دقت ساعت الرحيل
لم أكن أبدا من أنصار الغربة عن الوطن الحبيب فكلما كان يدور الحديث عن الهجرة وعلى أن الناس تهاجر وتهرب من الواقع الأليم الذي يمر به البلد كان يجن جنوني وكنت أقول كيف نهرب منه وهو ساكن فينا نعم هو ساكن فينا ولو رحلنا عنه بعيدا بعد الشمس عن الأرض .
إن أغلب الناس تريد الهجرة لتنعم بالهدوء والإستقراروكم من المرات عرضت علي هذه الفكرة وكنت أرفضها رفضا نهائيا وأعارضها وعلى هذا الأساس كنا دائما نسعى زوجي وأنا على تأمين جميع التزامات حياتنا وتأمين كل شيء تحتاجه عائلتنا وبتعبنا وجهدنا المتواصل وتفانينا استطعنا توفيربعض المال فبنينا لنا بيتا بسيطا في غاية الجمال "في نظرنا" فقد حققنا الحلم الرائع الذي كنا نحلم به معا ونحن على عهد الهوى وتحقق هذا طبعا بعد أن تزوجنا وبعد أن وهبنا الله تعالى الذي لايبخل بعطائه وهباته كل ما يحتاجه أبناؤه أربعة أبناء ثلاثة بنين وابنة واحدة الحمد والشكر له على الدوام.لقد شعرنا باستقلاليتا وكنا نشعر بأننا ملكنا الكون بملكيتنا لهذا البيت المتواضع لأننا تعبنا كثيرا فكل زاوية وكل حبة من تراب البيت شربت من عرق زوجي وأنا إلى جانبه المهم من هذا كله أريد أن أقول إننا نلنا من التعب الكثيرحتى حصلنا على بيتنا الجميل هذا والبيت كان مؤلفا من غرفتين وصالة كبيرة ومطبخ وحمام وتواليت ودار كبيرة وحديقة وفي وسطها بركة ماء ليسبح فيها أولادنا من جهة ولنسقي فيها الحديقة من جهة أخرى مكثنا الدار سنة وشهرين الأوضاع ساءت جدا فأسعار المواد الغذائية في ارتفاع مستمرإضافة الى عدم وفرتها في الأسواق والرواتب محدودة لاتكفي ففكرنا بجدية بالهجرة بعد أن اعتقدت بأننا لايمكننا بالعيش في هذا الوضع الصعب وما شجعني أكثر هو هجرة الكثير من الأهل والعائلات الصديقة معنا كل هذا وأنا أفكر كيف سأ ترك هذا البيت الجميل؟كيف سأترك مدرستي التي كنت أعلم فيها؟ كيف سأترك جيراني الطيبين؟ كيف سأترك بيت عمي وقد عشنا معهم على الحلوة والمرة ؟ كيف سأترك أهلي الأحباب الذين ترعرعت بين أحضانهم الدافئة ؟ كيف...كيف...كيف ؟ كثيرة هي الأسئلة ولا إجابة سوى الدموع الساخنة !!!!
دقت ساعت الرحيل وبدأت أفكر**وأنظرالى كل زاوية من زوايا البيت أنظر إلى بنائنا المتواضع الجميل الذي ستبقى ذكراه محفورة في قلبي إلى الأبد !!سأغادرك أيها البيت الرائع الذي شهدت أروع قصة حب تجسدت في الحياة قصة قلبين متحابين تجربهما قسوة الحياة والكون فكانا عظيمين بتحديهما لقسوة وصلابة هذه الحياة...سأترك كل ما بنيناه ...إننا أصبحنا جذورا مغروسة في أعماق تربتك أيها الوطن الحبيب والغالي فأنت كنزنا الذي لايفنى ...سأغادر ..سأغادرأعز وأحب الناس صديقاتي* رفيقات دربي* جيراني أهلي أحبائي الأطفال الذين كنت أعلمهم سأغادر هواءك المنعش النقي والعليل ياوطني ألا تحن إلي مثلما أحن إليك ؟ ألا تشتاق إلي مثلما أشتاق إليك ؟ألم تعشق في يوم من الأيام أنفاسي؟ هل ستخونني وتنكرني أيها الوطن الحبيب ؟ لا لا لا أظن أنك بهذه القسوة!!!سأغادرك وسيغادرك أولادي وسيغادر أولادي بيتهم الجميل الذين لعبوا في كل ركن من أركانه وسيتركون حارتهم ورفاقهم سيتركون أجدادهم وأعمامهم وعماتهم أخوالهم وخالاتهم سيتركون كل شيء ليسافروا معنا ودعنا كل ما كان جميلا وحلوا وممتعا ودعنا الوطن الحبيب الذي لابد أنه يحن إلينا ويحبنا هو أيضا ودعناه بدموع جرحت أخاديدنا يعجزالقلم عن التعبير عما يجيش بالقلوب وعما يعتمل في الصدور وعما يسري بعظامنا حتى النخاع وكما دقت ساعات الرحيل ستدق أجراس العودة فإلى اللقاء!
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 01-09-2005 الساعة 06:18 PM
|