اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَيْنَ النُّصُوصِ التَّارِيخِيَّةِ وَالمِعْيَارِ اللُّغَوِيِّ
البَاحِثُ: فُؤَادُ زَادِيكِي
إِنَّ مَسْأَلَةَ اعْتِمَادِ القُرْآنِ كَنَمُوذَجٍ لُغَوِيٍّ مُطْلَقٍ تُمَثِّلُ خَلْطًا مَنْهَجِيًّا بَيْنَ التَّقْدِيسِ الثَّقَافِيِّ لِلنُّصُوصِ وَبَيْنَ الأُسُسِ العِلْمِيَّةِ لِوَصْفِ اللُّغَةِ. فَاللُّغَةُ، بِوَصْفِهَا نِظَامًا بَشَرِيًّا قَائِمًا عَلَى قَوَاعِدِ الصَّرْفِ وَالنَّحْوِ وَالإِمْلَاءِ، تَسْبِقُ جَمِيعَ النُّصُوصِ، وَلَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا إِخْضَاعُهَا لِنَصٍّ وَاحِدٍ مَهْمَا كَانَتْ مَكَانَتُهُ. إِنَّ القَوَاعِدَ اللُّغَوِيَّةَ لَا تُسْتَمَدُّ مِنْ نَصٍّ مُنْفَرِدٍ، بَلْ تُبْنَى عَلَى تَحْلِيلٍ وَاسِعٍ لِاسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ فِي مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، تَشْمَلُ المَعَاجِمَ، وَالشِّعْرَ الجَاهِلِيَّ، وَالنُّصُوصَ الأَدَبِيَّةَ، وَالِاسْتِعْمَالَ الحَيَّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ.
إِنَّ القُرْآنَ يُعَدُّ نَصًّا فَصِيحًا مِنْ حَيْثُ الأَثَرِ البَلَاغِيِّ وَالإِيقَاعِ الصَّوْتِيِّ، غَيْرَ أَنَّ فَصَاحَتَهُ لَا تَعْنِي مُطَابَقَتَهُ لِلْمَعَايِيرِ النَّحْوِيَّةِ وَالصَّرْفِيَّةِ الصَّارِمَةِ كَمَا تُفْهَمُ فِي الدِّرَاسَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الحَدِيثَةِ. فَعِنْدَ إِخْضَاعِهِ لِلتَّحْلِيلِ النَّحْوِيِّ الدَّقِيقِ، تَظْهَرُ فِيهِ ظَوَاهِرُ مُتَعَدِّدَةٌ لَا تَتَوَافَقُ مَعَ القَوَاعِدِ المِعْيَارِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ الإِعْرَابِ، وَبِنْيَةِ الجُمْلَةِ، وَاسْتِعْمَالِ الجَمْعِ وَالتَّثْنِيَةِ، وَتَرْتِيبِ العَنَاصِرِ.
وَلِتَوْضِيحِ ذَلِكَ بِشَكْلٍ عِلْمِيٍّ، يُمْكِنُ عَرْضُ مَجْمُوعَةٍ مُوَسَّعَةٍ مِنَ الأَمْثِلَةِ وَتَحْلِيلِهَا:
مِنَ القُرْآنِ:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ بَسِيطَةٌ، خَبَرُهَا مُبَاشِرٌ، وَتَرْكِيبُهَا أُحَادِيٌّ.
«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» تَرْكِيبٌ قَصِيرٌ قَائِمٌ عَلَى الحَصْرِ، مَحْدُودُ التَّعْقِيدِ.
«فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ» يَتَضَمَّنُ حَذْفَ الفَاعِلِ الظَّاهِرِ، وَيُظْهِرُ تَبْسِيطًا تَرْكِيبِيًّا.
«وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ» فِيهِ تَدَاخُلٌ وَظِيفِيٌّ فِي الإِعْرَابِ.
«إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» يَتَضَمَّنُ رَفْعَ المُثَنَّى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
«وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ» يَتَضَمَّنُ نَصْبًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فِي سِيَاقِ العَطْفِ.
«لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ» تَرْكِيبٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْقِيَاسِ النَّحْوِيِّ الصَّارِمِ.
وَبِالمُقارَنَةِ معَ كِتابِ نَهْجِ البَلَاغَةِ لِـ علي بن أبي طالب:
«يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ وَيَزِنُ أَفْعَالَهُ بِمِيزَانِ العَقْلِ» جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مُتَرَابِطَةٌ.
«العَاقِلُ مَنْ وَعَظَتْهُ التَّجَارِبُ» إِيجَازٌ مَعَ إِحْكَامٍ نَحْوِيٍّ.
«لَا يَرَى الجَاهِلُ إِلَّا مُفْرِطًا أَوْ مُفَرِّطًا» تَرْكِيبٌ مُتَوَازِنٌ وَدَقِيقٌ.
وَمِنْ شِعْرِ المتنبي:
«إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ» تَرْكِيبُ شَرْطٍ مُتَكَامِلٌ.
«أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي» جُمْلَةٌ مَوْصُولَةٌ مُعَقَّدَةٌ.
«الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبِيدَاءُ تَعْرِفُنِي» تَعَدُّدُ المُبْتَدَآتِ مَعَ تَرَابُطٍ نَحْوِيٍّ.
وَمِنَ الشِّعْرِ الجَاهِلِيِّ:
«قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ» تَرْكِيبٌ أَمْرِيٌّ مُتَسَلْسِلٌ.
«أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِ» بِنْيَةٌ مُتَوَازِنَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ.
مِنْ خِلَالِ هَذِهِ النَّمَاذِجِ يَتَّضِحُ أَنَّ النَّصَّ القُرْآنِيَّ يَمِيلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَوَاضِعِ إِلَى البَسَاطَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ أَوِ الخُرُوجِ عَنِ القَوَاعِدِ المِعْيَارِيَّةِ، بَيْنَمَا تُظْهِرُ نُصُوصٌ أُخْرَى قُدْرَةً أَكْبَرَ عَلَى الِالْتِزَامِ بِالبِنْيَةِ النَّحْوِيَّةِ المُعَقَّدَةِ وَالمُتَمَاسِكَةِ.
إِنَّ هَذِهِ المُعْطَيَاتِ تَقُودُ إِلَى نَتِيجَةٍ أَسَاسِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الفَصَاحَةَ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ الِانْضِبَاطَ النَّحْوِيَّ الكَامِلَ. الفَصَاحَةُ قَدْ تَتَحَقَّقُ عَبْرَ التَّأْثِيرِ وَالإِيقَاعِ وَالوُضُوحِ، لَكِنَّهَا تَخْتَلِفُ عَنِ الدِّقَّةِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى قَوَاعِدَ ثَابِتَةٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ القَوْلَ بِأَنَّ القُرْآنَ هُوَ «أَفْصَحُ وَأَبْلَغُ كِتَابٍ» لَا يَصْمُدُ أَمَامَ التَّحْلِيلِ اللُّغَوِيِّ الصَّارِمِ.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ اعْتِمَادَ القُرْآنِ كَمَرْجِعٍ لُغَوِيٍّ مُطْلَقٍ (وَهَوَ مَا يُعْمَلُ بِمُوجِبِهِ) لَا يَنْسَجِمُ مَعَ المَنْهَجِ العِلْمِيِّ فِي دِرَاسَةِ اللُّغَاتِ. فَالمِعْيَارُ الحَقِيقِيُّ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ عَلَى المَعَاجِمِ، وَالقَوَاعِدِ المُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ الوَاسِعِ، وَالتَّحْلِيلِ اللِّسَانِيِّ الحَدِيثِ، كَمَا هُوَ الحَالُ فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ العَالَمِيَّةِ. وَلَا تُوجَدُ فِي أَيِّ مَنْظُومَةٍ عِلْمِيَّةٍ فِكْرَةُ «النَّصِّ المُقَدَّسِ لُغَوِيًّا»، لِأَنَّ اللُّغَةَ بِطَبِيعَتِهَا ظَاهِرَةٌ بَشَرِيَّةٌ مُتَغَيِّرَةٌ، تَخْضَعُ لِلوَصْفِ وَالتَّحْلِيلِ لَا لِلتَّقْدِيسِ, وَبِكُلِّ أسَفِ فإنّ العَرَبَ والمُسلِمِينَ يُخْضِعُونَ اللغَةَ العرَبِيَّةَ لِلقُرآنِ, بَينَمَا يَجِبُ أن يَصِيرَ العَكسُ مِنْ ذَلِكَ.
إِنَّ الدِّرَاسَةَ العِلْمِيَّةَ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ تَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ القِيمَةِ الأَدَبِيَّةِ لِلنُّصُوصِ وَبَيْنَ صَلَاحِيَّتِهَا كَمَرْجِعٍ نَحْوِيٍّ، وَالعَوْدَةَ إِلَى الأُسُسِ المَوْضُوعِيَّةِ فِي التَّحْلِيلِ اللُّغَوِيِّ، بَعِيدًا عَنْ أَيِّ اعْتِبَارَاتٍ غَيْرِ عِلْمِيَّةٍ.
---