القول بأنه لا يوجد أي أثر يدل على استخدام الآشوريين للغة الآرامية يتعارض مع ما كشفته الدراسات الأثرية والنصوص التاريخية الخاصة بالعصر الآشوري الحديث. فالثابت تاريخيًا أن اللغة الرسمية الأصلية للدولة الآشورية كانت الأكدية بلهجتها الآشورية، وهي لغة سامية شرقية كُتبت بالخط المسماري واستُخدمت في النقوش الملكية والسجلات الرسمية والمراسلات الدبلوماسية. غير أن اتساع الإمبراطورية الآشورية منذ القرن التاسع قبل الميلاد وضمّها مناطق آرامية واسعة في سوريا والجزيرة الفراتية أدى إلى انتشار الآرامية تدريجيًا داخل الدولة، حتى أصبحت لغة واسعة الاستعمال في الإدارة والتجارة والحياة اليومية.
وقد عثر الباحثون على أدلة أثرية مباشرة تؤكد هذا الاستخدام، من بينها نصوص ثنائية اللغة كُتبت بالأكدية والآرامية معًا، إضافة إلى وجود إشارات واضحة في الوثائق الآشورية إلى “الكتبة الآراميين” الذين كانوا يعملون داخل الجهاز الإداري للدولة. كما تُظهر بعض المنحوتات والرسوم الآشورية كتبة يستخدمون أدوات كتابة مختلفة، في إشارة إلى التمييز بين الكتابة المسمارية الأكدية والكتابة الآرامية الأبجدية. ومع مرور الزمن أصبحت الآرامية أكثر انتشارًا بسبب سهولة أبجديتها مقارنة بالخط المسماري المعقد، حتى إن الإمبراطورية الآشورية نفسها استعانت بها في إدارة أجزاء واسعة من أراضيها متعددة الشعوب.
وفي القرنين السابع والسادس قبل الميلاد أخذت الآرامية تتحول تدريجيًا إلى لغة التخاطب والإدارة العامة في الشرق الأدنى، بينما بقيت الأكدية تُستخدم بصورة أكبر في النصوص الملكية والطقسية. وبعد سقوط الإمبراطورية الآشورية تراجعت الأكدية تدريجيًا حتى اختفت، في حين استمرت الآرامية وانتشرت في المنطقة لقرون طويلة، ثم تطورت عنها لاحقًا اللغة السريانية.
لذلك فإن الحقيقة التاريخية الدقيقة ليست أن الآشوريين كانوا آراميين أصلًا، ولا أن لغتهم الأولى كانت الآرامية، وإنما أن الدولة الآشورية بدأت بالأكدية ثم استخدمت الآرامية رسميًا وإداريًا في مراحلها المتأخرة، وهو أمر تؤكده النصوص واللقى الأثرية والدراسات الأكاديمية الحديثة، ولا يمكن إنكاره علميًا.
__________________
fouad.hanna@online.de
|