مَلْحَمَةُ آزخ 1915 م

١)
حينَ تكسَّرَ كبرياءُ الطغاةِ على أسوارِ الإيمان
توثيق وصياغة مستندة إلى أبحاث المؤرخ والباحث السرياني فؤاد زاديكي
في عام 1915 م، وبينما كانت رياح "الفرمان" الأسود تعصف بالمسيحيين في تركيا، ابتداءً بالأرمن بحجة انّهم عملاء لروسيا عدوّة تركيا في ذلك الزمن،ومن ثمّ شملت جميع المسيحيين باختلاف مذاهبهم وقومياتهم وعروقهم من سريان وكلدان وآشوريين ويونان، كان القائد التركي عمر ناجي بك يقود قطعاته العسكرية لواء (الآلاي) انطلاقاً من أرضروم في بداية تشرين الأول. كان من المفترض أن يتوجه لمساعدة خليل باشا قائد الجيش السادس في الموصل لمحاربة الإنكليز في البصرة وكوت العمارة. لكنّ أكراد "جزيرة ابن عمر" نفثوا سموم وشاياتهم الكاذبة، زاعمين أن آزخ تحامي عن الفدائيين الأرمن وتعصى أوامر الدولة، وقدموا له رشوة مالية ليحول مساره نحوها.
انتقلت الحملة عبر مياه دجلة على "كلكات" خشبية في 25 تشرين الأول، ووصلوا إلى الجزيرة في 28 منه. وبحسب يوميات الأب القس يوسف شاهين، بدأ الإعداد للعمليات ضد آزخ في أواخر تشرين الأول وتم تنفيذها في بدايات تشرين الثاني 1915 م.
وقائع الصمود وفشل الحصار
في 7 تشرين الثاني، رفض "ناجي بك" مقابلة وفد أعيان آزخ الذي ضم رجالاً لا تلين عزيمتهم، برئاسة الزعيم البروتستانتي حنّا إيليَا (1855- 1936) م من العشيرة الكمّكيّة، وملكي گورگيس (1885- 1965) م من العشيرة النوردونكيّة، وكانا يجيدان التركية. وضم الوفد أيضاً: لحدو كبرو الأسفسي (مستشار القائد إيشوع)، بهنان حردو، حنّا القس الآزخي البشّكي (1878- 1971) م، القنّاص مراد حنّوش، وببّو اسطيفو (1870- 1936) م البرصومكي. ويوسف الخوري
أمر القائد التركي بالهجوم - تدعمه بعض العشائر الكردية التي كانت لها ثارات على آزخ، والبعض الآخر بدافع الحقد والهوس الديني للقضاء على بلدة مسيحية في محيط كردي- لكنه صُدم بصلابة الأسوار التي بنيت في عام 1914 م بقرار شجاع من الأسقف حنا إيليا وباقتراح ومباركة القس موسى كِتى (والد لحدو وتوما وأفريم). شارك في الدفاع رجال أشداء ونساء قدمن الدعم اللوجستي، وامتزجت دماء الإسفسي والآزخي والكربوراني والأرمني والسرياني الطوراني والبنيبلي والجبلي في وحدة حال أسطورية.
تفاصيل المعركة الميدانية
ركز أهل آزخ دفاعهم في جهة الشمال، حيث وضعوا مجموعة قتالية في دير مار يعقوب (غربي البلدة) قوامها ما بين 18- 20 شخصاً بقيادة البطل صَلو كِته (صليبا) من العشيرة الخَزموكيّة، ويعقوب گَبرِه القلسينكي.
استمر القصف العنيف بأكثر من 16 مدفعاً ثقيلاً حتى الساعة التاسعة صباحاً، ورغم غزارة النيران التي جعلت العصافير تتساقط من السماء، إلا أن الأضرار الفعلية لم تتعدَّ سقوط بعض أحجار من دير مار يعقوب وفتح بابين في سوره.
فشل "عمر ناجي بك" في اقتحام البلدة رغم استدعاء آلاف الجنود من الموصل وسوريا، وعاد يجر أذيال الخيبة والمهزيمة بعد أن عفرت آزخ رأسه بالتراب. بقيت الحقيقة ناصعة: انتصرت آزخ بشعبها المقاوم وبإيمانها العميق بأن الدفاع عن الحق سينتصر مهما بلغت قوة المعتدي.