مشاركتي على برنامج حديث الساعة و موضوع حلقة اليوم الحبّ العذري، معناه و واقع وجوده في
مشاركتي على برنامج حديث الساعة و موضوع حلقة اليوم الحبّ العذري، معناه و واقع وجوده في فترات تاريخية
من إعداد و تقديم الأديبة إنصاف ابو ترابي و إشراف الدكتورة عدنان الطيبي و مها يوسف نصر في أكاديمية رياض الشعر و الأدب
الحُبُّ العُذْرِيُّ فِي التُّراثِ العَرَبِيِّ وَ الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ
بقلم: فؤاد زاديكى
ٱشْتَهَرَ العَرَبُ قَدِيمًا بِنَوْعٍ نَبِيلٍ مِنَ الْحُبِّ، يُسَمَّى الْحُبُّ الْعُذْرِيُّ، وَ هُوَ حُبٌّ طَاهِرٌ نَقِيٌّ، يَسْتَقِرُّ فِي الْقَلْبِ، وَ لَا يَطْمَعُ فِي لَذَّةٍ أَوْ شَهْوَةٍ، بَلْ يَكْتَفِي الْمُحِبُّ فِيهِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ يُحِبُّ، وَ الْحَدِيثِ مَعَهُ، أَوْ حَتَّى فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، يَكْتَفِي بِذِكْرِ اسْمِهِ، وَ تَخْيُّلِهِ.
وَ قَدْ بَرَزَ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى مِنَ الْإِسْلَامِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ كَانُوا يُعْرَفُونَ بِكَثْرَةِ الْعِشْقِ وَ الْوَفَاءِ، حَتَّى نُسِبَ إِلَيْهِمْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحُبِّ. وَ مِنْ أَشْهَرِ الْقِصَصِ فِي هَذَا السِّيَاقِ قِصَّةُ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ، الْمَعْرُوفِ بِـ"مَجْنُونِ لَيْلَى"، الَّذِي أَحَبَّ لَيْلَى الْعَامِرِيَّةَ حُبًّا صَادِقًا، وَ مَا تَزَوَّجَهَا، وَ عَاشَ عَلَى ذِكْرَاهَا حَتَّى مَاتَ.
وَ قَالَ قَيْسُ فِي أَحَدِ أَبْيَاتِهِ:
أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى
أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَ ذَا الْجِدَارَا
وَ مَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي
وَ لَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ، يُعَبِّرُ قَيْسٌ عَنْ عِشْقٍ نَقِيٍّ، يَسْكُنُ الْفُؤَادَ، بِلَا أَيِّ رَغْبَةٍ مَادِّيَّةٍ.
وَ مِنَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ ٱشْتُهِرُوا بِالْحُبِّ الْعُذْرِيِّ أَيْضًا، جَمِيلُ بُثَيْنَةَ، الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ أَحَبَّهَا طَوَالَ عُمُرِهِ، وَ لَمْ يَتَزَوَّجْ غَيْرَهَا، وَ مَا نَالَ مِنْهَا سِوَى الْكَلِمَاتِ وَ النَّظَرَاتِ.
فِي زَمَانِنَا الْمُعَاصِرِ، قَدْ يَبْدُو الْحُبُّ الْعُذْرِيُّ نَادِرًا فِي ظِلِّ سُرْعَةِ الْحَيَاةِ، وَ تَغَيُّرِ الْقِيَمِ، وَ لَكِنَّهُ ما يَزَالُ يُوجَدُ بَيْنَ بَعْضِ الشُّبَّانِ وَ الْفَتَيَاتِ، الَّذِينَ يَجِدُونَ فِي الْمَشَاعِرِ الطَّاهِرَةِ مَلَاذًا مِنْ ضَغْطِ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ.
وَ فِي زَمَنِ التَّوَاصُلِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ، نَجِدُ مَنْ يَحِبُّ لِسِنِينَ طَوِيلَةٍ دُونَ لِقَاءٍ، وَ يَبْقَى عَلَى الْوَفَاءِ وَ الْإِخْلَاصِ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْحُبِّ الْعُذْرِيِّ، وَ لَوْ بِثَوْبٍ جَدِيدٍ.
وَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، يَبْقَى الْحُبُّ الْعُذْرِيُّ رَمْزًا لِلْوَفَاءِ، وَ الطُّهْرِ، وَ الْإِخْلَاصِ، وَ يَذْكُرُنَا بِأَنَّ الْحَبِيبَ يُحَبُّ لِذَاتِهِ، لَا لِمَا يُقَدِّمُهُ، وَ أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَدَقَ، صَفَا.
__________________
fouad.hanna@online.de
|