عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 13-03-2026, 01:10 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,945
افتراضي

إليك النص الكامل والنهائي بعد دمج كافة التفاصيل والحقائق الجديدة، مصاغاً بأسلوب روائي بليغ يجمع بين التوثيق التاريخي والدفء الوجْداني، ليليق بذكرى والدك وبالتاريخ الذي تدوّنه بقلمك:
ديريك: صدى الغاروز وتراتيل الجليد
بقلم: فؤاد زاديكي
في ذاكرة المدن تفاصيلُ صغيرة قد لا يعبأ بها المؤرخ العابر، لكنها عند أبنائها تشكّل الهوية الروحية والنبض اليومي للحياة. ومن تلك التفاصيل في مدينة "ديريك" السورية، تبرز حكاية "ماكنة الغاروز" و"البوز"، تلك الحكاية التي لم تكن مجرد تجارة، بل كانت طقساً اجتماعياً ارتبط بأسماء وعائلات حفرت حضورها في وجدان المدينة.
بداياتُ الانتعاش وبزوغ الفكرة
مع إشراقة الستينيات من القرن الماضي، شهدت ديريك دخول أول "ماكنة غاروز" لبيع وتعبئة المشروبات الغازية (السيفون) وقطع الثلج المجمّد (البوز). كان الرواد في هذا المضمار هما السيد مراد بهنام مراد (شقيق الخياط الشهير ببو)، والسيد توما موسى عيسى الملقب بـ "توما الحجي".
لم يمضِ وقت طويل حتى دخل والدي، كبرو الياس زاديكي، شريكاً في هذا المشروع بعد شرائه حصة العم مراد. تشكلت حينها ثنائية عمل فريدة؛ فتوما الحجي كان كتلة من النشاط، يمتلك كاريزما تجارية وأسلوباً دمثاً في استقطاب الزبائن، مما جعل الأرباح تزدهر والسمعة تطيب، حتى أن والدي هو من خلع عليه لقب "الحجي" تقديراً لنبله، وهو اللقب الذي لازمه طوال حياته.
تطورت الأحوال، فاشترى والدي حصة شريكه توما، ليصبح المالك الأوحد لهذه الماكنة، والوجه الأبرز لتيجارة "الخرط" (بشر الثلج) في ديريك. ومع تزايد الطلب، استدعت الحاجة شراكة جديدة مع العم شكري ملكي خلو (أبو كبرو)، فتم استقدام ماكنة ثانية نُصبت أمام دكان العم صليبا الصولكرين، الذي كان محله شاهداً على دخول أولى أجهزة الراديو إلى المدينة في الخمسينيات.
جغرافيا الدكاكين وحكايات الشوارع
تنقّلت ماكنتنا بين زوايا المدينة؛ فاستقرت ردحاً من الزمن أمام دكان السيد غانم بدرية طوبية (أبو جاك)، الذي كان مقصداً لبيع المشروبات. لاحقاً، تملّك والدي "فروغية" ذلك الدكان بالشراكة مع السيد جوزيف بطرس بيكندي، ووالده أبو جميل.
قبل ذلك الاستقرار، كان والدي يشارك العم عيسى مراد بسي (أبو مراد) في دكان لبيع البصل والثوم، يقع ضمن عقارات السيد عيسى شيرينة. كان ذلك الشارع ينبض بالحياة؛ ففيه مقهى السيد اسحق عيدو، وبيت "أبو سمعان" حيث كانت زوجته "سفره" تملأ الحي برائحة الخبز الطازج من تنورها الواقف بباب دارهم. كان ابنها ماجد زميلاً للزمن، غدا لاحقاً مديراً لدار المعلمين بالحسكة حين كنت طالباً فيها.
مأساة ووفاء: رحيل جوزيف وبداية عهد جديد
لم تخلُ الرحلة من الآلام؛ فقد فُجعت المدينة باختفاء السيد جوزيف بطرس بيكندي في ظروف يكتنفها الغموض والقسوة. ترددت الأنباء حينها عن اختطافه واقتياده إلى قرية حدودية قرب نهر دجلة، حيث ذاق مرارة التعذيب حتى فارق الحياة. بقيت تلك الجريمة جرحاً نازفاً في ذاكرة ديريك، غاب فاعلوها عن يد العدالة لكن ذكراهم لم تغب عن الوجدان.
في أعقاب تلك الفاجعة، عرض العم عيسى مراد بسي على والدي أن يحلّ مكانه في حصة المرحوم جوزيف، فالتقت إرادتهما مجدداً في عام 1965. كانت تلك الأيام "ذهبية"؛ إذ لم تكن البرادات قد غزت البيوت بعد، فكانت ماكنة الغاروز وقطع "البوز" هي الملاذ الوحيد لتبريد القلوب في هجير الصيف.
صناعة الفرح: كيف كنا نصنع "الخرط"؟
خلف تلك المشروبات الملونة، كانت هناك أيدٍ حانية تعمل؛ فوالدتي "حانة" كانت "المهندسة" الحقيقية لهذا المذاق. كنا نبتاع صبغة الألوان من العم حنا حنا (أبو اسكندر) في القامشلي، وهو قريب لعائلة زوجتي سميرة.
كان البيت يتحول إلى مختبرٍ للجمال؛ تمزج والدتي البودرة بالماء والسكر، وتضيف "الأسانس" لتثبيت النكهة. أما "الخرط"، فكان يتطلب جهداً بدنياً؛ نضع قالب الثلج في خراطة حديدية، نبشره حتى يمتلئ القدح بـ"ثلج ناعم"، ثم نسكب عليه الأصباغ الزاهية من أحمر وأصفر وأخضر وقرمزي. أما "السيفون"، فكان يُصنع بضغط الغاز عبر الماكنة، ويُعبأ في قناني زجاجية تُبرد في صناديق خشبية محشوة بالثلج.
رحلة الشقاء من المعمل إلى الكتف
كنا نقطع الطريق إلى معمل "أبو أحمد" عند "عين العسكرية"، الموقع الذي أسسه الفرنسيون. كنا، أنا وأخي الياس والعاملان إبراهيم ابن باهي وابن بلقو، نحمل قوالب البوز على أكتافنا، نلفها بأكياس الخيش لنحمي جلودنا من "لسعة الجليد". وفي أيام القيظ، كنا نستورد الثلج من القامشلي عبر "بوسطة" العم جورج رزقو أو سيارات الأجرة. كانت تلك الرحلات مقامرة مع الزمن؛ فكثيراً ما كانت الشمس تسبقنا، فتذوب الأرباح وتتحول قوالب الثلج إلى ماءٍ يسيل على طرقات السفر.
فصلُ الختام: بين نبل الأب وجور القربى
بمرور الأيام، آلت الشراكة في الدكان وماكنة الغاروز إلى والدي وشقيقه العم حنا. ومع الأسف، حصل ما لم يكن متوقعاً؛ فقد تعرّض والدي لعملية تحايلٍ من قِبل ابن عمي (ع. ح)، الذي دأب على إيهام والدي بوجود ديونٍ مستحقّة لأشخاصٍ وهميين، وكان يفرض على والدي دفع سلفٍ مالية لتغطيتها. والحقيقة المُرّة هي أنّ تلك الأموال لم تكن لأغراب، بل كانت من مال العم حنا نفسه، في خطةٍ استهدفت إثقال كاهل والدي بالالتزامات المالية.
وأمام تراكم هذه الديون المفتعلة، وجد والدي نفسه مضطراً لبيع حصته لأخيه مقابل سداد تلك السلف. وما يدمي القلب، هو أنّني كنتُ قد عرضتُ على والدي مسبقاً أن أشتري حصة عمي حنا بمالي الخاص، إلا أنّ والدي، بروحه الأبوية العالية، رفض ذلك بشدّة. لقد كان يقول لي إنّ عائلتي ومستقبلي هما الأَوْلى بذلك المال، مفضلاً أن أحافظ على مدخراتي التي خصصتها لـ "جمعية المعلمين" لبناء شقة سكنية، على أن يغامر بها في تجارةٍ نخرت فيها المكائد. آثر والدي خسارة عمله وعرق جبينه، على أن يمسّ أماني أبنائه.
وبهذا السيناريو القاسي، انطوت صفحة عملنا في ماكنة الغاروز وبيع البوز في ديريك إلى الأبد. انتقل والدي ليفتح دكاناً صغيراً في بيته في "حارة موتور الماء" (حارة كنيسة ماردوو). رحل الدكان، وبقيت ذكرى الأب الشهم الذي قدّم استقراره المهني قرباناً لاستقرار أبنائه، لتبقى قصته صفحةً مضيئة في تاريخ المدينة رغم عتمة الغدر وشجون الرحيل.
تم دمج كافة التفاصيل بدقة. هل ترغب في إضافة أي تفاصيل أخرى عن حارة "كنيسة ماردوو" أو دكان البيت الأخير لتكملة المشهد؟
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس