![]() |
في بيت تولستوي
2 مرفق
وانصرف (تولستوي) إلى العلوم يبحث وينقّر، لعله أن يعثر على جواب عن أسئلته التي كانت تضنيه وتجاذب ذهنه فلم يجد فيها ما ينقع الغلّة. إن هذه العلوم تعتبر الإنسان جزءاً صغيراً تافهاً يجرفه تيار التطور، سواء شاء أ، ينقاد له أو أن يصده، فعلام إذن نفزع إلى هذا السؤال المحيّر: كيف ينبغي أن نعيش؟
فإذا التمسنا فلسفة ما وراء الطبيعة لنجد لديها أجوبة عن الأسئلة: من أين أتت الطبيعة وما أصل الحياة؟ وماذا ينبغي أن نفعل؟ تراخت الأسئلة إلى الإخفاق والعجز عن الجواب. ترى أيكون معنى ذلك أن الحياة عبثٌ لا طائل منها؟ ترى أيكون من الحكمة أن نتخلّى عنها؟. لقد انهدّ السؤال على روحه المعذبة كقطرة مدادٍ. بلى، إنها القطرة نفسها في المكان نفسه، وهي لا تني تتساقط لتشكل بقعة سوداء تماثل وهدةً حالكةً تغريه بأن يتردى في قرارتها يائساً منتحراً. وجعل الشك يجاذبه على نحو أضحى معه يفرق من الذهاب إلى الصيد، لئلا تغريه نزوةٌ عارضةٌ يستسهل فيها الشد على زناد بندقيته وتصويب فوّهتها إلى رأسه. وأفضى تساؤله الدائب إلى أن العدم فكرةٌ فارغةٌ وتجريدٌ عقيمٌ وأنه لا يمكن إغراق الأنا في العدم وأن الموت ليس سوى مرحلة انتقال إلى الخلود الكامن في ذاتنا، وأن الله ليس إلا معين الحياة الخالدة المتدفقة في أعطافنا. وكذلك تناهت أفكاره الميتافيزيكية إلى ما يشبه فكرة الحلول التي تؤمن بالله ولا تنفيه ولكنها تجده في ذات الإنسان نفسه، أما الإيمان الحقيقي فهو إيمان الشعب الساذج البريء من التكلف. إن الشعب البسيط يتراءى سعيدا بإيمانه دون أن يضنيه عذاب الشك. إنه هو وحده يملك معنى الحياة الذي يتشوّف إلى معرفته، وعلينا إذن أن نتعلم من الشعب كيف نرضى بالحياة، ولكن الرضا القانع وحده لا يكفي، إن الإنسان الذي توفرت له الثروة والمجد لا يتأتى له أن يحتفظ بهما، فهما دوماً إلى ضياع وزوال، فكأن الإنسان معلق بغصن، في غيابة بئر، يقبع في قعرها وحشٌ ضارٍ متحفز لالتهامه، وتسعى إلى أسفل الغصن فأرتان: سوداء وبيضاء – لعله رمز بهما إلى الليل والنهار – لتقرضا أسفل الغصن ، وقد يتاح لهذا الإنسان المعلق في فضاء البئر أن ينسى الخطر الذي دفع إليه، ليشغل نفسه بلذاذات عابرة، فيشتار عسلا، قد يجده على الغصن، أو يجني ثمرة تعطو إليها يده، ولكن النهاية المحتومة قادمة لا ريب فيها. إن الإنسان الذي ينسى ذاته ويهفو إلى سعادة الآخرين يجد سعادته الحقيقة مندغمة بسعادتهم، وليست التضحية بعسيرة. انظر إلى الطائر كيف يبسط جناحيه ليتعلم كيف يطير، إنه ينغمس بالحياة التي وهبت له. لقد خلق الإنسان للمحبة ليسمو بها، كالطائر الذي نبت جناحاه ليدفّ بهما ويحلق ويستمرئ على غوارب النسيم حياته الهنيئة. المحبة إذن هي توأم الإنسانية كلها، ويتسلسل من هذا المعنى، أن الله هو في المحبة وأن المحبة هي في الله. ودرس (تولستوي) التوراة، بعد أن عكف على تعلم العبرية واليونانية، ليتّسق له أن يطلع على المنبع الذي صدرت عنه مختلف ترجمات العهد القديم والعهد الجديد. فقارن بعضها ببعض وأشار إلى الغموض الذي يحيط ببعض النصوص الدينية وما نتج عن ذلك من تفسيرات متناقضة وانتهى إلى القول أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى انسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها. وهاجم (تولستوي) الطقوس الدينية، واتهمها بأنها موضوعة مزيفة، ونظر إلى الكنيسة نظرة تحدٍ ومناجزة، فقد رأى كيف تغلّف القشور الكاذبة فكرة الإيمان، وشرع يفوّق سهامه اللاذعة إلى الكنيسة داعياً إلى دين منزه عن التمويه والتضليل. وتكمن ، في الواقع ، لدى (تولستوي) شخصية المفكر المصلح إلى جانب شخصية الكاتب الفنان، ومن النقاد من أشار إلى شخصيات شتى مؤتلفة لديه يرفد بعضها جوانب بعض. ويصاول بعضها بعضها الآخر. على أنه يمكن أن يوضع في قَرَنٍ واحدٍ مع كبار المصلحين والمفكرين في تاريخ الإنسانية. ولقد كان يتوق هو نفسه إلى أن يضحي ذا رسالة دينية اجتماعية، فقد كتب في مذكراته ذات مرة: " لقد قادتني دراستي للإلهيات إلى فكرة سامية ينبغي أن أقف عليها حياتي كلها، هذه الفكرة هي إنشاء دين جديد يتفق مع تطور الإنسانية ودين المسيح ولكنه بريء من الإبهام، إنشاء دين عملي، لا يَعِدُ بسعادة في حياة أخرى مقبلة، بل يمنحها على هذه الأرض". وكذلك انسربت حياة (تولستوي) في النهج الجديد الذي ارتضاه لها، كتب في كتاب اعترافاته يقول: "لقد شعرت أنا الرجل السعيد ، الممتلئ صحة أنه لم يعد في ميسوري أن أستمرئ العيش، ولم أكن قد تجاوزت ، آنذاك، الخمسين من عمري، كانت لدي زوجة ممتازة محبة ومحبوبة، وأولاد أبرار، كنت أحظى بأملاك كبيرة، كانت تزدهر وتتسع دون جهد مني، بيد أنني لم أعد أجد معنى مقبولا لأي عمل في حياتي، فلا يمكن للمرء أن يعيش إلا إذا كان ثملاً بالحياة، حتى إذا انحسرت النشوة تراءى الوهم والسراب الخادع". وجفا (تولستوي) حياة الترف، فارتدى لباس فلاح فقير وأبى أن يستقل مركبة من (موسكو) إلى (ياسنا بالينا) فمضى منها ماشياً إلى مزرعته، بثيابه الخشنة المهترئة، وصدف عن الخمر والدخان واللحم، وانقلبت همومه النفسية إلى همومٍ اجتماعية، فجعل يزور السجون وأكواخ الفقراء ويرى إلى مظاهر الحرمان والجهل والفقر، في شعبه الطيب. وأخذت (صوفيا) تراقب زوجها، قلقة، خائفة، وهو يفكر في ويلات الشعب الروسي يئن تحت نير القيصرية، ويكتب (تولستوي) منتقداً ذلك النظام دون هوادة، ثم يتساءل : ترى أين يكمن الشر؟ لعله يكمن في التملك، في استثمار الإنسان لأخيه الإنسان، ينبغي له إذن، أن يوزع أراضيه على فلاحيه، وألقى هذه الحبة الطرية، لتؤتي أكلها، فيما بعد، ثورة كبرى تعصف بالنظام القيصري كله. ويصارح (تولستوي) زوجته بما يعتلج في صدره . عليه أن يهب أراضيه كلها لفلاحيه ويوزعها عليهم، مستبقيا لنفسه ولأولاده ما يكفيهم ، وتحسب الكونتيسة (صوفيا) أن زوجها قد خولط في عقله، ويزداد قلقها. لا، لا شيء يصرف هذا الكاتب الإنساني العظيم عن مصير شعبه، إنه يبدو وكأن هموم البشر جميعاً توقر كتفيه. وتكتب (صوفيا) في دفتر مذكراتها: "إن ليف حزين، إنه يبكي أحياناًَ". وكذلك كان الزوجان، يتعذبان عذاباً مشتركاً، إنه لا يريد أن يتخلى عن رسالته فيكتب: " أعتقد أنني أوتيت الحياة والفكر والبصيرة لأهدي بها الناس". ولكنه لا يريد أن يتخلى عن أسرته وأهله فيكتب: " هؤلاء الذين يعيشون بين ظهرانينا، نراهم كل يوم، من الصباح حتى المساء، هؤلاء الذين يضايقوننا، ويغضبوننا، ويؤلموننا، هؤلاء أحرى الناس بمحبتنا وأجدرهم بالصفح". ولم يعد (تولستوي) يهتم بالفن والأدب. على ريشته أن تغمس بعد الآن، في مداد الإصلاح والهداية، ويكتب إليه صديقه (تورغينيف) وهو يحتضر رسالة كانت آخر ما سطرته يده وهو على فراش الموت: "إنني أكتب إليك، لأقول لك: كم أنا سعيد بأن أكون معاصراً لك، ولأطلب إليك طلباً أخيراً، يا صديقي، عد إلى نشاطك الأدبي، أيها الكاتب الأكبر للأرض الروسية، فهلا لبيت رجائي؟". ولكن (تولستوي) لم يتحول عن النهج الذي اختاره واصطفاه ، فما يزال يقطع الأخشاب ويحرث الأرض مع فلاحيه، ويخصف الأحذية ويصنع بيده لخادمته العجوز حذاء ليقدمه إليها هدية في عيد ميلادها، وتكتب إليه زوجته (صوفيا): " لا يسعني إلا أن أتالم ، وأنا أرى إليك تبدد قواك الفكرية المبدعة في خصف الأحذية وقطع الأخشاب". لا،لا، لم تستطع (صوفيا) أن تفهم زوجها وأن تجعل حياتها تنساق في النهج الذي اهتدى إليه وارتضاه، وامتدت ما بينهما هوة من سوء التفاهم، جعلت تتسع وتعمق، يوماً بعد يوم. انتسخ آخر أمل لتولستوي فكتب إلى صديقه: "ليس في وسعك أن تتصور العزلة التي أعيشها، بين أفراد أسرتي، وأنا أشعر باحتقارهم يحيط بي". ولكنه لا يأبه لذلك كله، إن أمامه رسالة يريد أن يهبها لجميع القلوب. ويهاجم الفن المزيف بقوله: "إن على الفنان أن يقول كل ما يمنح الخير للناس، كل ما ينقذهم. إن الفن ينساب إلى حياتنا، فالفن والكلمة، هما آلة التقدم البشري، الفن يهزّ القلوب، والكلمة تهز الأفكار، فإذا شاب أحدهما الشر، فإن المجتمع يضحي مريضاً". وفي ظل هذه الأفكار السامية كتب قصة (موت إيفان ايليتش) ومسرحية (سلطان الظلام) وقصة (لحن كروتزر)، وأخيراً رواية (البعث) وتترادف كلها شوامخ في الأدب الروسي، ومن عجب أن يبقى (تولستوي) حتى بعد أن تقدمت به السن، بارعاً في تصوير المشاعر الرقيقة الدفينة، وظل أسلوبه جميلاً عذباً صافياً، كالجدول الرقراق، ولقد بسط آراءه الفلسفية والاجتماعية في هذه القصص وتعانق فيها فنه الرائع بأفكاره السامية، محتفظاً بطلاوته ومائه وروائه ..........يتبع |
تشكر ياغالي عيسى لسردك لنا عما كان يختلج بحنايا تولستوي ،، وما كان يجول في فكره تشكر يالغالي تقديري ومحبتي ألياس |
الشكر لك أخ الياس على مرورك اللطيف ........
|
موضوع حلو ومفيد تشكر اخي عيسى على اتعابك ومواضيعك |
العفو أختي الغالية جورجيت ........
|
الأستاذ عيسى المحترم
تحية صباحية وبعد بعد غياب لدواعي العمل لمدة /10/ أيام اشتقت لمواضيعكم وتواصلكم وأعذرني قرأت اليوم رسالتك لأن الحاسب الذي أعمل عليه في المكتب تفتح السكرتيرة وقرأت /4/ رسائل وسوف أرد عليك . شكراً يا أستاذ على كتاباتك لمثل هذه الشخصيات لك كل المحبة . نبيل |
جزيل الشكر لك ...على مرورك الجميل و الطيب
|
"المحبة إذن هي توأم الإنسانية كلها، ويتسلسل من هذا المعنى، أن الله هو في المحبة وأن المحبة هي في الله"
هذا صحيح وهذا ما يجب أن يعمل به كل البشر فمن خلال المحبة وحدها تتراحم النفوس وتتآلف القلوب وتعمى عيون الحقد وتنتصر لإرادة الخير المتمثّلة في وجه ربنا الكريم الرحيم. المحبة هي سراج هذه الحياة المنير وهي الطريق الأسهل الخالي من جميع تعقيدات وعقد الخلاف والتنافر والتباعد. المحبة عنوان يدخل كل قلب ويملك على كلّ نفس بنفس المستوى والمقدار من الإلفة والتواصل, فلنعمل جميعا على نصرة المحبة وعلى دعم وجودها وتثبيته في حياة كل منّا فبها فقط يكون الخلاص من الكراهية وتفاقم الأحقاد والشرور ومن خلالها تشرق شمس الرحمة والسلام والأمن والأمان فيعيش الجميع إخوة وأحبة يجمعهم رابط إنسانيتهم التي تعبّر عن سبب وجودهم تعبيراً حقيقيا ومقبولا وصالحا لكل عصر ولكل زمان ولكل فئة بشرية مهما كان انتماؤها أو كانت ميولها فالمحبة واحدة ولا يمكن تجزءتها ولا تغيير صفتها ولا تحييد وجهتها ومسخ وجهها النيّر والساطع. بكل المحبة والشكرأتوجه إليك يا أخي عيسى على هذه الروح العالية والهمة القوية من أجل التعبير عن أفكار إنسانية جليلة وجديرة بالاحترام. دمت بكل خير وقد أسعدني موضوعك هذا. |
| الساعة الآن 10:36 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke