خوفه الوحيد
بقلم : الياس الزغبي
25 – 7 – 2010
يؤكّد السيّد حسن نصرالله ، مرّة بعد مرّة ، أنّ حزبه لا يخاف شيئا ، لا المحكمة الدولية ، ولا سواها . ولكنّ ظهوراته المتتالية تشي بالعكس ، ولم يستطع ، في ظهوره الأخير ، مغالبة توتّره الواضح تحت هدوئه الموجّه والمدروس .
ماذا يُقلق قيادة " حزب الله " الى هذا الحدّ ، وهي التي لم تُقم وزنا أو حسابا لكل نتاجات السياسة الدولية ، وطالما هزئت من كيان الأمم المتحدة ، ومن مفهوم " المجتمع الدولي " و " الشرعية الدولية " ؟
كلّ التعليقات والقراءات التي أعقبت كلام نصرالله أجمعت على أنّه وجّه رسائل ثلاثا ، على الأقلّ ، الى كلّ من " 14 آذار " قيادة وشعبا ، والى الرئيس سعد الحريري بصفتيه الرسمية والعائلية ، والى المحقّق الدولي والمحكمة الدولية لكونهما المؤتمنين على الحقيقة والعدالة .
في الواقع ، لم تكن تلك رسائل الى الجهات الثلاث ، بل تحذيرات وانذارات مباشرة وحادّة ، تحت ستار الطلبات والتمنّيات والنصائح ، وليس هذا هو أسلوب الرسائل ، ولا لغة التعامل السياسي مع شركاء في الوطن ، أو وكلاء في القضايا الدولية .
الرسالة الوحيدة التي تضمّنها مؤتمره الصحافي كانت موجّهة بوضوح الى سوريا ، على أساس أنّ الرسالة البليغة تكون مرمّزة ، وتتمّ قراءتها بين السطور .
نعم ، كان هناك مرسل اليه واحد ، تحت كل هذا الصخب في وجه نصف الشعب اللبناني على الأقلّ، برموزه وقياداته وأهدافه وقناعاته ، وفي وجه الأمم المتحدة بمؤسساتها ونظمها وقوانينها ، هو الرئيس السوري بشّار الأسد .
ورسالة نصرالله الى الأسد واضحة : لقد ساندناك حين كنت تحت الاتّهام ، وأقمنا لك مهرجان " شكرا سوريا " ، وعقدنا على اسمك تجمّع " 8 آذار " ، وحافظنا على نفوذك في غمرة الحصار العربي والدولي عليك ، ونفّذنا كل ما طلبت وتمنّيت ، حتّى أنّنا التزمنا وصفك غداة حرب تمّوز ب " المنتج الاسرائيلي " من تفتح لهم أبوابك اليوم ، فما بالك الآن تتركنا في محنة المحكمة وذروة الاستهداف ؟
خصّص نصرالله نصف وقته للحفر في ما تعرّضت له سوريا في لبنان بعد سنة 2005 ، ولم ينسَ الكبائر ولا الصغائر ، فقدّم جردة كاملة لم يُهمل فيها أيّ تفصيل ، بما في ذلك الاعتداء على عمّال سوريين. وباشارته الى ارتياحه لتحييد التّهمة عن سوريا وحلفائها ( وقد استثنى نفسه من بينهم ) ، لم يُخفِ مرارة مكتومة وصدمة خرساء ، من برودة سوريّة في مسألة المحكمة ، بدت جليّة في تعليق وزير الخارجية السوري وليد المعلّم على هامش الزيارة الأخيرة للرئيس الحريري الى دمشق ، ولم تخفّف منها لاحقا تصريحات مصدر سوري رفيع .
بالتأكيد لا يرتاح " حزب الله" الى مسار العلاقات بين لبنان وسوريا على أساس المؤسسات والصفة الرسمية ، ولا يرتاح الى نمو العلاقة الشخصية بين الأسد والحريري ، ولا يرتاح الى صورة وزيرين من " القوّات اللبنانية " في قصر الرئاسة السورية ، ولن يرتاح لمشهد المصافحات المحتملة في قصر بعبدا بين الأسد وسمير جعجع وأمين الجميّل وقيادات مسيحيّة وسنّية في " 14 آذار " .
معه حقّ السيّد نصرالله في تأكيده أنّه لا يخاف شيئا .
هو لا يخاف من " 14 آذار " والحريري والسنّة... والأصوليات . لقد جرّبها وتفوّق عليها بمقاتليه وترساناته وسرعة حركته في الأزقّة والأحياء ، واختباره الفتن الأهليّة .
هو لا يخاف من المحكمة الدولية . عنده ما يكفي من العتاد ، والاعتداد ، كي يحمي عناصره ، ويحصّنهم ضدّ أيّ محاولة لاعتقالهم .
هو لا يخاف من اسرائيل . يؤمن بأنّه حقّق توازن الرعب والردع معها ، وبينه وبينها حسابات وسندات ، أو اسنادات .
هو لا يخاف من العالم العربي . يرى أنّه عالم خانع وهزيل ، ومبادرته للسلام ورقة في الريح .
هو لا يخاف من أوروبا . وصَمَها بالضعف والعجز في عقيدته - وثيقته الجديدة .
هو لا يخاف الشيطان الأكبر ، أميركا . يعتقد أنّه هزم مشروعها ، من لبنان وغزّة والعراق وأفغانستان ، الى فنزويللا وكوبا وكوريا ...
ممّ يخاف " حزب الله " ، اذا ؟ ولماذا هذا التهافت على الكلام وتكثيف الحملات الاعلامية ، اطلالة بعد اطلالة ، وتصعيدا اثر تصعيد ، وتهديدا على وعيد ؟
ببساطة ، ابحثوا عن سر هذا الخوف في دمشق ، بوّابة التوجّس أو الاطمئنان ، مالكة الطلاسم ومفاتيح السمسم . كلّ دفاتر " حزب الله " مودعة في خزائن النظام السوري ، والعكس ليس صحيحا .
شيء واحد يُربك " حزب الله " ويُقلقه : أن يُفتح بعض دفاتره ، وينزاح الغطاء السوري .
الى هذا الغطاء ، يوجّه رسالته ، خوفا من برد الانكشاف . والحضن الايراني الدافىء... بعيد .