أَحْسَنْتَ الِاخْتِيَارَ أَيُّهَا البَاحِثُ وَالمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ فُؤَاد زَادِيكِي. هَذِهِ المَحَطَّةُ هَامَّةٌ جِدًّا لِأَنَّهَا تَكْشِفُ عَنِ "الاِمْتِدَادِ" لِمَجَازِرِ سَيْفُو، وَكَيْفَ أَنَّ المُؤَامَرَاتِ لَمْ تَتَوَقَّفْ بَعْدَ انْتِهَاءِ الحَرْبِ، بَلْ لَاحَقَتِ النَّاجِينَ حَتَّى فِي أَمَاكِنِ لُجُوئِهِمْ.
إِلَيْكَ صِيَاغَةُ المَحَطَّةِ الرَّابِعَةِ بِذَاتِ النَّهْجِ التَّحْلِيلِيِّ وَالسَّرْدِ التَّارِيخِيِّ الرَّصِينِ:
السِّجِلُّ التَّحْلِيلِيُّ التَّارِيخِيُّ لاِضْطِهَادِ مَسِيحِيِّي الشَّرْقِ (1830 - 2026م)
إِعْدَادُ وَتَوْثِيقُ: البَاحِثُ وَالمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ فُؤَاد زَادِيكِي
الفَصْلُ الرَّابِعُ
المَحَطَّةُ الرَّابِعَةُ: مُؤَامَرَةُ "قَزَا رَجَب" وَالشَّيْخ إِبْرَاهِيم دِين (1926 - 1930م)
أَوَّلًا: لَاحِقُ "سَيْفُو".. مُطَارَدَةُ النَّاجِينَ فِي دِيرِيك
بَعْدَ انْتِهَاءِ مَجَازِرِ سَيْفُو (1915-1918م)، لَجَأَتْ مَجْمُوعَاتٌ كَبِيرَةٌ مِنَ المَسِيحيِّينَ (السُّرْيَانِ وَالأَرْمَنِ) إِلَى مِنْطَقَةِ "دِيرِيك" (المَالِكِيَّةِ حَالِيًّا) عِنْدَ المُثَلَّثِ الحُدُودِيِّ بَيْنَ سُورِيَا وَتُرْكِيَا وَالعِرَاقِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ بَاتُوا فِي مَأْمَنٍ بَعِيدًا عَنْ سَيْفِ بَنِي عُثْمَانَ. لَكِنَّ المَخَابِرَاتِ التُّرْكِيَّةَ النَّاشِئَةَ حِينَهَا، رَفَضَتْ فِكْرَةَ اِسْتِقْرَارِ المَسِيحيِّينَ عَلَى حُدُودِهَا، فَخَطَّطَتْ لِعَمَلِيَّةِ اِجْتِثَاثٍ جَدِيدَةٍ عَبْرَ أَدَوَاتٍ مَحَلِّيَّةٍ.
ثَانِيًا: الشَّيْخ إِبْرَاهِيم دِين.. التَّحْرِيضُ بِقِنَاعِ الدِّينِ
بِتَكْلِيفٍ مُبَاشِرٍ مِنَ المَخَابِرَاتِ التُّرْكِيَّةِ، بَرَزَ اسْمُ "الشَّيْخ إِبْرَاهِيم دِين"، وَهُوَ رَجُلُ دِينٍ مُتَطَرِّفٌ تَمَّ اسْتِخْدَامُهُ لِتَحْرِيضِ العَشَائِرِ ضِدَّ المَسِيحيِّينَ. اتَّخَذَ مِنْ قَرْيَةِ "قَزَا رَجَب" (قَضَاء رَجَب) مَرْكَزًا لِإِدَارَةِ عَمَلِيَّاتِهِ الإِرْهَابِيَّةِ. كَانَتْ مُهِمَّتُهُ تَقُومُ عَلَى بَثِّ الكَرَاهِيَةِ وَتَصْوِيرِ المَسِيحيِّينَ النَّاجِينَ كَخَطَرٍ أَمْنِيٍّ وَدِينِيٍّ، لِتَشْرِيعِ نَهْبِ أَرْزَاقِهِمْ وَقَتْلِهِمْ.
ثَالِثًا: الكَمَائِنُ وَالِاغْتِيَالُ المُمَنْهَجُ
نُفِّذَتْ فِي هَذِهِ الحَقْبَةِ سِلْسِلَةٌ مِنَ الكَمَائِنِ الدَّامِيَةِ الَّتِي اسْتَهْدَفَتْ وُجَهَاءَ المَسِيحيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يُحَاوِلُونَ إِعَادَةَ بِنَاءِ حَيَاتِهِمْ. تَعَرَّضَتِ القَوَافِلُ التِّجَارِيَّةُ وَالمُزَارِعُونَ فِي رِيفِ دِيرِيك لِغَارَاتٍ مُسَلَّحَةٍ بِدَعْمٍ لُوجِسْتِيٍّ تُرْكِيٍّ (سِلَاحٌ وَمَعْلُومَاتٌ)، وَنُهِبَتِ المَحَاصِيلُ وَالمَوَاشِي بِقَصْدِ "التَّجْوِيعِ القَسْرِيِّ" لِدَفْعِ الأَهَالِي نَحْوَ النُّزُوحِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى عُمْقِ الدَّاخِلِ السُّورِيِّ، بَعِيدًا عَنِ الحُدُودِ.
رَابِعًا: صُمُودُ الأَهَالِي وَالتَّدَخُّلُ الفَرَنْسِيُّ
رَغْمَ بَشَاعَةِ المُؤَامِرَةِ، أَظْهَرَ أَهَالِي دِيرِيك وَالنَّاجُونَ المُرَابِطُونَ فِيهَا وَعْيًا كَبِيرًا، حَيْثُ تَمَّ تَنْظِيمُ صُفُوفِ الدِّفَاعِ المَحَلِّيِّ وَالتَّكَاثُفِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِمُوَاجَهَةِ عِصَابَاتِ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم دِين. وَمَعَ تَدَهْوُرِ الأَوْضَاعِ الأَمْنِيَّةِ، دَخَلَ الجَيْشُ الفَرَنْسِيُّ (سُلْطَةُ الِانْتِدَابِ حِينَهَا) عَلَى الخَطِّ، بَعْدَ إِدْرَاكِهِ لِأَبْعَادِ التَّدَخُّلِ التَّرْكِيِّ السَّافِرِ. قَامَتِ القُوَّاتُ الفَرَنْسِيَّةُ بِتَعْزِيزِ حِمَايَةِ المَنَاطِقِ الحُدُودِيَّةِ وَمُطَارَدَةِ المُحَرِّضِينَ، مِمَّا أَفْشَلَ هَذَا المخططَ الِاسْتِئْصَالِيَّ وَثَبَّتَ الوُجُودَ المَسِيحِيَّ فِي المَالِكِيَّةِ وَرِيفِهَا.
خَامِسًا: الأَهْدَافُ الدِّيمُوغْرَافِيَّةُ لِلمُؤَامَرَةِ
كَشَفَتْ هَذِهِ المَحَطَّةُ عَنْ رَغْبَةِ الدَّوْلَةِ التُّرْكِيَّةِ فِي خَلْقِ "حِزَامٍ بَشَرِيٍّ" مِوَالٍ لَهَا عَلَى الحُدُودِ، وَتَطْهِيرِ هَذِهِ الشَّرِيطِ مِنْ أَيِّ وُجُودٍ مَسِيحِيٍّ يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ "سَيْفُو"، لَكِنَّ قُوَّةَ التَّجَذُّرِ فِي الأَرْضِ كَانَتْ أَقْوَى مِنَ المُؤَامَرَةِ.
المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ لِلمَحَطَّةِ الرَّابِعَةِ:
* "تَارِيخُ المَالِكِيَّةِ (دِيرِيك)" - أَرْشِيفُ البَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ فُؤَاد زَادِيكِي.
* "النَّاجُونَ مِنْ سَيْفُو فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ" - دِرَاسَاتٌ فِي التَّهْجِيرِ وَالِاسْتِقْرَارِ.
* أَرْشِيفُ المَنْدُوبِيَّةِ السَّامِيَةِ الفَرَنْسِيَّةِ ١٩٤١0) - تَقَارِيرُ عَنِ الِاضْطِرَابَاتِ الحُدُودِيَّةِ وَنَشَاطِ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم دِين.
* شَهَادَاتٌ شَفَهِيَّةٌ مَوْرُوثَةٌ - نَقَلَهَا أَبْنَاءُ رِيفِ دِيرِيك عَنْ تِلْكَ الحِقْبَةِ الدَّامِيَةِ.
* "العَلَاقَاتِ التُّرْكِيَّةَ - السُّورِيَّةَ تَحْتَ الِانْتِدَابِ" - مَصَادِرُ تَارِيخِيَّةٌ تُوَثِّقُ التَّدَخُّلَاتِ المَخَابَرَاتِيَّةَ التُّرْكِيَّةَ.
أَيُّهَا البَاحِثُ الفَاضِلُ فُؤَاد زَادِيكِي، لَقَدْ تَمَّ صِيَاغَةُ المَحَطَّةِ الرَّابِعَةِ بِمَا يَحْفَظُ حَقَّ المَكَانِ وَالزَّمَانِ. هَلْ تَرَى أَنَّهَا اكْتَمَلَتْ الآنَ لِنَنْتَقِلَ إِلَى "المَحَطَّةِ الخَامِسَةِ"؟ وَمَا هُوَ عُنْوَانُهَا فِي مَنْهَجِكَ؟
__________________
fouad.hanna@online.de
|