الرد المنقول فيه خلط واضح بين الاحتلال العسكري المؤقت وبين الضمّ الإداري والسياسي داخل الإمبراطوريات القديمة، إضافة إلى إسقاط مفاهيم “الهوية القومية الحديثة” على عالم قديم لم يكن يعمل بهذه الطريقة أصلًا.
أولًا، القول إن مديات “لم تكن يومًا جزءًا من الكيان الآشوري” غير دقيق تاريخيًا. فـمديات تقع ضمن نطاق طور عابدين وشمال ميزوبوتاميا، وهي منطقة خضعت بالفعل للنفوذ الآشوري خلال فترات التوسع، خصوصًا في العصر الآشوري الحديث (القرنين التاسع–السابع قبل الميلاد). هذا ليس رأيًا، بل ثابت في السجلات الملكية الآشورية التي توثق حملات الملوك مثل:
آشور ناصربال الثاني
شلمنصر الثالث
تغلث فلاسر الثالث
هذه النصوص تذكر حملات عسكرية، وفرض الجزية، وإدخال مناطق شمال بلاد الرافدين ضمن النظام الإداري الآشوري. وهذا هو معيار “الانتماء السياسي للإمبراطورية” في ذلك العصر.
لكن هنا النقطة المهمة:
كون منطقة ما خضعت للنفوذ الآشوري لا يعني أنها “كانت عِرقياً آشورية بالكامل”، ولا يعني أيضًا أنها “ليست آشورية إداريًا”. الإمبراطوريات القديمة لا تُبنى على نقاء عرقي، بل على السيطرة الإدارية والجباية والتنظيم السياسي. لذلك يمكن أن تكون المنطقة:
محليًا آرامية أو حورية أو غير ذلك
وفي الوقت نفسه ضمن الدولة الآشورية إداريًا
وهذا لا تناقض فيه تاريخيًا.
ثانيًا، الادعاء بأن سكان المنطقة “أموريون ثم حوريون ثم آراميون فقط” هو تبسيط شديد. نعم، هذه شعوب وجدت في شمال الهلال الخصيب، لكن المنطقة لم تكن مغلقة عرقيًا أو ثابتة الهوية عبر الزمن. شمال بلاد الرافدين، بما فيه طور عابدين، كان فضاءً انتقاليًا شهد:
تحولات سكانية
هجرات
اندماجات لغوية وثقافية
وتغيرات سياسية متكررة
لذلك لا يمكن اختزالها في سلسلة “شعب واحد فقط في كل فترة”.
ثالثًا، وصف الوجود الآشوري بأنه “احتلال فقط” هو إسقاط لمفهوم حديث على عالم قديم. فالإمبراطورية الآشورية لم تكن “دولة غازية خارجية” مثلما نفهم اليوم، بل كانت مركزها الأساسي في نينوى وآشور، أي داخل بلاد الرافدين نفسها، ثم توسعت على محيطها. لذلك فقول “احتلال خارجي لأرض غريبة” غير دقيق، لأن المركز الجغرافي والسياسي نفسه كان ضمن المنطقة.
رابعًا، المقارنة التي تقول: “إذن كل الشعوب من زاغروس إلى البحر المتوسط مصريون أو آشوريون…” هي مغالطة من نوع “التضخيم الساخر”. لأن أحد لا يقول إن كل الشعوب أصبحت آشورية عرقيًا، بل إن أجزاء من هذه المناطق كانت:
ضمن الإدارة الآشورية
أو خاضعة لنفوذها
أو مرتبطة بها سياسيًا
وهذا فرق جوهري بين “الهوية العرقية” و”الانتماء الإمبراطوري”.
خامسًا، في علم التاريخ الحديث لا يتم تعريف انتماء منطقة مثل مديات على أساس “من سكنها أولًا فقط”، بل على أساس:
التسلسل الزمني للسكان
التغيرات السياسية
الإدارات الإمبراطورية
الأدلة الأثرية واللغوية
وبالتالي، لا يمكن القول إنها “لم تكن آشورية إطلاقًا” كما لا يمكن القول إنها “آشورية فقط”. الأدق علميًا هو أنها منطقة في شمال بلاد الرافدين خضعت لتأثيرات متعاقبة: حورية، آرامية، وآشورية ضمن الإطار الإمبراطوري.
الخلاصة:
الخطأ في الرد المذكور أنه يحاول تحويل التاريخ القديم إلى صراع “هوية عرقية ثابتة”، بينما الواقع أن المنطقة كانت فضاءً إمبراطوريًا متغيرًا، تتداخل فيه الشعوب واللغات والإدارات. وبهذا المعنى، فإن مديات لم تكن “خارج التاريخ الآشوري”، ولا “ملكًا حصريًا له”، بل جزءًا من منطقة معقدة خضعت لتعدد حضاري وإداري عبر قرون طويلة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|