عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 06:18 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,907
افتراضي ملحمة النَّقَبات: حين تطوعت الجدران لحماية آزخ بقلم: فؤاد زاديكي (شاعر وباحث ومؤرخ)

ملحمة النَّقَبات:
حين تطوعت الجدران لحماية آزخ

بقلم: فؤاد زاديكي (شاعر وباحث ومؤرخ)

لم يكن أهالي "آزخ" بَراهمةً في العلوم العسكرية، ولا خرّيجي أكاديميات الحرب الاستراتيجية، لكنهم كانوا أبناء الأرض الذين فقهوا مبكرًا أنَّ "الحاجة أمّ الاختراع". ومن قلب الحصار والمحن، انبثق منطقهم السليم لمواجهة الضرورات المُلِحّة، مدفوعين بغريزة البقاء المقدسة، فالمسألة لم تكن مجرد مواجهة عابرة، بل كانت صراعًا وجوديًا يحسمه خياران لا ثالث لهما: إمّا الاستسلام المُذلّ والفناء، أو الذود عن العِرض والأرض في ملحمة يفرضها الحق المشروع وتوجبها نواميس الشرف.
تجمعت الغيوم السوداء فوق أفق البلدة حين أحكم "عمر ناجي بك" العثماني حصاره، مدعومًا بحشود غفيرة من العشائر الكردية التي تقاطرت من كل حدب وصوب، تملؤهم رغبة عارمة في الانتقام من شعبٍ آمنٍ مسالم. في تلك اللحظات المصيرية، لم تجد آزخ مفرًا من إعلان المقاومة؛ دفاعًا عن إرث الآباء، وقدسية الأديرة والكنائس، وعن تلك القبور الصامتة التي تنطق بعمق تجذرهم في هذا التراب التاريخي.
اجتمع عقلاء البلدة، شيوخها، حكماؤها، ورجال دينها، وانضم إليهم كل مَن يحمل في عقله قبسًا من فكرة أو مقترحًا ينير عتمة تلك الظروف الحوالك. كانت الأفكار تتلاطم في أروقة الاجتماعات، والهدف واحد: إيجاد ثغرة في جدار الموت المحيط بهم، وابتكار وسيلة تدرأ عن البلدة شبح الإبادة.
تعددت الآراء وتباينت، وكان الهاجس الأكبر يكمن في "الحركة الخفية". كيف يمكن للمقاتلين المدافعين الانتقال بين المواقع داخل السور دون أن ترصدهم عيون الرقباء والمتربصين؟ إنَّ إدارة عمليات الدفاع والهجوم تتطلب مرونة عالية في التنقل، ناهيك عن "خطوط الإمداد" التي كانت شريان الحياة؛ حيث كانت النسوة يحملن الطعام والشراب والذخيرة (الفشك المصنّع محليًا لبواريد الدكّ). كان أي تحرك مكشوف يعني الاستهداف المباشر والموت السهل برصاص العدو المترصد.
وفي تلك اللحظة الفارقة، ومن وحي العبقرية الشعبية، برزت فكرة مذهلة لم تخطر ببال أحد، كانت بمثابة "بنات أفكار" يوسف الخوري. اقترح يوسف شق "نَقَبات" أو فتحات سرية تصل بين البيوت من الداخل. وبما أن بيوت القرية كانت متلاصقة بطبيعتها المعمارية، فقد بدأ العمل فورًا على تحويل جدران السكن إلى ممرات للعبور، وحتى تلك البيوت المنفصلة لم تنجُ من عبقرية الربط، إذ تم وصلها بجاراتها عبر تلك الفتحات المبتكرة.
استحالت آزخ بفعل هذه النَّقَبات إلى خلية نحل تعمل تحت الأرض وفي أحشاء الجدران، بعيدًا عن أنظار الغزاة. غدت الحركة خفية، والتنقل آمنًا، والضربات مباغتة. لقد أثبتت هذه الفكرة جدواها الفائقة وقلبت موازين المواجهة، محولةً البيوت من مجرد جدران صماء إلى حصن استراتيجي متكامل.
هكذا، بمداد من الحكمة والدماء، سطر أبطال آزخ من رجال ونساء، فتيان وفتيات، ملحمة بطولية يخلدها التاريخ، مبرهنين على أنَّ إرادة الشعوب حين تتسلح بالمنطق والإيمان، تصنع من الجدران الصماء دروبًا نحو النصر والخلود.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس