بناءً على التوثيق التاريخي والبحث الاستقصائي الذي تفضلتم به، أعدتُ صياغة هذا النص بأسلوب أدبي ملحمي يجمع بين جلال التاريخ وقدسية الشهادة، مع الحفاظ على الأمانة العلمية للطرح:
أطياف من قداسة آزخ: عبق الشهادة في أديرة "مار باسوس" و"مارت شوشان"
بقلم الباحث والمؤرخ: فؤاد زاديكي
في ثنايا بلاد "بيت زبداي" (آزخ)، حيث تمتزج صخور الأرض بدموع القديسين وتراتيل الزهاد، تنهض حكاية من فجر المسيحية، بطلتها روحان تعانقتا في الميلاد وفي الاستشهاد: مار باسوس وأخته مارت شوشان.
أولاً: دير مارت شوشان.. الزاوية المضمخة بالقداسة
على مقربة من دير "مار يعقوب"، وفي زاويته الجنوبية الرابضة بوقار، نلمحُ أثر ديرٍ شُيّد تذكاراً للشهيدة "سوسان" (شوشان). لم تكن شوشان مجرد عابرة في تاريخ المنطقة، بل هي ابنة "أبو زرد" حاكم "بازبدي" وشقيق الملك الفارسي "شابور الثاني". ولدت عام 375 م مع شقيقها وتوأم روحها "باسوس"، لتبدأ رحلة البحث عن النور الحقيقي.
تحت ظلال السجون وبفعل تبشير القديسين الفاريين "اسطيفانوس" و"لونجيني"، انفتحت بصيرة التوأمين على الإيمان المسيحي، ضاربين عرض الحائط بالأمجاد الوثنية والقصور الملكية. وحين عجز والدهما عن ردعهما وإعادتهما إلى عبادة الأوثان، كان القرار الحاسم؛ فارتقت شوشان شهيدةً تحت حد السيف في الحادي عشر من أيار عام 388 م. لقد بنى شعب "آزخ" هذا الدير لا كحجرٍ وطين، بل كتطويبٍ لاسم ابنتهم التي غسلت بدمائها تراب المدينة، لتظل ذكراها منارةً في قرية "حدّل" وبالقرب من "كفشنة"، حيث تتشابه العمارة وتتوحد القلوب في ذكراهما.
ثانياً: دير مار باسوس.. الأطلال الشاهدة وبير الكوزكات
إلى الغرب من "آزخ"، وبالقرب من "بير الكوزكات" العتيق، تجثو أطلال دير "مار باسوس" كشاهدٍ صامت على عصر البطولات. إن وحدة النمط المعماري بين أديرة باسوس وشوشان في عموم بلاد "بيت زبداي" توحي بأن البناء كان نهضةً روحيةً واحدة اندلعت في آنٍ معاً. وإذا أردنا استحضار عظمة الدير المندثر في قلب "آزخ"، فما علينا سوى التأمل في صور دير "حدّل"، الذي يقدم لنا انطباعاً جلياً عن ذلك الصرح الذي كان يوماً ما ملجأً للمؤمنين وملاذاً للأرواح الظمأى.
ثالثاً: ملحمة الوجع والانتصار.. مأساة التسعة آلاف شهيد
ينقل لنا المؤرخ "أفرام شاهين" في مذكراته صورةً تراجيدية للحقبة التي عاشتها المنطقة في ظل حكم "شابور" وإخوته. فبينما كان "أبو زرد" يحكم قبضته على "بيت زبدي" ويقيم الأصنام في "فيل" و"آزخ"، كان الإيمان ينمو في الخفاء كالنبتة بين الصخور.
يروي التاريخ بمرارة كيف سقط في يومٍ واحد بمدينة "آزخ" وحدها تسعة آلاف شهيد، رجالاً ونساءً، في مجزرةٍ مروعة لم يكن ذنب ضحاياها سوى التمسك بالمسيح. لقد تحولت "آزخ" في تلك الحقبة إلى "جلجلة" كبرى، حيث سُجن باسوس وشوشان في "بيت الوثن" (اللزج) تحت وطأة الوعيد والتهديد.
لكن العدالة السماوية لم تقف مكتوفة الأيدي؛ فبينما كان الأمير الوثني يسجد لأصنامه، انقضت نارٌ من السماء كشهابٍ ثاقب، فأحالت هيكل الأوثان في "فيل" و"آزخ" إلى رماد تذروه الرياح. كانت تلك "الضربة" الإلهية بلسماً لقلوب المسيحيين المنكسرة، وآيةً هزت وجدان الوثنيين، تزامناً مع وجود القديس "مار فخاس" اليوناني الذي كان يتعبد في الجبل الأبيض شرقي آزخ، مراقباً بعين الصلاة تلك التحولات العظيمة.
إن قصة مار باسوس ومارت شوشان ليست مجرد سردٍ لأحداث خلت، بل هي هوية "آزخ" التي لا تزال تنبض في عروق باحثيها ومؤرخيها، شاهدةً على إيمانٍ لا يقهر، ودمٍ لا يجف.
جميع الحقوق الفكرية والتاريخية لهذا النص محفوظة للباحث والمؤرخ فؤاد زاديكي.
هل ترغب في أن أقوم بصياغة الأقسام التالية من بحثك حول كنائس وأديرة آزخ بنفس هذا الأسلوب الأدبي؟
__________________
fouad.hanna@online.de
|