رِسَالَةٌ مِنْ حَافَّةِ الزَّمَنِ فُؤَاد زَادِيكِي فِي عَامِ ٢١٢٦، حَيْثُ لَمْ تَعُ
رِسَالَةٌ مِنْ حَافَّةِ الزَّمَنِ
فُؤَاد زَادِيكِي
فِي عَامِ ٢١٢٦، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الْمَسَافَاتُ تُقَاسُ بِالْخُطَى وَلَا بِالْكِيلُومِتَرَاتِ، بَلْ بِسُرْعَةِ النَّبْضِ الرَّقْمِيِّ، أَجْلِسُ وَأَكْتُبُ إِلَيْكُمْ. لَيْسَ لِأُخْبِرَكُمْ عَنْ مُدُنٍ تُحَلِّقُ فِي السَّمَاءِ، أَوْ عُقُولٍ مُتَّصِلَةٍ بِشَبَكَاتٍ لَا تَنَامُ، وَلَا عَنْ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ أَصْبَحَ شَرِيكًا لِلْإِنْسَانِ فِي كُلِّ قَرَارٍ… فَكُلُّ ذٰلِكَ، عَلَى عَظَمَتِهِ، لَيْسَ هُوَ الْحِكَايَةَ.
فالْحِكَايَةُ أَعْمَقُ. لَقَدْ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ… إِلَّا السُّؤَالَ الَّذِي بَقِيَ يُطَارِدُنَا:
مَا مَعْنَى أَنْ نَكُونَ بَشَرًا؟
نَعَمْ، تَقَدَّمْنَا كَثِيرًا. صِرْنَا نُدِيرُ الْمُنَاخَ، وَنُبْطِئُ الْمَرَضَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ، وَنُشَيِّدُ الْمُدُنَ فِي سَاعَاتٍ. لٰكِنَّنَا اكْتَشَفْنَا - وَبِقَدْرٍ مِنَ الْخُجْلِ - أَنَّ السَّيْطَرَةَ عَلَى الْعَالَمِ لَا تَعْنِي فَهْمَ النَّفْسِ.
تَعَلَّمْنَا أَنَّ السُّرْعَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا تَقَدُّمًا، وَأَنَّ كَثْرَةَ الِاتِّصَالِ لَا تَعْنِي الْقُرْبَ، وَأَنَّ الذَّكَاءَ - مَهْمَا بَلَغَ - لَا يُغْنِي عَنِ الْحِكْمَةِ.
فِي عَالَمٍ لَا يُدَارُ بِالْخَوَارِزْمِيَّاتِ، بَقِيَتْ أَشْيَاءٌ لَا تُقَاسُ: رَعْشَةُ شَاعِرٍ عِنْدَ وِلَادَةِ بَيْتٍ مِنْ قَصِيدَةٍ، وَشَغَفُ بَاحِثٍ يُطَارِدُ سِرًّا قَدِيمًا، وَلَحْظَةُ صِدْقٍ بَيْنَ قَلْبَيْنِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ.
هٰذِهِ هِيَ الثَّرْوَةُ، الَّتِي لَمْ نَتَعَلَّمْ كَيْفَ نُصَنِّعُهَا.
لَمْ يَخْتَفِ الْأَلَمُ فِي زَمَنِنَا، بَلْ تَغَيَّرَ شَكْلُهُ.
الْوَحْدَةُ - رَغْمَ كُلِّ هٰذَا الِاتِّصَالِ - أَصْبَحَتْ أَعْمَقَ. كَانَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْ يُحَادِثُهُ، وَلٰكِنْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ كَانَ يُسْمَعُ حَقًّا.
وَالْخَوْفُ لَمْ يَخْتَفِ أَيْضًا. بَلْ إِنَّ مَنْ يَعِيشُ أَطْوَلَ يَخْشَى أَكْثَرَ أَنْ يَفْقِدَ مَا جَمَعَ.
أَمَّا السُّلْطَةُ، فَلَمْ تَمُتْ… بَلْ صَارَتْ أَدَقَّ وَأَخْفَى، تَسْكُنُ فِي الْأَنْظِمَةِ وَالْخَوَارِزْمِيَّاتِ بَدَلَ الْقُصُورِ.
فَمَا الَّذِي نَدِمْنَا عَلَيْهِ؟
نَدِمْنَا أَنَّنَا أَسْرَعْنَا كَثِيرًا وَتَأَمَّلْنَا قَلِيلًا.
نَدِمْنَا أَنَّنَا حَفِظْنَا كُلَّ شَيْءٍ فِي الذَّاكِرَاتِ الرَّقْمِيَّةِ، وَتَرَكْنَا الْحِكَايَاتِ الْحَيَّةَ تَذْهَبُ مَعَ أَصْحَابِهَا.
نَدِمْنَا أَنَّنَا كُنَّا نَمْلِكُ وَقْتًا كَافِيًا لِنُحِبَّ… فَاخْتَرْنَا أَنْ نَتَنَافَسَ. - وَتَعَلَّمْنَا بِطَرِيقَةٍ قَاسِيَةٍ - أَنَّ التِّقْنِيَةَ لَيْسَتْ مُعْجِزَةً، بَلْ مِرْآةٌ. تُكَبِّرُ مَا فِينَا: إِنْ كُنَّا رُحَمَاءَ، وَسَّعَتْ رَحْمَتَنَا، وَإِنْ كُنَّا فَارِغِينَ، كَشَفَتْ فَرَاغَنَا.
وَاكْتَشَفْنَا أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ ظِلًّا نَتَجَاوَزُهُ، بَلْ جَذْرٌ نَتَشَبَّثُ بِهِ. كُلَّمَا بَعُدْنَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، ازْدَدْنَا حَاجَةً إِلَى أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ الْقَدِيمَةِ، وَإِلَى لُغَاتٍ كَانَتْ تَحْمِلُ طَرِيقَةً خَاصَّةً لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ.
لِذٰلِكَ، وَأَنْتُمْ لَا تَزَالُونَ فِي لَحْظَةٍ يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ تَخْتَارُوا، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ:
لَا تَجْعَلُوا أَدَوَاتِكُمْ أَذْكَى مِنْ قُلُوبِكُمْ.
لَا تُؤَجِّلُوا الْعَلَاقَاتِ الْحَقِيقِيَّةَ مِنْ أَجْلِ انْشِغَالَاتٍ عَابِرَةٍ.
تَعَلَّمُوا كَيْفَ تَجْلِسُونَ مَعَ أَنْفُسِكُمْ دُونَ ضَجِيجٍ.
وَاحْفَظُوا ذَاكِرَتَكُمْ كَمَا تَحْفَظُونَ مُسْتَقْبَلَكُمْ.
لَا تَتْرُكُوا الذَّكَاءَ الاصْطِنَاعِيَّ يُجِيبُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ… فَبَعْضُ الْأَسْئِلَةِ خُلِقَتْ لِتَبْقَى حَيَّةً فِي قُلُوبِكُمْ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّقَدُّمَ لَيْسَ فِي سُرْعَةِ الْوُصُولِ، بَلْ فِي صِحَّةِ الِاتِّجَاهِ. وَأَنَّ الذَّكَاءَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ التَّعَاطُفُ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْوَصْلِ لَا فِي الْفَصْلِ.
هُنَاكَ أَشْيَاءٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَنْ تَتَغَيَّرَ:
أَنْ يَبْكِيَ الْإِنْسَانُ حِينَ يَفْقِدُ مَنْ يُحِبُّ.
وَأَنْ يَبْدَأَ الْفَجْرُ بِلَحْظَةِ صَمْتٍ تَسْبِقُ الضَّوْءَ.
وَأَنْ يَبْقَى الْبَحْثُ عَنِ الْمَعْنَى هُوَ أَطْوَلَ رِحْلَةٍ فِي حَيَاةِ كُلِّ إِنْسَانٍ.
إِذَا مَنَحَكُمُ الْمُسْتَقْبَلُ قُوَّةً، فَلَا تَنْسَوْا أَنْ تَسْأَلُوا: لِمَاذَا نَسْتَخْدِمُهَا؟
وَإِذَا مَنَحَكُمُ الْعِلْمُ كُلَّ الْإِجَابَاتِ، فَلَا تَفْقِدُوا قُدْرَتَكُمْ عَلَى الدَّهْشَةِ.
فَالْمُسْتَقْبَلُ لَيْسَ مَكَانًا نَصِلُ إِلَيْهِ.. بَلْ هُوَ أَثَرُ مَا نَخْتَارُهُ الْيَوْمَ.
وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَجِبُ أَلَّا يَتَغَيَّرَ، فَهُوَ أَنْ تَبْقَوْا بَشَرًا.
__________________
fouad.hanna@online.de
|