عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-03-2026, 08:45 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,095
افتراضي ٱلْأَبِيُونِيَّةُ: نَشْأَتُهَا، وَمُعْتَقَدَاتُهَا، وَتَأْثِيرُهَا فِي ٱلتَّارِيخِ

ٱلْأَبِيُونِيَّةُ: نَشْأَتُهَا، وَمُعْتَقَدَاتُهَا، وَتَأْثِيرُهَا فِي ٱلتَّارِيخِ ٱلدِّينِيِّ

فُؤَاد زَادِيكِي

ٱلْأَبِيُونِيَّةُ هِيَ فِرْقَةٌ دِينِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ظَهَرَتْ فِي بَدَايَاتِ ٱلْقُرُونِ ٱلْمِيلَادِيَّةِ ٱلْأُولَى، وَتُعَدُّ مِنَ ٱلْفِرَقِ ٱلَّتِي ٱنْتَسَبَتْ إِلَى ٱلْمَسِيحِيَّةِ ٱلْأُولَى مَعَ ٱحْتِفَاظِهَا بِبَعْضِ ٱلْمُؤَثِّرَاتِ ٱلْيَهُودِيَّةِ. وَقَدِ ٱخْتَلَفَ ٱلْمُؤَرِّخُونَ فِي تَفْصِيلِ نَشْأَتِهَا، إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهَا ظَهَرَتْ فِي بِلَادِ ٱلشَّامِ، وَخَاصَّةً فِي فِلَسْطِين وَمَا حَوْلَهَا، فِي أَوَاخِرِ ٱلْقَرْنِ ٱلْأَوَّلِ ٱلْمِيلَادِيِّ.
يُعْتَقَدُ أَنَّ ٱلْأَبِيُونِيِّينَ كَانُوا فِي ٱلْأَصْلِ مِنَ ٱلْيَهُودِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا بِالسيّد المسيح، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا ٱلتَّحَوُّلَ ٱلْكُلِّيَّ إِلَى ٱلْمَسِيحِيَّةِ بِمَفْهُومِهَا ٱلَّذِي ٱنْتَشَرَ لَاحِقًا عَلَى يَدِ ٱلرُّسُلِ، خَاصَّةً مَا نُسِبَ إِلَى بُولُسَ. وَقَدْ تَمَسَّكُوا بِٱلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ، وَرَأَوْا وُجُوبَ ٱلِٱلْتِزَامِ بِهَا عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَّبِعُ ٱلْمَسِيحَ. وَٱسْمُ “ٱلْأَبِيُونِيَّةِ” مُشْتَقٌّ مِنْ كَلِمَةٍ تَعْنِي “ٱلْفُقَرَاءَ”، وَيُقْصَدُ بِهَا إمَّا ٱلْفَقْرُ ٱلْمَادِّيُّ أَوِ ٱلتَّوَاضُعُ ٱلدِّينِيُّ، وَقَدْ يَكُونُ ٱلِٱسْمُ لَقَبًا أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ خُصُومِهِمْ.

تَمَيَّزَتِ ٱلْأَبِيُونِيَّةُ بِعِدَّةِ أُصُولٍ عَقَدِيَّةٍ، مِنْ أَبْرَزِهَا:
1. نَفْيُ أُلُوهِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ المسيح إِنْسَانٌ بَشَرِيٌّ مُخْتَارٌ مِنَ ٱللَّهِ، وَلَيْسَ إِلَهًا وَلَا ٱبْنَ إِلَهٍ.
2. ٱلِٱلْتِزَامُ بِٱلشَّرِيعَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ: أَوْجَبُوا ٱلْخِتَانَ، وَٱلِٱلْتِزَامَ بِٱلطَّعَامِ ٱلْمَحْدُودِ، وَبَقِيَّةِ أَحْكَامِ ٱلتَّوْرَاةِ.
3. رَفْضُ تَعَالِيمِ بُولُسَ: ٱعْتَبَرُوا بُولُسَ مُحَرِّفًا لِدِينِ ٱلْمَسِيحِ، وَرَفَضُوا رِسَالَاتِهِ.
4. ٱلِٱعْتِمَادُ عَلَى إِنْجِيلٍ خَاصٍّ: كَانَ لَهُمْ نَصٌّ يُنْسَبُ إِلَى مَتَّى، وَلَكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ عَنِ ٱلنُّسَخِ ٱلْمَعْرُوفَةِ.
5. ٱلزُّهْدُ وَٱلتَّقَشُّفُ: مَالُوا إِلَى حَيَاةِ ٱلزُّهْدِ وَٱلتَّبَسُّطِ فِي ٱلدُّنْيَا.

ٱنْتَشَرَتِ ٱلْأَبِيُونِيَّةُ فِي فِلَسْطِين وَسُورِيَا، ثُمَّ تَرَاجَعَ نُفُوذُهَا مَعَ ٱنْتِشَارِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ ٱلْكَنَسِيَّةِ ٱلرَّسْمِيَّةِ ٱلَّتِي أَقَرَّتْ بِأُلُوهِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ. وَبِحُلُولِ ٱلْقَرْنِ ٱلرَّابِعِ ٱلْمِيلَادِيِّ، كَادَتْ هَذِهِ ٱلْفِرْقَةُ أَنْ تَخْتَفِي، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا وُجُودٌ مُنَظَّمٌ.
لَمْ يُعْرَفْ لِلْأَبِيُونِيَّةِ مُؤَسِّسٌ وَاحِدٌ بِٱلِٱسْمِ، بَلْ هِيَ تَيَّارٌ نَشَأَ مِنْ بَيْنِ جَمَاعَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْأُوَلِ. أَمَّا ٱلْيَوْمَ، فَلَا تُوجَدُ فِرْقَةٌ تُسَمِّي نَفْسَهَا بِهَذَا ٱلِٱسْمِ، وَلَكِنْ يُشِيرُ بَعْضُ ٱلْبَاحِثِينَ إِلَى وُجُودِ أَفْكَارٍ مُتَشَابِهَةٍ فِي بَعْضِ ٱلتَّيَّارَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ ٱلَّتِي تُنْكِرُ أُلُوهِيَّةَ ٱلْمَسِيحِ وَتُؤَكِّدُ بَشَرِيَّتَهُ.

إِنَّ دِرَاسَةَ ٱلْأَبِيُونِيَّةِ تُظْهِرُ مَرْحَلَةً مُبَكِّرَةً مِنَ ٱلِٱخْتِلَافِ ٱلدِّينِيِّ فِي تَارِيخِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ، وَتُبَيِّنُ كَيْفَ تَشَكَّلَتِ ٱلْعَقَائِدُ وَتَطَوَّرَتْ عَبْرَ ٱلزَّمَانِ. وَعَلَى ٱلرَّغْمِ مِنِ ٱخْتِفَاءِ هَذِهِ ٱلْفِرْقَةِ، فَإِنَّ أَثَرَهَا ٱلْفِكْرِيَّ يَبْقَى مَوْضُوعًا مُهِمًّا لِلْبَحْثِ وَٱلدِّرَاسَةِ فِي تَارِيخِ ٱلْأَدْيَانِ، لَمْ تَكُنِ ٱلْأَبِيُونِيَّةُ مُنْتَشِرَةً فِي دُوَلِ ٱلْخَلِيجِ ٱلْعَرَبِيِّ. فَحَسَبَ مَا تُجْمِعُ عَلَيْهِ ٱلْمَصَادِرُ ٱلتَّارِيخِيَّةُ، كَانَ وُجُودُ ٱلْأَبِيُونِيِّينَ مَحْدُودًا بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ فِي بِلَادِ ٱلشَّامِ، خَاصَّةً فِلَسْطِين وَمَا حَوْلَهَا، مَعَ بَعْضِ ٱلِٱمْتِدَادِ إِلَى أَجْزَاءٍ مِنْ سُورِيَا وَشَمَالِ ٱلْجَزِيرَةِ ٱلْعَرَبِيَّةِ.
أَمَّا مَنَاطِقُ ٱلْخَلِيجِ ٱلْعَرَبِيِّ (مِثْلُ ٱلْيَمَامَةِ وَٱلْبَحْرَيْنِ ٱلْقَدِيمَةِ وَعُمَان)، فَلَمْ تَرِدْ فِيهَا أَدِلَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ مَوْثُوقَةٌ تُثْبِتُ وُجُودَ ٱلْأَبِيُونِيَّةِ كَفِرْقَةٍ مُنَظَّمَةٍ. كَانَتْ هُنَاكَ فِيهَا بَعْضُ ٱلْجَمَاعَاتِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ ٱلْمُبَكِّرَةِ (خَاصَّةً عَلَى ٱلسَّوَاحِلِ ٱلشَّرْقِيَّةِ)، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى ٱلْمَذَاهِبِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ ٱلْمَعْرُوفَةِ آنَذَاكَ، وَلَيْسَ مِنَ ٱلْمُؤَكَّدِ أَنَّهَا تَبَنَّتْ أَفْكَارَ ٱلْأَبِيُونِيِّينَ.

وَبِشَكْلٍ عَامٍّ، يُمْكِنُ ٱلْقَوْلُ إِنَّ ٱلْأَبِيُونِيَّةَ بَقِيَتْ ظَاهِرَةً مَحْلِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِٱلْبِيئَةِ ٱلشَّامِيَّةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ - ٱلْمَسِيحِيَّةِ، وَلَمْ تَنْتَشِرْ ٱنْتِشَارًا وَاسِعًا فِي أَعْمَاقِ ٱلْجَزِيرَةِ ٱلْعَرَبِيَّةِ، وَخَاصَّةً مَنَاطِقِ ٱلْخَلِيجِ.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 20-03-2026 الساعة 06:52 AM
رد مع اقتباس