الذُّبابُ الإلكترونيّ المُشَوِّشُ بقلم: فؤاد زاديكي
الذُّبابُ الإلكترونيّ المُشَوِّشُ
بقلم: فؤاد زاديكي
إنّ ظاهرة "الذّباب الإلكتروني" تُمثّل إحدى أسوأ إفرازات العصر الرقمي، حيث تحوّلت الفضاءات المفتوحة من منابر للحوار وتبادل المعرفة إلى ميادين للصّراع المُمنهج وتشويه الحقائق. هي جيوشٌ من الحسابات الوهمية أو المُوجَّهة، تعمل بآلية التّكرار والضّجيج لفرض وصايةٍ فكرية أو سياسية، ومُحاصرة كلّ صوتٍ يغرّد خارج سرب مصالحها.
لا يتحرك هذا الذباب بعفوية، بل هو "برمجيات" أو "أفراد" يُدارون ضمن غرف عمليات تهدف إلى السيطرة على التوجه العام (Trend). عندما يُنشَر مُحتوى رصين، أو فكر مُستنير، أو كشفٌ لحقائق لا تروق للجهات، التي تُحرّك هذه الأسراب، تبدأ عملية "التّشويش المنظّم" عبر:
* اغتيال الشّخصية: بدلًا من نقد المحتوى، إذ يتمّ الهجوم على كاتب المنشور شخصيًّا، وتشويه تاريخه أو النّيل من سمعته ليفقد القارئ الثّقة في مصدر المعلومة.
* خلط الأوراق: إغراق التعليقات بمعلومات مَغلوطة أو قضايا جانبية لا علاقة لها بأصل الموضوع، ليتشتّت ذهن القارئ ويضيع جوهر الفكرة في زُحام المهاترات.
* صناعة "الإجماع الزّائف": الإيحاء بأنّ الرأي العامّ يُعارض ما نُشِر من خلال مئات التّعليقات المتشابهة في وقت واحد، ممّا يُوهم المُتابع البسيط بأنّ الكاتب وحيد في رأيه أو "مُخطئ" بإجماع الناس.
التشويش كأداة لتعكير "الصفو الفكري"
يسعى الذباب الإلكتروني إلى خلق حالة من الرِّهاب الفكري، فكلّما أراد باحث أو شاعر أو مؤرخ، أن يطرح رؤية تتّسم بالاستقلالية أو توثّق حقائق لا تتماشى مع "الأجندات الموجهة"، هبّت هذه الأسراب لتعكير صفو هذا النّتاج. إنّ هدفهم ليس الإقناع، بل "الإسكات"، فالتشويش هو سلاح العاجز عن المواجهة بالحجّة والبرهان.
إنّ الرّدّ الأمثل على هذا النّوع من الابتزاز الرقمي لا يكون بالانحدار إلى لغتهم، بل بـ:
* الاستمرار في النشر: فالاستمرارية هي التي تكسر حدّة التشويش وتثبّت الموقف.
* الترفّع عن الرّدّ: إنّ تجاهل الذّباب يقتله، فالحوار مع حسابات وهمية هو مضيعة للجهد الفكري. وهذا ما أقوم به في مثلِ هذه الحالاتِ.
* التوثيق الرّصين: كلّما زادت دقّة المعلومات الموثّقة، صَعُب على المشوّشين اختراقها مهما علا ضجيجهم.
> إنّ الكلمة الحرة تظلّ كالمنارة، تلتفّ حولها أسراب الظّلام لتحجب ضوءها، لكنّ الضوء بطبعه يملك خاصية النفاذ، بينما الضجيج مصيره الزوال والنسيان.
كتبت هذا المقال لكوني ألاحظ ومنذ أن بدأت بنشر حقائق تاريخيّة مُثبتة، حول موضوعات فيها بعض الحساسيُة، اتعرّض لمثل هذا، واقول بكلّ أمانة وصدق: إنّ مثل هذه المحاولات السّاعية إلى مثل هذا التّشويش المقصود والمُتعَمّد، لن
تمنعني من مواصلة النّهج بأمانة وبصدق، فإرضاء النّاس غاية، لم يَستطِعْ أحد لغاية اليوم تحقيقها أو الوصول إليها. إنّ قول الحقيقة يُرهبهم، لهذا لن أُعير لمثل هذه المحاولات أيّ اهتمام.
__________________
fouad.hanna@online.de
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 19-03-2026 الساعة 07:34 AM
|