّذِي يُمَكِّنُ الْإِنْسَانَ مِنْ مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ، وَتَقْوِيمِ أَعْمَالِهِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَرَاهُ خَيْرًا وَمَا يَرَاهُ شَرًّا، أَوْ بَيْنَ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَوَابٌ وَمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَطَأٌ. وَهُوَ لَيْسَ صَوْتًا غَيْبِيًّا يُمْلِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَحْكَامَهُ إِمْلَاءً مُبَاشِرًا، بَلْ هُوَ مَلَكَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تَتَشَكَّلُ مِنْ فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ وَتَجَارِبِهِ وَتَرْبِيَتِهِ وَمَا يَتَلَقَّاهُ مِنْ قِيَمٍ وَمَبَادِئَ عَلَى امْتِدَادِ حَيَاتِهِ.

وَلِهَذَا السَّبَبِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الضَّمَائِرِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَرْتَاحُ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ يَرْتَاحُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا كُلُّ مَا يُؤَنِّبُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ شَخْصٍ يُؤَنِّبُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ شَخْصٍ آخَرَ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ هُوَ صَوْتُ اللهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَرْفِيِّ قَوْلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَحَفُّظٍ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يُصِيبُ وَقَدْ يُخْطِئُ، وَقَدْ يَقْوَى وَقَدْ يَضْعُفُ، وَقَدْ تَشُوبُهُ الْأَهْوَاءُ وَالْمُؤَثِّرَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالثَّقَافِيَّةُ.

وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ هُوَ الْمِيزَانَ الدَّاخِلِيَّ لِلْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ صَاحِبِ الضَّمِيرِ وَعَدِيمِ الضَّمِيرِ لَا يَكْمُنُ فِي وُجُودِ الضَّمِيرِ مِنْ عَدَمِهِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي مَدَى الِاسْتِجَابَةِ لِمَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الضَّمِيرُ مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ. فَصَاحِبُ الضَّمِيرِ يُرَاجِعُ نَفْسَهُ، وَيُحَاسِبُهَا، وَيَشْعُرُ بِثِقَلِ الْخَطَإِ إِذَا وَقَعَ فِيهِ، وَيَسْعَى إِلَى إِصْلَاحِهِ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. أَمَّا مَنْ يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَدِيمُ الضَّمِيرِ، فَهُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَتَبَلَّدُ إِحْسَاسُهُ الْأَخْلَاقِيُّ، أَوْ يَتَعَمَّدُ إِسْكَاتَ صَوْتِهِ الدَّاخِلِيِّ، فَلَا يَرْتَدِعُ عَنْ ظُلْمٍ، وَلَا يَشْعُرُ بِنَدَمٍ عَلَى أَذًى أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَرَى فِي أَفْعَالِهِ مَا يَسْتَدْعِي الْمُرَاجَعَةَ أَوِ الِاعْتِذَارَ.

إِنَّ الضَّمِيرَ، فِي جَوْهَرِهِ، لَيْسَ مَجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، بَلْ هُوَ قُدْرَةٌ عَلَى تَحَمُّلِ تَبِعَاتِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ. فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَعْرِفُ الصَّوَابَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَكَمْ مِنْ آخَرَ يَعْلَمُ الْخَطَأَ وَلَكِنَّهُ يُصِرُّ عَلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ الضَّمِيرُ الْحَيُّ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يُدْرِكُ الْقِيَمَ فَحَسْبُ، بَلِ الَّذِي يَجْعَلُ مِنْهَا مَوْقِفًا وَسُلُوكًا وَمَسْؤُولِيَّةً.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يُقَالُ فِي الضَّمِيرِ أَنَّهُ الْقَاضِي الَّذِي يَسْكُنُ أَعْمَاقَ الْإِنْسَانِ؛ قَدْ يَخْفُتُ صَوْتُهُ أَحْيَانًا، وَقَدْ يَطْمِسُهُ الْهَوَى، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى الشَّاهِدَ الْأَقْرَبَ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَرْءِ، وَالْمِرْآةَ الَّتِي يَرَى فِيهَا نَفْسَهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، لَا عَلَى مَا يُرِيدُ أَنْ يَبْدُوَ لِلنَّاسِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس