عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم يوم أمس, 07:03 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,126
Question

طولُ العُمرِ وجودةُ الحياة

بقلم: فؤاد زاديكي

يبدو أنّ في الدّعاءِ بطولِ العمرِ ما يُثيرُ شيئًا من التّساؤلِ عند بعضِ النَّاس، إذ لا ينظرونَ إليه بوصفِه مُجرّد امتدادٍ للزّمن، بل يربطونه بما قد يرافقُه من تراجعٍ صحّيٍّ وجسديٍّ في مرحلةِ الشّيخوخة. فمع تقدّمِ السِّنِّ، يَضعفُ الجسدُ تدريجيًّا، وتَقلُّ حركةُ الأعضاء، وقد تتباطأ وظائفُ العقل، وتظهرُ أمراضُ التقدّم في العمر، ممّا يجعلُ صورةَ “العمرِ الطويل” في أذهانِ البعضِ مرتبطةً بالألمِ والمعاناةِ أكثر من ارتباطِها بالراحةِ والسكينة.
ومن هنا تنشأُ فكرةٌ مفادُها: هل الدّعاءُ بطولِ العمرِ دائمًا خيرٌ محضٌ، أم أنّ فيه احتمالَ امتدادِ مرحلةٍ قد تكثرُ فيها الصّعوبات؟ غيرَ أنّ هذا التّصوّرَ، رغم وجاهةِ مصدرِه الإنسانيّ، لا يعكسُ الحقيقةَ كاملةً. فطولُ العمرِ ليس حالةً واحدةً متكرّرةً عند الجميع، بل هو تجاربُ متفاوتةٌ تتباينُ بتباينِ الصحّةِ ونمطِ الحياةِ والعنايةِ بالنفس. فهناك من يبلغُ سنًّا متقدّمةً وهو محتفظٌ بقدرٍ من النّشاطِ الذّهنيّ والاجتماعيّ، ويعيشُ حياةً هادئةً ذاتَ معنى، كما أنّ هناك من يمرّ بمتاعبَ صحّيّةٍ مبكّرةٍ بغضِّ النّظرِ عن عمرِه.
ويبدو أنّ جزءًا من هذه النّظرةِ السّلبيةِ إلى طولِ العمرِ يعودُ إلى الخوفِ من الشّيخوخةِ ذاتِها، ذلك الخوفُ الذي يجعلُ العقلَ يركّزُ على صورِ التّدهورِ والمرضِ أكثر من تركيزِه على صورِ الحيويّةِ والاستقرارِ في سنٍّ متقدّمة. كما أنّ الذاكرةَ الإنسانيّةَ تميلُ إلى الاحتفاظِ بالمشاهدِ الصّعبةِ أكثر من المشاهدِ المطمئنّة، فيتكوّنُ انطباعٌ غيرُ متوازنٍ عن هذه المرحلةِ من الحياة.
وعليه، فإنّ الإشكالَ الحقيقيَّ ليس في طولِ العمرِ بذاتِه، بل في جودةِ الحياةِ، التي ترافقُه. فالعمرُ الطّويلُ قد يكونُ نعمةً حين يُعاشُ بصحّةٍ وطمأنينةٍ ومعنًى، وقد يتحوّلُ إلى عبءٍ حين يفقدُ الإنسانُ فيه قُدرتهُ على العيشِ الكريم. ومن هنا يمكنُ إعادةُ صياغةِ الفكرةِ بصورةٍ أدقّ: لسنا نرفضُ طولَ العمر، بل نخشَى طولَ عمرٍ يُجرَّدُ من جودةِ الحياة.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس