عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 28-03-2026, 09:16 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,991
افتراضي قراءةٌ لغويّةٌ وتراثيّةٌ في الفعلِ الآزِخيِّ (هَبَطْ) بِقلمِ الباحثِ والمؤرّخِ: فؤاد

قراءةٌ لغويّةٌ وتراثيّةٌ في الفعلِ الآزِخيِّ (هَبَطْ)

بِقلمِ الباحثِ والمؤرّخِ: فؤاد زاديكي

تُعدُّ اللَّهجةُ الآزِخيّةُ نسيجًا لغويًّا فريدًا، صِيغَتْ مفرداتُها في بوتقةِ التَّاريخِ والجغرافيا لبلدةِ "آزخ" (إيديل حاليًّا) الواقعةِ في قلبِ الجزيرةِ السُّوريّةِ التَّاريخيّةِ. وهي لهجةٌ قامتْ في أصلِها على مِعمارِ اللُّغةِ السِّريانيّةِ العريقةِ، ثمَّ تمازجتْ بمرورِ الزَّمنِ معَ اللُّغةِ التُّركيّةِ فَرْضًا بحكمِ الحدودِ السِّياسيّةِ واتفاقيّةِ (سايكس بيكو) الّتي وَضَعَتْهَا ضِمْنَ حُدُودِ الدّولَةِ التُّركِيَّةِ، واللُّغةِ الكُرديّةِ بِحُكمِ الجوارِ والتَّواصلِ الاجتماعيِّ، فضلاً عن تأثيراتٍ فارسيّةٍ قديمةٍ، لِكون آزِخَ كَانتْ في إحدَى الفَترَات تَخضَعُ لِحُكمِ الدّولةِ السّاسانِيّةِ الفَارِسِيّةِ، ومفرداتٍ غربيّةٍ (فرنسيّةٍ وإنجليزيّةٍ وروسيّةٍ) خلّفها التَّواجدُ العسكريُّ الفِرَنسيّ والإنكليزِيّ في المنطقةِ.
وعلى الرَّغمِ من تَعَدُّدِ هذهِ الرَّوافدِ، إلّا أنَّ اللُّغةَ العربيّةَ ظلَّتْ هي السَّائدةُ والمهيمنةُ بصفتِها لغةَ الحياةِ اليوميّةِ، بينما انحصرَ دورُ السِّريانيّةِ في الطَّقسِ الكنسيِّ، والكُرديّةِ في لغةِ التَّفاهمِ معَ الجوارِ. ومن هذا التَّلاقحِ اللُّغويِّ الخصيبِ، نَسْتجلي دلالاتِ الفعلِ الآزِخيِّ (هَبَطْ).

أوَّلاً: الدَّلالةُ اللُّغويّةُ والتَّصريفُ

يأتي الفعلُ (هَبَطْ) في الموروثِ الآزِخيِّ بمعنى (أَفْزَعَ) أو (أَخافَ)، وهو يمتلكُ مُرونةً عاليةً في التَّصريفِ تعكسُ غِنَى هذهِ اللَّهجةِ:
* للمخاطبِ والغائبِ: نَقُولُ (هَبَطُو) أَيْ أَفْزَعَهُ. أخَافَهُ، وَ (هَبَطَا) أَيْ أَفْزَعَهَا. أخَافَهَا، وَ (هَبَطِنْ) أَيْ أَفْزَعَهُمْ. أخافَهُم وهِي لجَمْعَي المُذَكّرِ والمُؤنّثِ مَعًا.
* للمتكلمِ (فعلُ الفاعلِ): نَقُولُ (هَبَطّوكْ) أَيْ أَفْزَعْتُكَ، وَ (هَبَطُّوكِنْ) أَيْ أَفْزَعْتُكُمْ، وَ (هَبَطّوِنْ) أَفْزَعْتُهُمْ، وَ (هَبَطّوَا) أَفْزَعْتُهَا، وَ (هَبَطُّو) أَفْزَعْتُهُ.
* بصيغةِ الجمعِ: نَقُولُ (هَبَطُونِي) أَيْ أَفْزَعُونِي، وَ (هَبَطُوكِنْ) أَفْزَعُوكُمْ، وَ (هَبَطُوِنْ) أَفْزَعُوهُمْ، وَ (هَبَطُوَا) أَفْزَعُوهَا، وَ (هَبَطُوو) أَفْزَعُوهُ، وَ (هَبَطُوكْ) أَفْزَعُوكَ.
* فِي المُضَارِعِ: نَقُولُ (أهْبِطِكْ) أَيْ أُجعَلُكَ تَفْزَعُ، وَ (أهْبِطْكِي) أَيْ أُفَزِّعُكِ اجعلكِ تَفْزَعِينَ.

ثانياً: المبالغةُ واسمُ الحالةِ

تتوسّعُ الدَّلالةُ لتشملَ أسماءَ الهيئةِ والمبالغةِ التي تصفُ شِدّةَ الانفعالِ:
* (هَبْطَة): هي اسمُ الحالةِ التي تُعَبِّرُ عَنِ الخوفِ الشَّديدِ، كقولِنا: (صابْنِي (صَابِتْنِي) هَبْطَة) أَيْ تملَّكَنِي ذُعْرٌ عَمِيقٌ، وجمعُهَا (هَبْطَات).
* (هِبَّاطِيِّهْ): تُطْلَقُ عَلَى نوبةِ الفزعِ المفاجئةِ التي تكتسحُ المَرْءَ، فَنَقُولُ: (صابُو هِبَّاطِيّهْ).
* (مَهْبوطْ): هو اسمُ المفعولِ الذي يصفُ الشَّخصَ الواقعَ تحتَ وطأةِ الانهيارِ النَّفسيِّ أو التَّوترِ، وَجَمْعُهَا (مَهبوطِينْ).
* (إنْهَبَطْ): فِعْلُ الانفعالِ والمطاوعةِ، كقولِنا: (إنْهَبَطِتْ) لِلمؤنثِ المُفْرَدِ، وَ (إنْهَبَطّتِي) لِمُخَاطَبَةِ المُفرَدِ المُؤنَّثِ.

ثالثاً: "شِيْلَانُ الهَبْطَةِ" والموروثُ الشَّعبيُّ

يرتبطُ هذا الفعلُ بطقوسٍ شفائيّةٍ شعبيّةٍ عاينتُها شخصيًّا في بيتِنا بِديرِيكِ (المَالِكِبّةِ) حيثُ كانَ يُقالُ: (فُلانْ شَالُو هًبْطِتُو)، أَيْ نَجَحُوا فِي تَخْلِيصِهِ مِنْ آثارِ الرُّعْبِ.
كانتِ الوالدةُ الرَّاحلةُ (حانة قرياقس صليبا يونو جمعة آدم) تمتلكُ تلكَ المهارةَ الوجدانيّةَ في علاجِ "المَهْبوطِ"، فكانتْ تضعُ المِلحَ في كفِّها وتُغلقُ أصابعَها بوقارٍ، ثمَّ تضعُ يدَها فوقَ رأسِ المُصَابِ وتُتَمتِمُ بصلواتٍ خَفيّةٍ لا نُدركُ كُنْهَها، فيستعيدُ المريضُ سكينتَهُ ويتعافَى. غيرَ أنَّ هذا العملَ الإنسانيَّ كانَ يُرهقُها صِحّيًّا فِي الآونَةِ الأخِيرةِ، إذ كانتْ تنتقلُ إليها عدوى "الهبْطَةِ" بَعْدَ كلِّ عِلاجٍ، مِمَّا دَفَعَ شقيقي الرَّاحلَ "جوزيف" إلى رَجائِها بالتَّوقفِ صَونًا لصِحّتِها، وقدِ استَجَابَتْ لِطَلَبِهِ.
كما بَرعتِ الوالدةُ في علاجِ (السّرّة الموقعة) بِواسطةِ تقنيّةٍ تقليديّةٍ دقيقةٍ تعتمدُ على شَدِّ الحبالِ عَبْرَ (الغربالِ) المنصوبِ فوقَ بطنِ المريضِ، حتَّى تعودَ السُّرّةُ إلى مَوْضِعِها الطَّبيعيِّ بِفعلِ التَّوازنِ والضَّغطِ.
إنَّ هذا الثَّراءَ في المفردةِ الآزِخيّةِ يبرهنُ على أنَّ اللَّهجةَ ليستْ مُجرّدَ أداةٍ للتَّواصلِ، بل هي سِجِلٌّ نَفْسِيٌّ واجتماعيٌّ يَحفظُ تاريخَ أهلِها وعاداتِهم الصِّحيّةِ والوجدانيّةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس