عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 02:31 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,740
افتراضي طرَابْ آزِخ حَارُّو بقلم: فؤاد زاديكي تُعَدُّ بَلْدَةُ آزَخَ أَيْقُونَةً لِلصُّمُو

طرَابْ آزِخ حَارُّو

بقلم: فؤاد زاديكي


تُعَدُّ بَلْدَةُ آزَخَ أَيْقُونَةً لِلصُّمُودِ وَرَمْزاً لِلإِبَاءِ الَّذِي لَا يَنْكَسِرُ، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْآزَخِيِّ وَتُرَابِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سَكَنٍ فِي مَكَانٍ، بَلْ هِيَ حَالَةٌ مِنَ الِانْدِمَاجِ الرُّوحِيِّ وَالْوِجْدَانِيِّ الْعَمِيقِ. إنَّ هَذَا التُّرَابَ الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ عَبَقَ التَّارِيخِ وَأَمْجَادَ الأَجْدَادِ، يَبُثُّ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِ شُعُوراً طَاغِياً بِالِانْتِمَاءِ، يَجْعَلُهُمْ أَكْثَرَ إصْرَاراً عَلَى بَذْلِ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ فِي سَبِيلِ رِفْعَتِهِ وَحِمَايَتِهِ. فَمَا إنْ تَطَأَ أَقْدَامُهُمْ هَذَا الثَّرَى الطَّاهِرَ، حَتَّى يَتَفَجَّرَ فِي عُرُوقِهِمْ حَمَاسٌ مُلْتَهِبٌ، وَتَشْتَعِلَ فِي قُلُوبِهِمْ جَذْوَةُ الْفِدَاءِ الَّتِي لَا تَنْطَفِئُ، مُحَوِّلَةً كُلَّ فَرْدٍ مِنْهُمْ إلَى سَدٍّ مَنِيعٍ وَحِصْنٍ حَصِينٍ يَقِفُ فِي وَجْهِ الرِّياحِ الْعَاتِيَةِ.
إنَّ تُرَابَ آزَخَ لَيْسَ جَمَاداً صَامِتاً، بَلْ هُوَ كِيَانٌ حَيٌّ يَنْبِضُ بِالْمَحَبَّةِ لِأَبْنَائِهِ، وَيُبَادِلُهُمْ عِشْقاً بِعِشْقٍ، فَهُوَ ذَلِكَ "التُّرَابُ الدَّافِئُ" الَّذِي يَحْتَضِنُ خُطَاهُمْ وَيَحُثُّهُمْ بِلُغَةٍ خَفِيَّةٍ عَلَى الْعَطَاءِ وَالِاسْتِبْسَالِ. هَذَا التَّنَاغُمُ الْفَرِيدُ بَيْنَ الأَرْضِ وَالإِنْسَانِ يَخْلُقُ حَالَةً مِنَ الرُّجُولَةِ الْفَذَّةِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى أَسْمَى صُوَرِ التَّضْحِيَةِ فِي مَيَادِينِ الدِّفَاعِ عَنِ الْحِمَى. فَالآزَخِيُّ لَا يَعْرِفُ الْهَوَادَةَ وَلَا يَقْبَلُ الإبْطَاءَ حِينَ يُنَادِيهِ الْوَاجِبُ، بَلْ يَنْدَفِعُ بِعَزِيمَةٍ كَالصَّخْرِ، مُسْتَمِداً قُوَّتَهُ مِنْ تُرَاثِ بَلْدَتِهِ الْعَرِيقِ وَمَجْدِهَا التَّلِيدِ الَّذِي سُطِّرَ بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ وَعَرَقِ الشُّرَفَاءِ عَبْرَ الْعُصُورِ.
إنَّ عِشْقَ أَهْلِ آزَخَ لِتُرَابِهِمْ هُوَ عِشْقٌ صُوفِيٌّ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْوَصْفِ، فَهُوَ الْمُنْتَمَى وَهُوَ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ. وَمَا هَذِهِ الِاسْتِمَاتَةُ فِي الدِّفَاعِ عَنْهُ إلَّا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ مِنْ كَرَامَةِ أَرْضِهِ. فَالتَّارِيخُ الْمَجِيدُ لِهَذِهِ الْبَلْدَةِ لَمْ يَكُنْ لِيُكْتَبَ لَوْلَا تِلْكَ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ الَّتِي رَأَتْ فِي التَّضْحِيَةِ شَرَفاً، وَفِي الْفِدَاءِ وَاجِباً مُقَدَّساً. فَلِتَبْقَ آزَخُ شَامِخَةً بِأَبْنَائِهَا، وَلْيَظَلَّ تُرَابُهَا مَنَارَةً لِلثَّبَاتِ، يَرْوِي لِلأَجْيَالِ قِصَّةَ شَعْبٍ عَشِقَ الأَرْضَ فَاسْتَحَقَّتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ عِرْضاً وَوَطَناً وَتَارِيخاً لَا يَطْوِيهِ النِّسْيَانُ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس