مُنذُ بضعةِ أيّامٍ، تلقّيتُ رسالةً ممهورةً بالمودّةِ والمسؤوليّةِ من الصّديقِ العزيزِ
مُنذُ بضعةِ أيّامٍ، تلقّيتُ رسالةً ممهورةً بالمودّةِ والمسؤوليّةِ من الصّديقِ العزيزِ الأبِ عيسى غريب، كاهنِ كنيسةِ "فولندورف" للسريانِ الأرثوذكسِ في ألمانيا، لَهُ كُلُّ المَحَبَّةِ والتّقدِيرِ، يحملُ في طيّاتِها طلبًا جليلًا يتمثّلُ في تدوينِ بحثٍ تاريخيٍّ معمّقٍ، يستنطقُ مآسي مسيحيّي الشّرقِ وما كابدوهُ من اضطهاداتٍ في حقبِ التاريخِ القريبِ. والغايةُ من هذا العملِ أن يتولّى نجلهُ البارّ، الدكتور رياض غريب، نقلهُ إلى اللغةِ الألمانيّةِ ليكونَ وثيقةً رسميّةً تُقدَّمُ للجهاتِ الحكوميّةِ هناك، كاشفةً عن فداحةِ المجازرِ والآلامِ التي استهدفتِ الوجودَ المسيحيَّ في منطقتِنا والدولِ العربيّةِ والإسلاميّةِ.
وقد استجبتُ لهذا الواجبِ التاريخيِّ بكلِّ فخرٍ واعتزازٍ، وشكرتُ لهُ هذا الاهتمامَ النبيلَ، وسأشرعُ في نشرِ فصولِ هذا البحثِ تِباعًا عبرَ صفحتي الشّخصيّةِ ومواقعي الإلكترونيّةِ، لعلّني بذلك أزيحُ لِثامَ النّسيانِ عمّا غُيّبَ من حقائقَ مروّعةٍ، فالتّاريخُ أمانةٌ لا يجوزُ إغفالُها، والذّاكرةُ الحيّةُ هي الحصنُ الأخيرُ للعدالةِ.
إنّني على يقينٍ تامٍّ بأنّ طريقَ الحقيقةِ محفوفٌ بالأشواكِ، فما إن نشرتُ قبلَ أيّامٍ مقالينِ، أحدُهما حولَ "الولاياتِ الأرمنيّةِ الستِّ" التي احتلتْها الدولةُ التركيّةُ العثمانيّةُ عقبَ مجازرِها الرهيبةِ بحقِّ الأرمنِ وبقيّةِ الطوائفِ المسيحيّةِ إبّانَ عهدِ "سيفو" وما بعدَهُ، والآخَرُ حولَ "النصرانيّةِ بدعةً يهوديّةً"، حتى انبرت "خفافيشُ الظلامِ" وذبابُها الإلكترونيُّ بوابلٍ من الشّتائمِ والقذارةِ اللفظيّةِ، التي تبرأُ منها البشريّةُ ويعفُّ اللسانُ عن ذكرِها.
لقد آثرتُ الترفُّعَ عن مهاتراتِهم السّقيمةِ التي أرادوا جَرّي إليها للتّشويشِ على جوهرِ القضيّةِ، فبادرتُ بإبلاغِ إدارةِ "فيسبوك"، غيرَ أنّ الصدمةَ كانت في ردِّ الإدارةِ، الذي زعمَ أنّ تلكَ الكلماتِ النابيةَ "لا تخالفُ المعاييرَ الاجتماعيّةَ"! ومع ذلك، أقولُها بملءِ الفمِ: لن تثنيني هجماتُ هؤلاءِ الهمجِ ولا خذلانُ المنصّاتِ عن صدعِ الحقِّ. سأظلُّ حارسًا للذّاكرةِ، وفيًّا للحقيقةِ، مهما غلا الثّمنُ وعظُمَ التّحدّي، فالحقُّ أبلجُ والباطلُ لجلجُ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|