مَلْحَمَةُ آزَخ البطولية في أيَّامِ السَّيفو (حِصَارُ قُوَّاتِ عُمَرَ نَاجِي بَكْ وَ
مَلْحَمَةُ آزَخ البطولية في أيَّامِ السَّيفو
(حِصَارُ قُوَّاتِ عُمَرَ نَاجِي بَكْ وَالعَشَائِرِ الكُرديَّةِ لِآزَخ)
(٥)
بقلم: فؤاد زاديكي
❖ الوَابِلُ قَبلَ العَاصِفَة
كانَ العالَمُ يَترنَّحُ تحتَ وطأةِ حربٍ لم يشهدِ التاريخُ لها مثيلًا، وكانَت الدَّولةُ العثمانيَّةُ تخوضُ صراعَها الأخير في ميادينَ متعدِّدة، فيما كانَت مناطقُ شاسعةٌ من الأناضولِ وبلادِ ما بينَ النَّهرَين تُوقِدُ نيرانَها بدمِ الأبرياء. في تلكَ الأزمنةِ العاصفة، التي خلَّفَتها رياحُ الحربِ العالميَّةِ الأولى مُثقَلةً بالدُّخانِ والثُّكل، كانَت أحداثٌ مأساويَّةٌ تتكشَّفُ بصمتٍ مُرعِب، أحداثٌ ارتبطَت بما باتَ التاريخُ يُسمِّيهِ الإبادةَ الجماعيَّةَ للأرمن، تلكَ الجريمةُ الكبرى التي لم تقتصرْ آثارُها على شعبٍ بعينِه، بل امتدَّت أذرعُها الحديديَّةُ لتطالَ الجماعاتِ المسيحيَّةَ الأخرى من سريانٍ وآشوريِّينَ وكلدانٍ ويونانيِّين. وفي الذاكرةِ السريانيَّةِ الجمعيَّة، باتَتْ تلكَ الفجيعةُ تُعرَفُ باسمٍ واحدٍ أشدِّ وقعًا من الرَّصاص: السَّيفو.
وفي خضمِّ تلكَ المرحلةِ الدَّاميةِ المضطربة، كانَت تنبضُ على ربوةٍ هادئةٍ في قلبِ منطقةِ طور عبدين بلدةٌ صغيرةٌ تُدعى آزَخ، تجمعُ بين جنباتِها المسيحيِّينَ من أبناءِ الكنيسةِ السريانيَّةِ الأرثوذكسيَّة. كانَت آزخُ حتى الأمسِ القريبِ بلدةً يسودُها الهدوءُ النِّسبيُّ، يَغشاها في المساءاتِ أزيزُ الريحِ وترتيلُ الأجراس. غيرَ أنَّ رياحَ العُنفِ الهاجمةَ من كلِّ جانبٍ لم تُبقِ على موضعٍ آمنٍ في تلكَ الأنحاء.
❖ سَفينةُ نوحٍ في مَرَامِيَ النَّار
مَعَ انتشارِ أخبارِ المجازرِ في القُرى والبلداتِ المجاورة، كالنَّارِ في الهشيم، بدأَ الناجونَ يتوافدونَ على آزخ من كلِّ حدبٍ وصوب، يجرُّونَ معَهم ما تبقَّى من أرواحِهم وذِكرياتِهم الممزَّقة. كانوا يأتونَ خِفيةً في جُنحِ الظَّلام، والأطفالُ على الأكتافِ والنِّساءُ يتَّكئنَ على حوافِّ الطُّرقِ الصَّخرية، والرِّجالُ يتقدَّمونَ بعيونٍ تُعلِنُ ما عجزَت عنهُ الألسُن. جاءَ إليها رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ من قُرىً شتَّى، ومن بينِهم عائلاتٌ أرمنيَّةٌ هاربةٌ من بطشِ القتلِ والتَّرحيل، تحملُ كُلُّ واحدةٍ منهم حِكايةً موجعةً تُروى بالصَّمتِ لا بالكلام. حتَّى باتَت آزخُ الصَّغيرةُ تبدو وكأنَّها سفينةُ نوحٍ ترسو على جُرفٍ من الخوف، وقد احتضنَت في أحشائِها كُلَّ من نجا من طوفانِ الدَّم.
ولم يكُن أهلُ آزخ ليقفوا مُكتوفي الأيدي أمامَ تلكَ الجموعِ المكلومة. استقبلوا الوافدينَ بما استطاعوا من رحابةِ الصَّدرِ وضيقِ الإمكان، وَزَّعوا الرُّغفانَ وأعدُّوا الملاجئَ بين الكنائسِ والدُّورِ والحظائر. كانَت الغُرَفُ الضَّيِّقةُ تستوعبُ ما لا تُطيقُه، وكانَ الهواءُ نفسُه يضيقُ بأنفاسِ الهلعِ والمجهول. وبينما كانَت النِّساءُ يُعِدْنَ ما أمكنَ من المؤنِ ويتشاورنَ بأصواتٍ خافتةٍ مُكتنزةٍ بالقَلق، كانَ الرِّجالُ يُبادِرونَ إلى تحصينِ البلدةِ التي أصبحَت مدينةً مُكتَظَّةً بالمُنتظِرين.
❖ تَحصينُ البَلدةِ وَإِعدادُ صَمودِهَا
أدرَكَ أهلُ آزخ مُبكِّرًا أنَّ البلدةَ لا محالةَ ستكونُ هدفًا للهُجوم. فما إن تهامَسَت القلوبُ بالخوفِ حتَّى سارعَت الأيدي إلى العمل. شُيِّدَ سورٌ دفاعيٌّ يُحيطُ بالبلدة، واضطلعَ كلُّ فردٍ قادرٍ بدورٍ في منظومةِ الحماية، حتَّى بدَت البلدةُ وهيَ تتحصَّنُ كحيٍّ واحدٍ من الروحِ والإرادة. جرى توزيعُ الرِّجالِ على نقاطِ المراقبةِ والأبراجِ المُستحدثة، وكُلِّفَ الشَّبابُ بالتَّناوبِ على الحراسةِ ليلًا ونهارًا. ولم تكُنِ النِّساءُ مجرَّدَ مُتفرِّجات، إذ أبَت عليهنَّ الشَّيمةُ أن يظللنَ في الظِّل، فانخرطنَ في الاستعداداتِ انخراطًا عمليًّا حقيقيًّا، يجمعنَ المؤونَ ويُهيِّئنَ أدواتِ الإسعافِ ويُخبِّئنَ الماءَ في الجِرارِ الفخاريَّة، بينما كانَ الفِتيانُ يقفونَ بصُدورٍ ناتئةٍ إلى جانبِ آبائِهم على الأسوار.
تحوَّلَت البلدةُ كلُّها إلى مجتمعٍ مُتَماسكٍ يستعدُّ لامتحانٍ مصيريٍّ لا يحتملُ الأخطاء. كانَ المطرانُ يُديرُ جلساتِ التَّشاورِ في دَيوانِه، وكانَ القُسُوسُ يترَدَّدونَ بين الكنيسةِ وزوايا الحارات، يُقوُّونَ العزائمَ ويُعيدونَ إلى الأرواحِ ما أبتَرَهُ الخوف. لم يكُن ثمَّةَ فردٌ بلا دور، ولا ركنٌ في البلدةِ بلا وظيفة. كانَت آزخُ كلُّها قد صارَت قلباً واحداً ينبض.
❖ وَفدُ المُفاوَضَةِ وَأحمدُ نَازو
قبلَ أن يشتدَّ الحصارُ ويضيقَ الخِناقُ، جرَت محاولةٌ للتَّفاوضِ سعَت إليها الحكمةُ لعلَّها تُجنِّبُ الدِّماءَ ما يمكنُ تجنُّبُه. فقد وصلَ إلى البلدةِ وفدٌ يضمُّ عددًا من الوجهاء، في مقدِّمتِهم المالكُ المعروفُ گبرو خَدَّو، ذلكَ الرَّجلُ الذي امتدَّت ملكيَّتُه على عدَّةِ قُرىً في المنطقة، ومعَه القسُّ يوسف لحدو مراد، المعروفُ في تلكَ الرِّبوعِ بيوسف حدو ستُّو، كاهنُ دَيرِ مارِ بهنامَ في جزيرةِ ابنِ عُمَر وراعي السِّريانِ الأرثوذكسِ فيها، ومعاونُ مطرانِ آزخ والجزيرةِ مارِ يوليوسَ بهنام عَقراوي.
كانَ على رأسِ الوفدِ الضَّابطُ أحمدُ نازو، مبعوثُ القائدِ العسكريِّ العثمانيِّ عُمَرَ ناجي بك. جلسَ الرِّجالُ في مجلسِ التَّفاوضِ وهمُ يُدركونَ أنَّ الكلماتِ وحدَها لا تصدَّ الجيوش، غيرَ أنَّهم حاوَلوا. غيرَ أنَّ تلكَ المفاوضاتِ لم تُسفِر عن نتيجةٍ تُذكَر، إذ سرعانَ ما تبيَّنَ للجميعِ أنَّ التَّوتُّرَ قد تجاوزَ مرحلةَ الحلولِ السِّلمية، وأنَّ القرارَ الأكبرَ لم يكُن في يدِ أحدٍ من الحاضرين.
❖ في ظلالِ السِّياسَةِ الكُبرى
كانَت الحكومةُ العثمانيَّةُ قد أصدرَت في عامِ ألفٍ وتسعَمِائةٍ وخمسةَ عشرَ ذلكَ القانونَ المشؤومَ المعروفَ بقانونِ التَّهجيرِ العثمانيّ، ذلكَ القرارُ الذي غدا صكَّ موتٍ بحقِّ جماعاتٍ بأكملِها كانَت تسكُنُ الأرضَ منذُ فجرِ التَّاريخ. وكانَت تلكَ السِّياساتُ الإجراميَّةُ مرتبطةً بأسماءٍ باتَت تحفُرُها ذاكرةُ الضَّحايا في صخرةِ الوجدان: طلعتُ باشا وزيرُ الدَّاخليَّة، وأنورُ باشا وزيرُ الحربيَّة، وجمالُ باشا قائدُ الجيشِ الرَّابع، ثلاثةٌ باتَ التَّاريخُ يُحاسِبُهم بما لم تُحاسِبْهم به المحاكم.
وعلى جبهةِ القوقاز، كانَت حملةُ الجيشِ العثمانيِّ الضَّاريةُ ضدَّ الإمبراطوريَّةِ الرُّوسيَّةِ قد انتهَت بكارثةِ ساريقاميشَ أواخرَ عامِ ألفٍ وتسعَمِائةٍ وأربعةَ عشرَ ومطلعَ العامِ الذي تَلَاه، حينَ حاوَل أنورُ باشا أن يُلقيَ بثِقَلِه على القواتِ الرُّوسيَّة، فرُدَّ على أعقابِه خائبًا محطَّمًا، والثَّلجُ يَبتلعُ جثثَ جُنودِه. وكانَ ثمنُ تلكَ الهزيمةِ المُذِلَّةِ أن وقعَ على كاهلِ المسيحيِّينَ البُسطاءِ في تلكَ المناطق، حيثُ غدا التَّنكيلُ بهمُ ستارًا يُخفي عارَ الفشلِ العسكريّ.
❖ عُمَرُ ناجِي بَكْ يُشِيحُ نحوَ آزَخ
وَصَلَت آزخُ أخبارٌ عن تحرُّكاتِ القائدِ العسكريِّ العثمانيِّ عُمَرَ ناجي بك. كانَ الرَّجلُ قادمًا من جهةِ جزيرةِ بنِ عُمَر بواسطة كَلَكات خشبيّة نقلت الجنود والعِتاد من الجزيرة آلى ناحية آزخ، بعدَ أن حرَّضَت بعضُ العشائرِ الكُرديَّةِ القيادةَ العسكريَّةَ عليه، مُدَّعيةً أنَّ آزخ بلدةٌ خارجةٌ على القانون، بلدةٌ تأوي المتمرِّدينَ والفارِّينَ وأعداءَ الدَّولة. وكانَت تلكَ الاتِّهاماتُ الواهيةُ تجدُ آذانًا صاغيةً في وقتٍ كانَت فيهِ الدَّولةُ تبحثُ عن أعداءٍ لتُحمِّلَهم وِزرَ إخفاقاتِها.
نقلَت القواتُ التُّركيَّةُ جُنودَها وعتادَها عبرَ نهرِ دِجلةَ الأبديِّ باستخدامِ الكَلَكاتِ الخشبيَّة، تلكَ القواربُ التَّقليديَّةُ، التي ظلَّت قُرونًا تجوبُ مياهَ النَّهرِ في مهامِّ السِّلمِ والحرب. كانَ المشهدُ كئيبًا: جنودٌ بملابسَ الحربِ يُعبِرونَ نهرًا عرَّفَتْهُ الحضاراتُ ملاذًا للحياةِ لا ممرًّا للموت. وما إن وطأَت أقدامُهم تُرابَ تخومِ البلدةِ حتَّى نُصِبَت خيمةُ القائدِ وشرعَ الجيشُ في بناءِ معسكرِه.
❖ مَجلسُ الدِّيوانِ وقرارُ المُواجَهة
لمَّا بلغَ الخبرُ أهالي آزخ وتأكَّدَ ما كانوا يخشَونَه، ساءَ القلقُ وتصاعدَ، لكنَّ صاحبَ المروءةِ لا يُسلِمُ زمامَه للهلع. عُقِدَ على الفَور اجتماعٌ عاجلٌ في دَيوانِ المطران، ذلكَ الفضاءِ الرَّحيبِ الذي كانَ يشهدُ في أوقاتِ السَّلمِ مُناسباتِ الأفراحِ والأعياد، فصارَ يومَئذٍ مجلسَ مصيرٍ لا مجلسَ احتفاء.
تجمَّعَ في ذلكَ الدِّيوانِ عددٌ من الشَّخصيَّاتِ الدِّينيَّةِ والاجتماعيَّةِ البارزة: المطرانُ بهنامُ عقراوي بِهيبتِه وحنكتِه، والقسُّ صاموئيلُ مَكو المعروفُ بقسِّ سومي ذو الكلمةِ المسموعة، والقسُّ عيسى بنُ القسِّ إيشوع، والأسقفُ حنا إيليا الذي حملَ كثيرًا من أعباءِ الرَّعيَّة على كاهليه، إضافةً إلى عددٍ من وجهاءِ البلدةِ ممَّن عُرِفوا بالرَّأيِ والشَّجاعة: ببُّو اسطيفو وإيشوعُ حنَّا گبري ويوسفُ الخوري وأوسي گوريَّة وسواهُم. كانَت الأصواتُ تتشاركُ في حُجرةٍ يُثقِلُها الهمُّ وتُنيرُها العزيمة.
خرجَ الاجتماعُ بقناعةٍ واحدةٍ راسخة: الدِّفاعُ عن البلدةِ حتَّى آخرِ رمقٍ إن لم يُفضِ الحوارُ إلى سلامة. لم يكُن أحدٌ في ذلكَ الدِّيوانِ يبحثُ عن حربٍ، بل كانوا يبحثونَ عن حياةٍ لأسرِهم وأطفالِهم وضيوفِهم الذينَ لجأوا إليهم، وكانوا مُستعدِّينَ لدفعِ ثمنِ تلكَ الحياةِ بكلِّ ما يَملكون.
❖ الجيشُ المُحيطُ: أعدادٌ وعَشائر
اختلفَت الرِّواياتُ حولَ حجمِ القواتِ التي جلبَها عمرُ ناجي بك إلى تخومِ آزَخ اختلافًا يكشُفُ بحدِّ ذاتِه هولَ المشهدِ في مُخيِّلةِ من عايشوه. فبعضُ المصادرِ يُحدِّدُ عدَدَ الجنودِ النِّظاميِّينَ بثمانيةِ آلافٍ، بينَما ترفعُه رواياتٌ أخرى إلى عشرينَ ألفًا. وبصرفِ النَّظرِ عن الرَّقمِ الدَّقيق، فإنَّ ما يتَّفقُ عليهِ الجميعُ هو أنَّ الحشدَ كانَ هائلًا لا تُجابَه بمثلِه بلدةٌ صغيرة.
إلى جانبِ الجنودِ النِّظاميِّين، استدعى القائدُ العسكريُّ حشودًا من مقاتلي العشائرِ الكُرديَّة، عشائرَ كانَت طالَما تتوقُ إلى ذريعةٍ للانقضاضِ على البلداتِ المسيحيَّة. جاءَت عشيرةُ چيلكا وعشيرةُ أومريان ومحلميَّةُ ودومانيَّة، وانضمَّ إليهم مقاتلونَ من تُركمانِ تلِّ عفَّار وأكرادِ جبلِ سنجارَ ونصيبين وغيرِها من الأنحاء. قدَّرَت بعضُ الرِّواياتِ مجموعَ أولئكَ المقاتلينَ من العشائرِ بعشراتِ الآلاف، وكانَ لكلٍّ منهم ثأرٌ يزعُمُه أو طمعٌ يأملُ تحقيقَه أو أمرٌ وَجَبَت طاعتُه.
وفي طريقِ تلكَ القُوَّاتِ المُهوِّلةِ نحوَ آزَخ، لم تَسلَم قُرىً مسيحيَّةٌ عديدةٌ مِن السَّيفِ والنَّار. هُدِّمَت البيوتُ وأُحرِقَت أمامَ أعينِ أصحابِها قبلَ أن يُمنَحوا فُرصةَ البكاءِ عليها، وتفرَّقَ سكَّانُها في مجاهلِ الجبالِ والوديانِ باحثينَ عن ملجأٍ في كنفِ اللَّيل. وكانَ مقصدُهم الأكبرُ في نهايةِ المطافِ آزَخ، تلكَ البلدةُ الصَّغيرةُ التي باتَت في مُخيِّلتِهم القلعةَ الأخيرةَ وملجأَ الملاجئ.
❖ حارةُ الكُولِ وَالقرارُ الأليم
ومع تزايدِ عددِ اللاَّجئينَ داخلَ البلدة، وتكاثُفِ المعلوماتِ عن قُربِ الهُجوم، اتَّخذَ أهلُ آزخ قرارًا صعبًا عصيَّ التَّبريرِ لمن لم يعِشِ الموقفَ بكلِّ تفاصيلِه الموجِعة. أجمعوا على إخلاءِ حارةِ الكُولِ الواقعةِ في جنوبِ البلدةِ وإحراقِ بيوتِها بأيديهم أنفُسِهم، وذلكَ لتقليصِ المساحةِ التي يتوجَّبُ الدِّفاعُ عنها وتضييقِ المنافذِ، التي قد يتسلَّلُ منها العدوُّ إلى قلبِ الأسوار.
وافقَ ساكنو الحارةِ على هذا القرارِ بروحٍ عاليةٍ من المسؤوليَّةِ جعلَت من يرويها لا يُصدِّقُ ما يرويه. كانَت نارُ الحرقِ تلتهمُ بيوتَهم وهم يقفونَ ينظُرونَ، ولكَم كانَ في تلكَ العيونِ من دموعٍ حُبِسَت احترامًا للموقف. حملوا ما استطاعوا حملَه، وتركوا ما تعلَّقَت به أرواحُهم طويلًا، وانسحبوا إلى أحضانِ بقيَّةِ البلدة. كانَ ذلكَ قرارًا جريحًا لكنَّه كانَ خطوةً عسكريَّةً مدروسةً تهدفُ إلى حمايةِ بقيَّةِ آزَخ بثمنِ ما يؤلِم.
❖ الرِّسالةُ إلى القائدِ العثمانيّ
رغمَ التَّوتُّرِ المُتصاعدِ الذي كانَ يُهدِّدُ بأن يتحوَّلَ من جمرٍ خامدٍ إلى حريقٍ مُستعِر، حاوَل أهلُ آزخ مرَّةً أخرى أن يُجرِّبوا سبيلَ الكلمةِ قبلَ أن يُجرِّبوا سبيلَ السِّلاح. اجتمعَ المتعلِّمونَ وعلى رأسِهم يوسفُ الخوري لصياغةِ رسالةٍ إلى القائدِ العثمانيِّ باللُّغةِ التُّركيَّة، رسالةٍ يؤكِّدُ فيها الأهلُ أنَّهم أُناسٌ مُسالمونَ لم يَعتَدوا على أحدٍ في يومٍ من الأيَّام، وأنَّ كُلَّ ما يَطمَحونَ إليهِ هو العيشُ بسلامٍ مع القُرى المجاورةِ معَ بقائِهم في طاعةِ الدَّولة.
سُطِّرَت الرِّسالةُ بعنايةٍ، وطُوِيَت بأملٍ كأنَّ الورقَ الرَّفيعَ يستطيعُ وحدَه أن يحملَ حياةَ بلدةٍ بأكملِها. لكَّنَ السُّؤالَ الذي بقِيَ يُحيِّرُ المجتمعين: مَن الذي سيتجرَّأُ على حملِ هذهِ الرِّسالةِ إلى معسكرٍ لا يدري المرءُ كيفَ يُستقبَلُ فيه؟
❖ گورگيسُ كِتِي: الشَّاهدُ الأوَّلُ والشَّهيدُ الأوَّل
عندَها تطوَّعَ رجلٌ مسنٌّ من أبناءِ قريةِ بابقة يُدعى گورگيسُ كِتي. كانَ الرَّجلُ قد أكَلَ الدَّهرَ من عُمُرِه ما يكفيه، وتجعَّدَ وجهُه بما يكفي من دروسِ الأيَّام. وقفَ بينَ الحاضرينَ ودَّعَهم بكلماتٍ قليلةٍ كانَ لها ثقلُ الحجر: قالَ إنَّه قد بلغَ من العُمُرِ ما يكفي، وأنَّه إن عادَ سالمًا فذلكَ فضلٌ من الله، وإن لم يَعُدْ فلا أسفَ على حياةٍ عاشَ منها ما يَكفيه. ثُمَّ انطلقَ حاملًا الرِّسالةَ، متوكِّلًا على اللهِ في كُلِّ خُطوة.
لكنَّ القدَرَ كانَ يخبِّئُ له نهايةً لم يكُن لها في الإرادةِ البشريَّةِ مكان. فعندَ وصولِه إلى موضعٍ يُعرَفُ ببئرِ الصِّيرة، اعترضَ طريقَه ثلاثةُ رجالٍ من قريةِ أوصر ولا يُقالُ بعدَها إنَّ الموتَ يستأذِن. قتلوه قبلَ أن تَصِلَ الرِّسالةُ إلى يَدٍ تقرؤُها، وقيلَ إنَّ من نفَّذَ الجريمةَ كانَ شخصًا اسمُهُ چاچانُ من أوصر وشخصٌ ثانٍ من قريةِ الصَّنانيَّةِ وثالثٌ جِزروكيٌّ من جزيرةِ بنِ عُمَر. هكذا سقطَ أوَّلُ شهداءِ حصارِ آزخ قبلَ أن تُطلَقَ رصاصةٌ واحدة، وقبلَ أن تبدأَ المعركةُ رسميًّا بيومٍ أو يومَين.
بلغَ خبرُ استشهادِه إلى البلدة، فأطبقَ الحزنُ على القلوبِ ولكنَّه لم يقتلُ الرُّوحَ. صارَ اسمُ گورگيسَ كِتي المسنِّ البسيطِ يُتداوَلُ بينَ الأهالي كما تُتداوَلُ أسماءُ الأبطال، وكانَ في قصَّتِه ما يُعلِّمُ الأحياءَ معنى التَّضحيةِ بلا ادِّعاء.
❖ الساعةُ الخامسةُ من السَّادسِ من تشرين
ومعَ اقترابِ المساء، وتحديدًا في نحوِ الساعةِ الخامسةِ من يومِ السَّادسِ من تشرينَ الثَّاني عامَ ألفٍ وتسعَمِائةٍ وخمسةَ عشرَ، كما دوَّنَ الشَّماسُ جبرائيلُ توما هندو في مذكِّراتِه الثَّمينةِ التي عُنوانُها 'تاريخُ آزخ ومجازرُها وحروبُها'، رأى الأهالي من وراءِ أسوارِهم مشهدًا بالغَ الرَّهبةِ لم تتحمَّلْهُ بعضُ القلوبِ بلا ارتجاف: جموعُ الجنودِ تتقدَّمُ من جهةِ الجبلِ في سيلٍ بشريٍّ مُدجَّجٍ بالسِّلاح، يتبعُهم عددٌ هائلٌ من مقاتلي العشائرِ وكأنَّ الجبلَ نفسَه يتدحرجُ نحوَ البلدة.
كانَ المشهدُ مَهيبًا ومُخيفًا في آنٍ واحد. القوّاتُ كثيرةُ العددِ مسلَّحةٌ متهيِّئةٌ. أمَّا أهلُ آزخ، فبقوا داخلَ أسوارِهم، مُتماسكين، لا يُبادِرونَ بالهُجوم، متمسِّكينَ بالدِّفاعِ فحسب. كانَ القائدُ التُّركيُّ يتوقَّعُ أن يجدَ أمامَه بلدةً مُتعطِّشةً للدِّماءِ كما صوَّرَت له بعضُ العشائر، غيرَ أنَّ ما رآه كانَ مختلفًا تماماً: ناسٌ يُريدونَ البقاءَ لا الانتقام، ويَتمسَّكونَ بالحياةِ لا يتعجَّلونَ الموت.
❖ عَتَبةُ الملحمة
وهكذا آلَت الأمورُ وانتهَت المُقدِّماتُ، وبدأَت فصولُ واحدةٍ من أكثرِ صفحاتِ التَّاريخِ المحلِّيِّ إثارةً ودراما، حينَ وجدَت بلدةٌ صغيرةٌ نفسَها في مواجهةِ جيشٍ كبيرٍ وجرَّارٍ وعشائرَ متعدِّدةٍ همُّها الانتقام، في معركةٍ لم تكُن مجرَّدَ صراعٍ عسكريٍّ بينَ مدفعٍ وبارودة، بل صراعًا وجوديًّا من أجلِ البقاءِ والكرامةِ والحقِّ في الحياة.
ومِن تلكَ السَّاعةِ الخامسةِ الرَّهيبةِ من مساءِ يومِ السَّادسِ من تشرين، صارَت آزخُ مسرحًا لحصارٍ طويلٍ شاقٍّ تلاحقَت فصولُه كالموجِ المتعاقب، وكلُّ يومٍ منه كانَ يزيدُ في صرحِ الملحمةِ حجرًا فوقَ حجر. فمِن مفاوضاتٍ صعبةٍ إلى مُواجهاتٍ مُريرةٍ إلى معاركَ شرسةٍ سيظلُّ حديثُها حيَّاً ما بقيَت آزخُ اسمًا على لسان.
وما سيأتي بعدَ ذلكَ من أحداثٍ فإنّ التَّاريخَ سيكشفُ كيفَ تحوَّلَت آزخُ إلى رمزٍ للصُّمودِ في ذاكرةِ أهلِ المنطقة، قصَّةٌ عجيبةٌ ستتواصلُ فصولُها الدَّامية في الحلقةِ التَّالية، تاركةً الشَّاهدَ في صمتِه المَهيبِ على حافَّةِ ما جرى.
_____________
* القسُّ يوسف لحدو مراد (يوسف حدو ستُّو): كانَ كاهنًا لدَيرِ مارِ بهنامَ في جزيرةِ ابنِ عُمَر وراعيًا للسُّريانِ الأرثوذكسِ فيها، معاونًا وكيلًا لمطرانِ آزخ والجزيرةِ مارِ يوليوسَ بهنام عقراوي. تمَّ سجنُه في سجنِ خانَا دَڤِّهْ، وبعدَ ذلكَ اقتِيدَ مع عددٍ من رجالِ الدِّينِ ومسيحيِّينَ آخرينَ إلى مكانٍ يُدعى چَمَّ السُّوس (چَمِهْ سُوسْ)، حيثُ تمَّ إعدامُهم بوحشيَّةٍ بالغةٍ إذ أُطلِقَ عليهم الرَّصاصُ حتَّى الموت. وكانَ القتَلةُ يُجرُونَ اختباراتٍ بالغةَ الهمجيَّةِ ليَتأكَّدوا كَم من الأشخاصِ تستطيعُ الطَّلقاتُ اختراقَ أجسادِهم، فكانوا يُصِفُّونَهم الواحدَ خلفَ الآخرِ ويُطلِقونَ النَّارَ. وكانَ الشَّهيدُ هوَ والدُ أمِّ أبي فهيمة القسِّ يوسف حَدو سِتُّو من بيتِ إيليا، رحمةُ اللهِ عليه.
فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de
|