ديريك… سيرة المكان والذاكرة والنجاة إعداد: فؤاد زاديكي تقع مدينة المالكية، أو ديريك
ديريك… سيرة المكان والذاكرة والنجاة
إعداد: فؤاد زاديكي
تقع مدينة المالكية، أو ديريك كما يسميها أهلها حتى اليوم، في أقصى الشمال الشرقي من سورية ضمن إقليم الجزيرة الفراتية، في تلك البقعة التي شكّلت عبر آلاف السنين امتداداً حياً لبلاد الرافدين العليا. ولم تكن ديريك مجرد مدينة حدودية ظهرت في القرن العشرين، بل هي موضع قديم يحمل في طبقاته آثار حضارات وتعاقب شعوب ومعتقدات وطرق تجارة وهجرات كبرى، حتى غدت واحدة من أكثر مدن الجزيرة السورية غنىً بالذاكرة التاريخية والروحية.
ويرجّح أن اسم “ديريك” مشتق من كلمة “دير” السريانية، في إشارة إلى دير أو كنيسة قديمة كانت قائمة في الموقع منذ القرون المسيحية الأولى. ويؤكد هذا الاعتقاد وجود كنيسة السيدة العذراء الأثرية التي تعود بحسب التقليد الكنسي والروايات المتوارثة إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، وهي من أقدم الكنائس في منطقة الجزيرة كلها. وقد بُنيت الكنيسة، كما يروي كبار السن والتقليد المحلي، فوق أنقاض معبد وثني أقدم، وهو أمر شائع في مناطق انتشار المسيحية الأولى في بلاد الرافدين والشام، حيث تحوّلت مواضع العبادة القديمة إلى كنائس وأديرة مع انتشار الإيمان المسيحي.
وكانت الكنيسة القديمة مهدّمة ومطمورة لقرون طويلة، حتى ظهرت السيدة العذراء، بحسب الرواية الشعبية المتوارثة، لأحد المؤمنين من أهل البلدة ويدعى داهودِه متّو، وأخبرته بوجود صليب مدفون في موضع الكنيسة القديمة، وطلبت منه إبلاغ رجال الدين السريان في ديريك. وبعد البحث والحفر عُثر بالفعل على الصليب في الموضع ذاته، فأعيد إحياء المكان من جديد، ثم جرى لاحقاً ترميم الكنيسة وإعادة بنائها في خمسينيات القرن الماضي في عهد المطران قرياقس مطران أبرشية الجزيرة والفرات، وفي أيام القس جبرائيل جمعة والقس يوسف، والد المطران برنابا مطران حمص وحماة والرستن.
وتدل طبيعة المكان وآثاره القديمة والتلال المنتشرة في محيطه على أن المنطقة كانت آهلة بالبشر منذ عصور موغلة في القدم، شأنها شأن سائر مدن الجزيرة العليا التي شهدت مرور الحضارات الحورية والآشورية والآرامية والفارسية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. وكانت ديريك جزءاً من العالم السرياني الكبير الممتد من نصيبين والرها وماردين وطور عبدين حتى الموصل والخابور.
غير أن المنطقة تعرضت لكوارث متعاقبة عبر التاريخ، وكان من أشدها خراب تيمورلنك في أواخر القرن الرابع عشر، حين اجتاحت جيوشه الجزيرة وطور عبدين وبلاد ما بين النهرين، فدمرت الأديرة والكنائس والقرى وقتلت وسَبَت أعداداً هائلة من السكان المسيحيين، مما أدى إلى انهيار كثير من المراكز السريانية القديمة وهجرة من بقي حياً نحو المناطق الأكثر أمناً.
وبقيت ديريك لقرون طويلة موضعاً صغيراً محدود العمران، إلى أن جاءت التحولات الكبرى في مطلع القرن العشرين، ولا سيما بعد مجازر السيفو سنة 1915 التي تعرّض لها السريان والآشوريون والأرمن في الأناضول وطور عبدين. فقد نزحت جماعات كبيرة من الناجين من آزخ ومديات وباسبرين وحاح وعين وردو وكفرو وغيرها نحو الجزيرة السورية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، وكان لديريك نصيب كبير من تلك الهجرات.
وقد حمل القادمون معهم لغتهم السريانية وطقوسهم وذاكرتهم الجماعية وأسماء قراهم وأحزانهم، وباشروا بناء بيوت اللبن والطين حول الكنيسة القديمة والينابيع ومصادر المياه، فكانت تلك النواة الأولى للمدينة الحديثة. ومع الزمن بدأت البلدة تكبر شيئاً فشيئاً، وشُقت الطرق، ونُظمت الأسواق، وتحولت البيوت الطينية إلى أبنية حجرية وإسمنتية، حتى أصبحت ديريك واحدة من أهم مدن الجزيرة السورية وأكثرها تنوعاً ثقافياً وقومياً.
ومن المكونات المهمة في تاريخ المدينة العائلات الكلدانية التي كانت تقيم في قرية عين ديوار التابعة لمنطقة ديريك، ثم انتقلت لاحقاً إلى المدينة واستقرت فيها، حتى عُرفت الحارة التي سكنتها باسم “حارة العنديورانية”، نسبة إلى عين ديوار. وقد لعب أبناء هذه العائلات دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمدينة، وأسهموا في عمرانها وتطورها.
ومن أبرز العائلات التي استوطنت ديريك وأسهمت في تأسيس نسيجها الاجتماعي: بيت رشكو، بيت كبرو، بيت قريب الحكيم، بيت حنا اسطيفو، بيت موسى وإبراهيم ملكي، بيت نرمو، بيت صليبا سلطو، بيت موسى وكبرو آدو، بيت الصولكرين، بيت زاديكي، بيت قرياقس يونو جمعة، بيت مراد توما وأخيه بهنان، بيت اسحق وموسى شمو، بيت عامو وموسى دوري، بيت موسى عوري، بيت كبرو جمعة، بيت حنا القس، بيت اسحق ومراد وكبرو موسكي، بيت صليبا وموسى حدوكي، بيت يعقوب كبري وبهنان ايشوع كبري، بيت ملكي حبيب، بيت عبد ال گولي، بيت ارشاك، بيت آرو، بيت سليمان برخو، بيت موسى الاورديناس وأخيه برهي زلط، بيت سغاتيل باسيل، بيت آرام صاحب الفرن، بيت أحمد صور صاحب الفرن، بيت عبد الغني قدري، بيت كوركيس شرفو، بيت نزار صاحب المقهى، بيت عيدو اسحق عيدو، بيت صامو وسليمان چوچكه، بيت هوري، بيت كوركيس ومسعود وسفر شيعا، بيت شمعون حنو، بيت عيسى شيريني، بيت سليمان الخياط، بيت ببو الخياط وأخيه مراد، بيت اسحق چري، بيت حنا بشير، بيت توما وافريم ولحدي عبدي، بيت اسمري، بيت عمسو، بيت كوركيس واصطيفو مقسو، بيت جرجيس لولا، بيت اسحق وكوركيس آنطي، بيت انطون الطويل، بيت سرياني، بيت توما وكوركيس وافريم صليبا، بيت مرحو، بيت ابراهيم الرديف، بيت صامو ويوسف شلو، بيت صامو وحنا قرياقس، بيت لحدو بلقو، بيت عبد النور، بيت تلحمي (ترحمه)، بيت بولس سوس، بيت لحدو گيلان وأخيه ملكي، بيت كبرو والد أفرام صاحب كتاب “قصة السبي الأكبر”، بيت لمپكي، بيت باسوس، بيت يعقوب كدّك، بيت بهنان چوكى، بيت حنا چلتوك، بيت سليمان وعيسى وردة، بيت فارطو، بيت جرجس بهنان، بيت ملكي وردوك، بيت بطرس وشمعون ويعقوب شوشكي، بيت بطرس فرحو، بيت لحدو نعمان، بيت اجدان عبدو، بيت سليمان وابلحد وموسى والدروس إيليا، بيت صورو (بطرس) إيليا، بيت كوركيس إيليا، بيت اسحق خوشو، بيت مراد پسي، بيت توما الحجي، بيت شكرو ملكي خلو، بيت حنا ججكو، بيت بطرس خمو، بيت پطروسكي، بيت شابو، بيت عبديش، بيت ابراهيم قوّاق، بيت ابراهيم خاچو، بيت حنا چاچو، بيت ملكي ومريم زيرو، بيت بهنان وشكري ويوسف وكورية مرقص، بيت يوسف چيلي، بيت اسحق وكبرو واسطيفو گاورو، بيت سوسكو، بيت شكرو هبكي، بيت چينيكو، بيت حنا غازو، بيت يعقوب گاگا، بيت ايشوع موسى، بيت ايشوع رفقة، بيت ملكي ايشوع، بيت رزقو محبوبي، بيت رزقو خلف، بيت بوسف حماوي، بيت حنا شمعون، بيت شكرو پشكي، بيت شكرو شمعوني، بيت كورية ويوسف وعيدو معجون، بيت موسى مرّو، بيت صبري فتحو وإخوته، بيت عيدو التاجر، بيت هيلانة، بيت ليّكو، بيت پولص عيدو، بيت حنا شوّطي، بيت داهوده متّو، بيت كريم چاچو، بيت حاجي عثمان، بيت صالح محمد، بيت سيّد أحمد، بيت كنعان بدرية طوبية، بيت أبو سمعان، بيت أبو عبدو، ديبو الحشّاش، بيت محمود جربان، بيت كبرو الصفّار، بيت كبرو واسحق تحلكو، بيت گُري، بيت گاوري، بيت بهنان ولحدو ويوسف رازاي، بيت أحمد شحادة، بيت بحري شقرة، الياس حودلكو، بيت موسى دلالي وإخوته، بيت رشّو، بيت صبري عازو، بيت سليمان وكريم شماس، وغيرهم من العائلات التي صنعت تاريخ المدينة وذاكرتها الحية.
ومع اتساع العمران في زمن الانتداب الفرنسي بدأت الخرائط العسكرية والإدارية الفرنسية تظهر ديريك بوصفها مركزاً حدودياً ناشئاً، بعد أن كانت مجرد بقعة صغيرة تحيط بها الأراضي الزراعية والتلال القديمة. وقد ساهم السريان والكلدان والأرمن والكرد والعرب معاً في صنع ملامح المدينة الحديثة، فغدت نموذجاً للتنوع والتعايش في الجزيرة السورية.
ولم تكن كنيسة السيدة العذراء مجرد مكان للصلاة، بل تحولت إلى مركز روحي واجتماعي وثقافي، حُفظت فيه اللغة السريانية وسجلات العائلات وذكريات الهجرة والنجاة. وبقيت الكنيسة رمزاً عميقاً للصلة بين الماضي والحاضر، بين طور عبدين والجزيرة، وبين المدن التي خربها التاريخ والمدن التي نهضت من الرماد من جديد.
وهكذا تبدو ديريك اليوم مدينةً تحمل في حجارتها وأسمائها ولهجات أهلها قصة طويلة من الإيمان والصمود والهجرة وإعادة الولادة، قصة مدينة لم تُبنَ بالحجارة وحدها، بل بذاكرة الناجين وإصرارهم على البقاء.
__________________
fouad.hanna@online.de
|