عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 09:31 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,907
افتراضي ملحمة آزخ البطولية في أيام السيفو (1915) – حصار قوات عمر ناجي بك والعشائر الكردية لآز

ملحمة آزخ البطولية في أيام السيفو (1915)

حصار قوات عمر ناجي بك والعشائر الكردية لآزخ
(5)

بقلم: فؤاد زاديكي

في تلك السنوات العصيبة التي شهدت اضطرابات كبرى في الدولة العثمانية خلال أتون الحرب العالمية الأولى، كانت مناطق واسعة من الأناضول وبلاد ما بين النهرين مسرحًا لأحداث مأساوية ارتبطت بما يُعرف تاريخيًا بـ الإبادة الجماعية للأرمن، وهي الأحداث التي امتدت آثارها لتشمل جماعات مسيحية أخرى من السريان والآشوريين والكلدان واليونان، فيما عُرف في الذاكرة السريانية باسم السيفو. وفي خضم تلك المرحلة المضطربة، برزت بلدة آزخ الصغيرة – الواقعة في منطقة طور عبدين – كرمز للمقاومة والصمود في وجه حصار طويل وقاسٍ.

كانت آزخ، قبل اندلاع تلك الأحداث، بلدة مسيحية عامرة بالحياة، يعيش أهلها في هدوء نسبي بين القرى المحيطة بهم. غير أن رياح العنف التي هبّت في عام 1915 لم تترك موضعًا آمنًا في تلك الأنحاء. فمع انتشار أخبار المجازر في القرى والبلدات المجاورة، أخذ الناجون يتوافدون إلى آزخ طلبًا للنجاة. جاء إليها رجال ونساء وأطفال من قرى شتى، ومن بينهم عائلات أرمنية هاربة من بطش القتل والترحيل، حتى بدت البلدة الصغيرة وكأنها ملاذ أخير للمستضعفين، أشبه بسفينة نوح التي احتضنت الناجين من الطوفان.

كان أهل آزخ يدركون أن البلدة قد تصبح هدفًا للهجوم، ولذلك سارعوا إلى تحصينها. شُيّد سور دفاعي يحيط بالبلدة، وجرى تنظيم الحراسة وتوزيع الرجال على نقاط المراقبة. ولم يكن الرجال وحدهم من استعدوا للدفاع؛ فقد شاركت النساء أيضًا في الاستعدادات، يجمعن المؤن، ويُعددن ما يلزم من أدوات الإسعاف، بينما كان الشباب والفتيان يقفون إلى جانب آبائهم في حراسة الأسوار. لقد تحولت البلدة كلها إلى مجتمع متماسك يستعد لامتحان مصيري.

وقبل أن يبدأ الحصار فعليًا، جرت محاولة للتفاوض مع السلطة العسكرية العثمانية. فقد وصل إلى البلدة وفد يضم عددًا من الوجهاء، وكان من بينهم المالك المعروف گبرو خّدو، الذي كان يملك عدة قرى في المنطقة. كما كان ضمن الوفد القس يوسف لحدو مراد المعروف بيوسف حدو ستّو*، وكان الوفد برئاسة الضابط أحمد نازو الذي جاء موفدًا من قبل القائد العسكري العثماني عمر ناجي بك. غير أن تلك المفاوضات لم تسفر عن نتيجة تُذكر، إذ سرعان ما تبيّن أن التوتر قد تجاوز مرحلة الحلول السلمية.

وفي تلك الأثناء، كانت الحكومة العثمانية قد أصدرت في عام 1915 ما عُرف باسم قانون التهجير العثماني 1915، وهو القرار الذي ارتبط بسياسة ترحيل الأرمن من مناطقهم. وقد ارتبطت تلك السياسات بأسماء عدد من قادة الحكومة آنذاك، وفي مقدمتهم طلعت باشا وزير الداخلية، وأنور باشا وزير الحربية، وجمال باشا قائد الجيش الرابع. ومع اتساع دائرة العنف، لم تعد الأحداث تقتصر على الأرمن وحدهم، بل امتدت آثارها إلى جماعات مسيحية أخرى في المنطقة.

أما آزخ، فقد أصبحت هدفًا للحصار بعدما انتشرت شكاوى واتهامات ضدها، إذ قيل إنها تؤوي “متمردين” وأرمنًا فارين من مناطق القتال، بل زُعم أنها تؤيد أعداء الدولة. وكانت تلك الاتهامات تُستغل في وقت كانت فيه الدولة العثمانية تخوض قتالًا شرسًا ضد الإمبراطورية الروسية على جبهة القوقاز ضمن حملة عسكرية واسعة عُرفت باسم حملة القوقاز. وقد بلغت تلك المواجهات ذروتها في معركة ساريقاميش أواخر عام 1914 وبداية عام 1915، عندما حاول الجيش العثماني بقيادة أنور باشا مهاجمة القوات الروسية، إلا أن الحملة انتهت بهزيمة قاسية بسبب البرد الشديد ونقص الإمدادات.

في ظل تلك الظروف المتوترة، وصل عمر ناجي بك إلى المنطقة قادمًا من جهة جزيرة بن عمر، بعد أن حرّضت بعض العشائر الكردية القيادة العسكرية عليه، مدعية أن آزخ بلدة خارجة عن القانون. وقد نقلت القوات التركية جنودها وعتادها عبر نهر دجلة باستخدام الكلكات الخشبية، وهي قوارب تقليدية كانت تُستعمل في النقل النهري. وما إن وصلت القوات إلى تخوم البلدة حتى نُصبت خيمة القائد وبدأت الاستعدادات لفرض الحصار.

عندما بلغ الخبر أهالي آزخ، ساد القلق في البلدة، لكنهم لم يفقدوا رباطة جأشهم. عُقد اجتماع عاجل في ديوان المطران ضم عددًا من الشخصيات الدينية والاجتماعية البارزة، من بينهم المطران بهنام عقراوي، والقس صاموئيل مكو المعروف بقس سومي، والقس عيسى بن القس إيشوع، والأسقف حنا إيليا، إلى جانب عدد من وجهاء البلدة مثل ببّو اسطيفو وإيشوع حنا گبرى ويوسف الخوري وأوسي گوريّة وغيرهم. وكان هدف الاجتماع وضع خطة للدفاع عن البلدة والاستعداد لمواجهة أي هجوم محتمل.

وقد اختلفت الروايات حول عدد القوات التي جلبها عمر ناجي بك؛ فبعض المصادر تذكر أنه جاء بثمانية آلاف جندي، بينما ترفعها روايات أخرى إلى عشرين ألفًا. وإلى جانب الجنود النظاميين، استدعى القائد العسكري عددًا كبيرًا من العشائر الكردية للمشاركة في الحصار، من بينها عشائر چيلكا وأومريان ومحلمية ودومانية، إضافة إلى مقاتلين من تركمان تل عفر وأكراد جبل سنجار ونصيبين وغيرهم. وقد قدّرت بعض الروايات عدد أولئك المقاتلين بعشرات الآلاف.

وفي طريق تلك القوات نحو آزخ، تعرضت قرى مسيحية عديدة للهجوم، فهُدمت البيوت وأُحرقت، وفرّ سكانها بحثًا عن ملجأ آمن، فكانت آزخ مقصدهم الأخير. ومع تزايد عدد اللاجئين داخل البلدة، أدرك أهلها أن الدفاع عنها لن يكون مهمة سهلة.

ومن أجل تقوية الدفاعات، اتخذ أهل البلدة قرارًا صعبًا تمثل في إخلاء حارة “الكول” الواقعة في جنوب البلدة وإحراق بيوتها، وقد وافق ساكنوها على هذا القرار بروح عالية من المسؤولية والتفهّم للوضع وذلك لتقليص المساحة التي يتوجّب الدفاع عنها داخل الأسوار. وقد بدا هذا القرار قاسيًا، لكنّه كان خطوة عسكرية مدروسة تهدف إلى حماية بقية البلدة.

ورغم التوتر المتصاعد، حاول أهل آزخ مرة أخرى تجنب المواجهة. فكتبوا رسالة إلى القائد العثماني يؤكدون فيها أنهم أناس مسالمون لم يعتدوا على أحد، وأنهم يريدون العيش بسلام مع القرى المجاورة مع بقائهم في طاعة الدولة. وقد ساعد يوسف الخوري وعدد من المتعلمين في صياغة الرسالة باللغة التركية.

وبقيت مسألة إيصال الرسالة إلى القائد. عندها تطوّع رجل مسن من أبناء البلدة يُدعى گورگيس كِتي، وكان من قرية بابقة، لحمل الرسالة. قال الرجل وهو يودّع أهل البلدة: لقد بلغت من العمر ما يكفي، فإن عدت سالمًا فذلك فضل من الله، وإن لم أعد فلا أسف على حياة عشت منها ما يكفيني. ثم انطلق حاملاً الرسالة، متوكلاً على الله.

لكنّ القدر كان يخبئ نهاية مأساوية لذلك الرجل الشجاع. فعند وصوله إلى موضع يُعرف ببئر الصيرة، اعترض طريقه ثلاثة رجال من أوصر وهي إحدى القرى المجاورة، فقتلوه قبل أن يبلغ وجهته. وهكذا سقط أول شهداء حصار آزخ قبل أن تبدأ المعركة. وقيل إنّ مَن قتله شخص يُدعى چاچان من أوصر وشخص ثانٍ من قرية الصنانية والثالث جزروكي من جزيرة بن عمر.

ومع اقتراب المساء، وفي نحو الساعة الخامسة من يوم السادس من تشرين الثاني عام 1915، كما دوّن الشماس جبرائيل توما هندو في مذكراته المعروفة بعنوان “تاريخ آزخ ومجازرها وحروبها” مشهد وصول الجيش. فقد رأى الأهالي من بعيد جموع الجنود تتقدّم من جهة الجبل، يتبعهم عدد هائل من مقاتلي العشائر. كان المشهد مهيبًا ومخيفًا في آن واحد, فالقوات كانت كثيرة العدد، مسلحة، ومتهيئة للهجوم.

كان القائد التركي يتوقّع أن يندفع أهل آزخ إلى مهاجمة جيشه بدافع الغضب أو اليأس، لكونها بلدة متعطّشة للدماء, كما صوّرت له بعض العشائر. غير أنّ ما رآه كان مختلفًا تمامًا. فقد بقي أهل البلدة داخل أسوارهم، متمسّكين بالدفاع فقط، بينما كانوا لا يزالون يأملون في تجنّب سفك الدماء.

وهكذا بدأت فصول واحدة من أكثر صفحات التاريخ المحلّي إثارة ودرامية، حين وجدت بلدة صغيرة نفسها في مواجهة جيش كبير وجرّار وعشائر متعددة همّها الانتقام، في معركة لم تكن مجرّد صراع عسكري، بل صراعًا من أجل البقاء والكرامة.

وما سيأتي بعد ذلك من أحداث – من مفاوضات ومواجهات ومعارك طويلة – سيكشف كيف تحولت آزخ إلى رمز للصمود في ذاكرة أهل المنطقة، وهي قصة ستتواصل فصولها في الحلقة التالية.
----------
* - القس يوسف كان كاهنًا لدير مار بهنام في جزيرة ابن عمر وراعي السريان الأرثوذكس فيها, معاونًا لمطران آزخ والجزيرة مار يوليوس بنهام عقراوي, تم سجنه في سجن خانَا دَڤِّهْ وبعد ذلك اقتيد مع عدد من رجال الدين ومسيحيين آخرين إلى مكان يُدعى چَمّ السّوس (چَمِهْ سُوسْ) وهناك تمّ إعدامهم بوحشية وذلك بإطلاق الرّصاص عليهم حتى الموت, وكان يتمّ إجراء اختبارات عليهم ليتأكّد المجرمون كم من الأشخاص يمكن أن تخترق أجسادهم الطلقات الحاقدة المنطلقة من بوارديهم, فكانوا يقومون بجعلهم في صف الواحد وراء الآخر, ليبدأ بعد ذلك إطلاق النّار عليهم, وكان الشهيد هو والد أم أبي فهيمة القس يوسف حَدو سِتّو من بيت ايليا.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس