صَمْتٌ أَنْقَى مِنْ جِدَالٍ عَقِيم بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي قَدْ لَا يُثِيرُ فُضُولِي
صَمْتٌ أَنْقَى مِنْ جِدَالٍ عَقِيم
بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي
قَدْ لَا يُثِيرُ فُضُولِي، وَلَا يَسْتَفِزُّ اهْتِمَامِي، أَنْ تَبْلُغَنِي رِسَالَةٌ أَوْ رَسَائِلُ مِنْ أُنَاسٍ لَا يَعْرِفُونَنِي، يَرْمُونَنِي بِتُهَمٍ مُعَلَّبَةٍ، وَيَنْسُجُونَ أَحْكَامَهُمْ عَلَى خُيُوطِ الظَّنِّ وَالْوَهْمِ. فَذَلِكَ، عَلَى قَسْوَتِهِ، يَبْقَى أَمْرًا عَابِرًا، تُخَفِّفُهُ لَامُبَالَاةُ مَنْ يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ.
لَكِنَّ الَّذِي يُوجِعُ النَّفْسَ وَيُثِيرُ فِيهَا اشْمِئْزَازًا لَا يُحْتَمَلُ، هُوَ أَنْ تَأْتِي هَذِهِ التُّهَمُ مِنْ أَبْنَاءِ بَلَدِي سُورِيَّةَ، بَلْ مِنْ أَبْنَاءِ بَلْدَتِي دِيرِك، وَمِنْ أُنَاسٍ تَجْمَعُنِي بِهِمْ رَوَابِطُ الدِّينِ وَالْقَوْمِيَّةِ، وَتَشُدُّنِي إِلَيْهِمْ خُيُوطُ الذِّكْرَى وَالانْتِمَاءِ. فَكَيْفَ يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُلْقُوا بِكَلِمَاتِهِمْ هَكَذَا، دُونَ وَزْنٍ وَلَا مِيزَانٍ، وَدُونَ أَنْ يَلْتَفِتُوا إِلَى صِلَةٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ أَوْ حُرْمَةٍ؟
إِنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الْكَأْسَ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ، وَفَاقِدَ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ؛ فَمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ لَيْسَ إِلَّا صُورَةً لِمَا يَخْتَلِجُ فِي دَوَاخِلِهِمْ مِنْ ضِيقٍ وَاضْطِرَابٍ. وَإِنْ كَانَ لَهُمْ رَأْيٌ آخَرُ، فَذَلِكَ حَقٌّ لَا أُنَازِعُهُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحَوِّلُوا اخْتِلَافَهُمْ إِلَى تُهَمٍ، وَلَا أَنْ يَجْعَلُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قُضَاةً عَلَى نَوَايَا الآخَرِينَ.
إِنَّ الاخْتِلَافَ فِي الرَّأْيِ لَيْسَ عَيْبًا، بَلْ هُوَ مِسَاحَةٌ لِلنُّضْجِ وَالْحِوَارِ، إِذَا مَا أُحِيطَ بِالِاحْتِرَامِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ. أَمَّا أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى تَدَخُّلٍ فِي شُؤُونِ الْغَيْرِ، وَتَطَاوُلٍ عَلَى قَنَاعَاتِهِمْ، فَذَلِكَ مَا لَا أَقْبَلُهُ وَلَا أَرْتَضِيهِ.
وَقَدِ اخْتَرْتُ أَنْ أَرْتَقِيَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَلَا أُجَادِلُ، وَلَا أَرُدُّ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْكَلِمَةِ، بَلْ أَكْتَفِي بِالْإِعْرَاضِ وَالْحَظْرِ، عَمَلًا بِحِكْمَةٍ تَقُولُ:
"الْخَ...ا أَشْقَدْ لِتْدُوسْ عَلَيْهِ، تِيْجِي مِنُّهُ أَكْتَرْ رِيحَة"
فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ لَا يُصْلِحُهَا الْجِدَالُ، وَلَا يُزِيلُ قُبْحَهَا الِاقْتِرَابُ مِنْهَا.
وَلِأَنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ مَنْ طَابَ أَصْلُهُ، طَابَ فِعْلُهُ، فَلَا يُثْمِرُ الْغُصْنُ إِلَّا مِنْ طِيبِ الْجُذُورِ، فَإِنِّي أَحْرِصُ أَنْ يَبْقَى فِعْلِي مُنْسَجِمًا مَعَ مَا أُرِيدُهُ لِنَفْسِي مِنْ كَرَامَةٍ وَاتِّزَانٍ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَفَاضِلُ، عَامِلُوا النَّاسَ كَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يُعَامِلُوكُمْ؛ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ بَسِيطَةٌ، لَكِنَّهَا كَفِيلَةٌ بِأَنْ تُجَنِّبَنَا كَثِيرًا مِنَ السُّوءِ وَسُوءِ الْفَهْمِ. فَإِذَا لَمْ أَتَدَخَّلْ فِي شُؤُونِكُمْ، وَلَمْ أَمَسَّ قَنَاعَاتِكُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أُقَابَلَ بِالِاحْتِرَامِ نَفْسِهِ.
فَالْكَلِمَةُ مِيزَانٌ، وَالْأَخْلَاقُ أَصْلٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِي الْبِدَايَةِ، أَحْسَنَ فِي الْمَآلِ. وَالصَّمْتُ، أَحْيَانًا، أَبْلَغُ مِنْ كُلِّ جِدَالٍ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|