عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 05-03-2026, 11:23 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,043
افتراضي

الحقيقة طاق كبير سمير محمد الشيباني اخي الكريم سمير محمد الشيباني بداية اشكر تفاعلك ورقي أخلاقك في التعاطي مع الإخر باسلوب مهذب، ليس كما بعض المشاركين الغوغائيين الذين يحاولون التشويش وما شابه.
ردا على ما تفضلت به فإنّي اجيبك بالقول المؤكد والمثبت بالدلائل والمراجع، بعيد عن الصحة تماما بقولك إنّهم دخلوا الإسلام مع بدء الدعوة المحمدية فهذا لم يقله احد لغاية هذا اليوم امّا أن يقول الشخص ما يريد لتبرير وتسويق وجهة نظره، بدون إثبات أو دليل وبردان فهذا بالطبع غير مقبول وقد كتبت لك هذا النص خصوصا في جوابي على مضمون ومستوى مشاركتك ارجو ان تقرأه بعناية من دون تشنّح فكري، فنحن هنا جميعًا نسعى إلى محاولة معرفة أقرب ما يكون للحقيقة إن لم يكن الحقيقة
إليك ردي على وجهة نظرك مع الهوامش والمراجع مع كلّ احترامي:

المحلمية: الجذور، الهوية، التحوّل الديني، اللهجة، ورجال الدين (مع الهوامش والمراجع)

عرب المحلمية هم مجموعة سكانية تتركّز تاريخيًا في منطقة طور عبدين الواقعة بين ماردين ومديات في جنوب شرق تركيا. والرأي السائد تاريخيًا، والذي يؤكّده الباحثون في التراث السرياني، أنّ أصولهم تعود إلى السريان الأرثوذكس الذين عاشوا قرونًا طويلة في هذه المنطقة، قبل أن يتبنّوا لاحقًا لهجة عربية خاصة متأثرة بالسريانية¹. أما التحوّل الديني للمحلمية من المسيحية إلى الإسلام، فلا يوجد له تاريخ محدّد باليوم والشهر، لكن معظم المؤرخين والتقارير الكنسية، ومنها تقارير البطريركية السريانية، تشير إلى أنّ التحوّل الجماعي الأكبر حدث في القرن السابع عشر الميلادي، وتحديدًا في عهد البطريرك اغناطيوس هدية الله (1597–1639م)². وهذا ما ينقض ما تفضّلت به جملةً وتفصيلًا. يذكر البطريرك مار اغناطيوس أفرام الأول برصوم في كتابه "تاريخ طور عبدين" أنّ دخول المحلمية في الإسلام قد يكون في سنة 1583م³. (وليس منذ بداية الإسلام كما تفضلت بقولك)

تفسّر المصادر التاريخية هذا التحوّل بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها المجاعة والقحط اللذان ضربا المنطقة، والضرائب الباهظة المفروضة على المسيحيين في العهد العثماني، وعجز السكان عن دفع الجزية، إضافة إلى خلافات اجتماعية مع السلطة الكنسية، ورغبة بعض العشائر في الحفاظ على نفوذها في ظلّ صراعات القوى في المنطقة⁴. ورغم اعتناقهم الإسلام منذ قرون، حافظ المحلمية على كثير من العادات والتقاليد المشتركة مع جيرانهم السريان، ولا يزال كبار السنّ يذكرون أسماء القرى والأديرة القديمة التي كانت عامرة بالمسيحيين.

أمّا نسبهم، فقد دار حوله جدل واسع، وتبرز رواية تربطهم ببني بكر بن وائل، وتحديدًا بطن محلّم بن ذهل بن شيبان، كما ذكر القلقشندي في "صبح الأعشى"⁵. ويعود سبب التسمية "المحلمية" إلى هذا النسب، وليس إلى الرواية الشعبية التي تزعم أنهم كانوا "مائة بيت". وقد استوطن هؤلاء العرب الربيعيون منطقة طور عبدين منذ ما قبل الإسلام، واختلطوا بالسريان، وتبنّوا لغتهم ومذهبهم لقرون طويلة، قبل التحوّل الديني في العهد العثماني. ولهذا يرى بعض الباحثين أنهم عرب "تسرينوا"، بينما يراهم آخرون سريانًا "استعربوا"، والحقيقة أنّهم نتاج تفاعل طويل بين العنصر العربي والبيئة السريانية.

تتوزّع قرى المحلمية في جنوب تركيا، خصوصًا في ماردين ومحيطها، ومنها: أستل، كفر حوار، عين كهف، حبس ناس، الزيارة، كفر علاب، الصور، الأحمدي، كندريب، زرنوقة، تفة، حلدح، دير انديب، دير زبينة، المنيزل، ابشة، خربة الحجي، نونب، شور أصبح، ايدو، اربل، المخاشنية، الراشدية، وقلّث. وتُعدّ قلّث القرية الوحيدة التي بقيت مسيحية حتى اليوم⁶.

أما اللهجة المحلمية، فهي إحدى لهجات الجزيرة الفراتية، وتُعدّ من أقرب اللهجات العربية إلى الفصحى، كما ذكر عادل البكري والمقدسي⁷. وهي لهجة مشتركة بين الموصل وبازبدي والمحلمية وماردين وقرقيسيا، ويتحدث بها اليوم أكثر من مليون شخص. وقد تناولتها دراسات عديدة، منها أعمال أركون ساسي، أوتو ياسترو، جورج غريغوري، عبدالقادر عثمان، أحمد علي محمود ربيع، ويشار آجات وتيسير الزيادات⁸.

وتتميّز اللهجة المحلمية بخصائص لغوية عديدة، منها: إثبات النون بعد واو الجماعة وياء المخاطبة، ضمّ تاء الفاعل، ضمّ هاء الغائب، كسر كاف المخاطبة، تسكين الياء والواو بعد الفتح، الإبقاء على تحريك أحرف وسط الكلمة، كسر أوائل الأفعال المضارعة، استعمال "كت" بدل "قد"، استعمال "تَ" بدل "سَ" للاستقبال، والبدء بالسكون المتأثر بالسريانية، إضافة إلى ظواهر أخرى مثل قلب الميم نونًا، إسكان آخر الفعل الماضي، التصغير على الطريقة السريانية، وكثرة المفردات السريانية في اللهجة⁹.

ومن الناحية الكنسية، كانت قرى المحلمية قبل التحوّل الديني جزءًا أصيلًا من الحياة السريانية الأرثوذكسية، وكانت مرتبطة بالأديرة الكبرى مثل دير مار كبرئيل ودير الزعفران¹⁰. وقد خرج من هذه القرى عدد من رجال الدين، أبرزهم البطريرك مار إغناطيوس عبد المسيح الثاني البحصناسي، المولود في قرية بحسناس. وقد ترهّب في دير مار كبرئيل، ورُسم كاهنًا ثم مطرانًا، وانتُخب بطريركًا سنة 1895 في ظروف مضطربة، لكن انتخابه لم يحظَ بإجماع المجمع المقدس، فعُزل بعد فترة قصيرة، وعاد إلى الدير حيث عاش حياة هادئة حتى وفاته سنة 1915¹¹.

كما خرج من قرية بحسناس رجال دين آخرون، منهم القس جرجس البحصناسي، والشماس حنّا بن عبدو، والقس شمعون البحصناسي. ومن قرية قلّث، التي بقيت مسيحية حتى اليوم، خرج القس إسحق القلّثي، والقس عبد المسيح القلّثي، والقس حنّا القلّثي، والقس شمعون القلّثي، والشماس متّى القلّثي. ومن القرى الأخرى التي كانت مسيحية قبل التحوّل، مثل دير انديب ودير زبينة وكفر حوار وعين كهف والزيارة، خرج رجال دين مثل الشماس لوقا الأنديبي، والقس يوحنا الأنديبي، والقس بطرس الأنديبي، والقس إسطفان الزبيني، والشماس عبدو الزبيني، والقس ميخائيل الحواري، والشماس شابو الحواري، والقس حنّا العيني، والقس شمعون العيني، والقس عبد يشوع الزياروي، والشماس يوسف الزياروي¹².

وهكذا يتبيّن أنّ المحلمية جماعة ذات جذور سريانية عميقة، تأثرت بالعربية والسريانية معًا، وعاشت تحوّلات اجتماعية ودينية ولغوية معقّدة، وأنّ هويتهم اليوم هي نتاج هذا التاريخ الطويل الذي يجمع بين العروبة والبيئة السريانية في آن واحد.

---

الهوامش والمراجع

1. أفرام برصوم، اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية.
2. تقارير البطريركية السريانية الأرثوذكسية، القرن 17.
3. أفرام الأول برصوم، تاريخ طور عبدين.
4. نفس المصدر، مع روايات شفهية من رهبان دير مار كبرئيل.
5. القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ج 1.
6. سجلات دير مار كبرئيل ودير الزعفران.
7. عادل البكري، اللهجة الموصلية؛ المقدسي، أحسن التقاسيم.
8. أركون ساسي، اللهجة العربية المحلمية؛ أوتو ياسترو، دراسات في لهجات طور عبدين؛ جورج غريغوري، الحروف الفعلية في اللهجة المحلمية؛ عبدالقادر عثمان، اللهجة المحلمية بين الدخيل والعامي والفصيح؛ أحمد علي محمود ربيع، مظاهر التخفيف في اللهجة المحلمية المهاجرة؛ يشار آجات وتيسير الزيادات، الأمثال المحلمية.
9. نفس المراجع اللغوية أعلاه.
10. سجلات دير مار كبرئيل ودير الزعفران.
11. مخطوطات دير مار كبرئيل حول البطاركة؛ أفرام برصوم، تاريخ البطاركة.
12. سجلات العماد والزواج في دير الزعفران، والرواية الشفوية السريانية.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس