إِشْكَالِيَّةُ المَعْنَى وَالأَلَمِ فِي الفِكْرِ المَسِيحِيِّ المُعَاصِر البَاحِثُ:
إِشْكَالِيَّةُ المَعْنَى وَالأَلَمِ فِي الفِكْرِ المَسِيحِيِّ المُعَاصِر
البَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي
يُعَدُّ سُؤَالُ المَعْنَى فِي وَجْهِ الأَلَمِ مِنْ أَعْمَقِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الفِكْرَ المَسِيحِيَّ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، إِذْ لَا يَقِفُ هٰذَا السُّؤَالُ عِنْدَ حُدُودِ التَّنْظِيرِ اللَّاهُوتِيِّ، بَلْ يَتَجَذَّرُ فِي صَمِيمِ التَّجْرِبَةِ الإِنسَانِيَّةِ الَّتِي تَتَسِمُ بِالهَشَاشَةِ وَالمُعَانَاةِ وَالتَّنَاقُضِ. وَفِي عَالَمٍ تَزَايَدَ فِيهِ الوَعْيُ بِحُدُودِ الوُجُودِ الإِنسَانِيِّ، وَتَكَاثَرَتْ فِيهِ صُوَرُ الأَلَمِ الجَمَاعِيِّ وَالفَرْدِيِّ، مِنْ حُرُوبٍ وَأَوْبِئَةٍ وَأَزْمَاتٍ نَفْسِيَّةٍ، أَصْبَحَ هٰذَا السُّؤَالُ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا وَحِدَّةً: كَيْفَ يُمْكِنُ فَهْمُ الأَلَمِ فِي ضَوْءِ الإِيمَانِ؟ وَهَلْ لَهُ مَعْنًى، أَمْ أَنَّهُ يُجَسِّدُ عَبَثِيَّةَ الوُجُودِ؟
إِنَّ التَّقْلِيدَ المَسِيحِيَّ، فِي جَوْهَرِهِ، يَرْبِطُ بَيْنَ الأَلَمِ وَسِرِّ الفِدَاءِ، حَيْثُ يُنْظَرُ إِلَى آلامِ المَسِيحِ لَا كَحَدَثٍ مَأْسَاوِيٍّ مَحْضٍ، بَلْ كَطَرِيقٍ لِلخَلَاصِ وَتَجَلٍّ لِلمَحَبَّةِ الإِلَهِيَّةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ هٰذَا التَّفْسِيرَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عُمْقِهِ الرُّوحِيِّ، يُوَاجِهُ تَحَدِّيًا كَبِيرًا فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، خُصُوصًا عِنْدَمَا يُوَاجَهُ بِمَشَاهِدِ أَلَمٍ لَا تَبْدُو لَهَا أَيَّةُ غَايَةٍ ظَاهِرَةٍ، كَمَعَانَاةِ الأَطْفَالِ أَوِ الكَوَارِثِ الطَّبِيعِيَّةِ.
فِي التَّقْلِيدِ الكَاثُولِيكِيِّ، تَتَّخِذُ هٰذِهِ الإِشْكَالِيَّةُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا مُتَجَدِّدًا، حَيْثُ يُؤَكِّدُ مُفَكِّرُونَ مِثْلُ هانس أورس فون بالتازار عَلَى أَنَّ الأَلَمَ لَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ إِلَّا فِي ضَوْءِ مَشَارَكَةِ اللهِ نَفْسِهِ فِيهِ، مِنْ خِلَالِ التَّجَسُّدِ وَالصَّلِيبِ. فَاللهُ، فِي هٰذَا التَّصَوُّرِ، لَا يَبْقَى بَعِيدًا عَنِ المُعَانَاةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهَا وَيَحْمِلُهَا مِنَ الدَّاخِلِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الطَّرْحَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قُوَّتِهِ الرُّوحِيَّةِ، يُثِيرُ تَسَاؤُلًا نَقْدِيًّا: هَلْ يَكْفِي أَنْ نَقُولَ إِنَّ اللهَ يُشَارِكُ فِي الأَلَمِ، دُونَ أَنْ نُجِيبَ عَنْ سَبَبِ وُجُودِهِ أَصْلًا؟
أَمَّا فِي التَّقْلِيدِ الأُرْثُوذُكْسِيِّ، فَيُفْهَمُ الأَلَمُ فِي سِيَاقِ مَسِيرَةِ التَّأَلُّه، حَيْثُ يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَجُزْءٍ مِنْ عَمَلِيَّةِ تَحَوُّلِ الإِنسَانِ وَتَنَقِّيَتِهِ. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، يُشِيرُ لَاهُوتِيُّونَ مِثْلُ يوحنا زيزولاس إِلَى أَنَّ الأَلَمَ لَا يُفْهَمُ بِمَنْطِقِ العِلَّةِ وَالنَّتِيجَةِ فَقَطْ، بَلْ فِي ضَوْءِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنسَانِ وَاللهِ، حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى فُرْصَةٍ لِلدُّخُولِ فِي عُمْقِ هٰذِهِ العَلَاقَةِ. إِلَّا أَنَّ هٰذَا الفَهْمَ يَبْقَى مَحَلَّ تَسَاؤُلٍ عِنْدَمَا يُوَاجَهُ بِأَلَمٍ يَتَجَاوَزُ قُدْرَةَ الإِنسَانِ عَلَى الاِحْتِمَالِ.
وَفِي السَّاحَةِ البُرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، يَظْهَرُ التَّوَجُّهُ الوُجُودِيُّ بِوُضُوحٍ، خُصُوصًا فِي أَعْمَالِ بول تيليش، الَّذِي رَبَطَ بَيْنَ الأَلَمِ وَالقَلَقِ الوُجُودِيِّ، مُعْتَبِرًا أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُلْغِي هٰذَا القَلَقَ، بَلْ يُمَكِّنُ الإِنسَانَ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، لَا يُقَدَّمُ الأَلَمُ كَمُشْكِلَةٍ تُحَلُّ، بَلْ كَوَاقِعٍ يُعَاشُ وَيُفْسَّرُ فِي ضَوْءِ الثِّقَةِ بِاللهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ هٰذَا الطَّرْحَ يُوَاجِهُ نَقْدًا يَرَى فِيهِ مَيْلًا إِلَى تَذْوِيبِ الإِشْكَالِ بَدَلًا مِنْ مُوَاجَهَتِهِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ.
إِذَا تَأَمَّلْنَا هٰذِهِ المَوَاقِفَ فِي ضَوْءِ الفِلْسَفَةِ المُعَاصِرَةِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ سُؤَالَ الأَلَمِ يَرْتَبِطُ بِسُؤَالِ المَعْنَى نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ الإِنسَانُ المُعَاصِرُ يَقْبَلُ تَفْسِيرَاتٍ جَاهِزَةً، بَلْ يَسْعَى إِلَى فَهْمٍ يَنْبُعُ مِنْ تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّحَدِّي الَّذِي يُوَاجِهُ المَسِيحِيَّةَ لَا يَكْمُنُ فِي تَقْدِيمِ إِجَابَاتٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ فِي القُدْرَةِ عَلَى مُرَافَقَةِ الإِنسَانِ فِي مِحْنَتِهِ، وَمُشَارَكَتِهِ فِي بَحْثِهِ عَنِ المَعْنَى.
وَيَنْشَأُ عَنْ هٰذَا سُؤَالٌ أَعْمَقُ: هَلِ المَعْنَى مُعْطًى جَاهِزٌ يُكْتَشَفُ، أَمْ أَنَّهُ يَتَشَكَّلُ فِي خِضَمِّ المُعَانَاةِ نَفْسِهَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِلإِيمَانِ أَنْ يُقَدِّمَ مَعْنًى لِلأَلَمِ، أَمْ أَنَّ دَوْرَهُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَنْحِ القُدْرَةِ عَلَى اِحْتِمَالِهِ؟
وَمِنْ زَاوِيَةٍ نَقْدِيَّةٍ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ المَسِيحِيَّةَ تَقِفُ أَمَامَ تَوَتُّرٍ لَا يُمْكِنُ حَسْمُهُ بَيْنَ تَفْسِيرِ الأَلَمِ وَقَبُولِهِ كَسِرٍّ. فَكُلَّمَا سَعَتْ إِلَى تَفْسِيرِهِ، خَاطَرَتْ بِتَبْسِيطِهِ، وَكُلَّمَا تَرَكَتْهُ كَسِرٍّ، خَاطَرَتْ بِعَدَمِ تَقْدِيمِ إِجَابَةٍ مُقْنِعَةٍ.
وَعَلَى هٰذَا الأَسَاسِ، يَبْدُو أَنَّ التَّحَدِّي الحَقِيقِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي حَلِّ مُشْكِلَةِ الأَلَمِ، بَلْ فِي إِعَادَةِ صِيَاغَةِ العَلَاقَةِ مَعَهُ، عَلَى نَحْوٍ يُمَكِّنُ الإِنسَانَ مِنَ العَيْشِ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ الرَّجَاءَ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ لَا يُقَدَّمُ كَإِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ، بَلْ كَمَسِيرَةٍ تُفْتَحُ فِيهَا آفاقُ المَعْنَى حَتَّى فِي قَلْبِ المُعَانَاةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ، يَبْقَى السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ قَائِمًا: هَلْ يُمْكِنُ لِلإِيمَانِ أَنْ يُضْفِي مَعْنًى عَلَى الأَلَمِ، أَمْ أَنَّ الأَلَمَ يَفْرِضُ عَلَى الإِيمَانِ أَنْ يُعِيدَ تَعْرِيفَ ذَاتِهِ؟ وَفِي هٰذَا التَّوَتُّرِ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالجَوَابِ، وَبَيْنَ المَعْنَى وَالغُمُوضِ، تَتَحَدَّدُ مَعَالِمُ الفِكْرِ المَسِيحِيِّ المُعَاصِرِ، كَفِكْرٍ لَا يَدَّعِي اِمْتِلَاكَ الحُلُولِ، بَلْ يُوَاصِلُ السَّيْرَ فِي بَحْثٍ لَا يَنْتَهِي عَنِ الحَقِيقَةِ وَالمَعْنَى.
صمم صورة من مضمون النص مع اشارات ورموز واسماء وكتابة عنوان النص واسم الباحث بشكل دقيق وصحيح
__________________
fouad.hanna@online.de
|