Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   نزوح الكرد من تركيا إلى سورية… من ديار بكر وماردين وأورفا ودرسيم وآرارات إلى الجزيرة (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51881)

fouadzadieke 28-09-2026 02:04 PM

نزوح الكرد من تركيا إلى سورية… من ديار بكر وماردين وأورفا ودرسيم وآرارات إلى الجزيرة
 
نزوح الكرد من تركيا إلى سورية… من ديار بكر وماردين وأورفا ودرسيم وآرارات إلى الجزيرة السورية

حين نتحدث عن الوجود الكردي في سورية، وخصوصاً في الجزيرة السورية، فمن المهم ألا نختزل تاريخه في الهجرة الحديثة وحدها، كما لا يصح أن ننظر إلى الحدود السورية ـ التركية الحالية وكأنها كانت دائماً فاصلاً سكانياً واضحاً كما هي اليوم. فقد كانت القبائل الكردية تتحرك تاريخياً بين مناطق واسعة في أعالي الجزيرة والأناضول وشمال بلاد الرافدين، وكانت الروابط العشائرية والاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الحدود التي رسمتها التطورات السياسية بعد الحرب العالمية الأولى. لكن ما حدث خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين كان شيئاً مختلفاً؛ فقد بدأت الحدود الجديدة والسياسات التي اتبعتها الدولة التركية الناشئة والانتفاضات الكردية المتعاقبة تدفع أعداداً متزايدة من الكرد إلى عبور الحدود والاستقرار في الأراضي السورية، وخصوصاً في منطقة الجزيرة.

كانت منطقة الجزيرة السورية قبل هذه الموجات تضم أصلاً جماعات عربية وكردية ومسيحية، وكانت بعض القبائل الكردية مرتبطة بالمناطق الواقعة شمال الحدود الحالية. وبعد الحرب العالمية الأولى وترسيم الحدود بين سورية وتركيا، ازدادت حركة الانتقال من شمال الحدود إلى جنوبها، وساعد إنشاء الطرق ومد خط السكك الحديدية باتجاه نصيبين على تكثيف الحركة السكانية بين الأناضول والجزيرة السورية. وتشير المصادر إلى أن أعداداً من الكرد كانوا قد بدأوا بالاستقرار في الجزيرة بعد الحرب مباشرة، قبل أن تتحول الهجرة إلى موجة أكبر خلال عشرينيات القرن العشرين.

لكن المحطة الأهم كانت عام 1925، عندما اندلعت ثورة الشيخ سعيد بيران في مناطق واسعة من جنوب شرقي تركيا، ولا سيما في محيط ديار بكر ومناطق كردية أخرى. وبعد قمع الثورة بدأت موجات من الهروب والنزوح باتجاه سورية، وكانت السلطات الفرنسية المنتدبة على سورية تستقبل قسماً من هؤلاء اللاجئين وتعيد توطينهم في الجزيرة. وتقدر بعض الدراسات عدد الكرد الذين عبروا إلى سورية خلال موجات العشرينيات بنحو 20 إلى 25 ألف شخص، بينما تورد مصادر أخرى تقديرات مختلفة بحسب الفترة التي تشملها الإحصائية وما إذا كانت تحسب الأسر أو مجموع السكان.

ولم تكن ثورة الشيخ سعيد هي السبب الوحيد. فقد شهدت تركيا خلال النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين وبداية الثلاثينيات ثورة آرارات، التي اندلعت في منطقة جبل آرارات واستمرت على مراحل بين عامي 1927 و1930. وأدت العمليات العسكرية وقمع الثورة إلى خروج جماعات كردية جديدة باتجاه الأراضي السورية، فأصبحت الجزيرة السورية ملجأً لعدد متزايد من العائلات القادمة من المناطق الشمالية. كما أن السياسات العسكرية والإدارية التي رافقت هذه الصراعات دفعت بعض السكان إلى مغادرة قراهم بصورة دائمة.

وكانت سلطات الانتداب الفرنسي تنظر إلى مسألة توطين اللاجئين من زاوية سياسية وأمنية أيضاً. فقد شجعت في فترات معينة استقرار الكرد القادمين من تركيا في الجزيرة، ومنحت كثيراً منهم الجنسية السورية، وأقامت أو ساعدت في إنشاء تجمعات وقرى جديدة. وتظهر الوثائق الفرنسية وجود نحو 45 قرية كردية على الأكثر في الجزيرة قبل عام 1927، بينما ارتفع عدد القرى بصورة كبيرة خلال السنوات التالية نتيجة موجات الهجرة والاستقرار الزراعي.

ومن أبرز الشخصيات العشائرية الكردية التي ارتبط اسمها بهذه المرحلة حاجو آغا، أو حاجو آغا الهفيركي، أحد أبرز زعماء اتحاد عشائر الهفيركان/الهفيركي. وفي عام 1927 وصل حاجو آغا إلى منطقة قبور البيض، التي عُرفت لاحقاً باسم القحطانية، ومعه أكثر من 600 عائلة بحسب المصادر التي توثق تلك المرحلة. ولم يكن وصوله مجرد انتقال لعائلة أو عشيرة صغيرة، بل كان حدثاً بارزاً في استقرار مجموعات كردية كبيرة في الجزيرة السورية.

وكان حاجو آغا من أبرز الزعماء الكرد الذين ظهروا في الجزيرة في تلك الفترة، وارتبط أيضاً بحركة خويبون/خويْبون Xoybûn الكردية التي تأسست في المنفى وارتبط نشاطها بثورة آرارات. كما دخل في علاقات سياسية مع شخصيات من المكونات المسيحية في الجزيرة، إذ شهدت المنطقة في الثلاثينيات نوعاً من التعاون بين بعض الزعامات الكردية وشخصيات سريانية وأرمنية، خصوصاً في مواجهة مخاوف مشتركة من تغير الأوضاع السياسية بعد انتهاء الانتداب الفرنسي.

وإلى جانب حاجو آغا، تذكر المصادر أسماء زعامات كردية أخرى ارتبطت بالجزيرة في تلك الفترة، من بينها قدور بك وخليل بك إبراهيم باشا، إلى جانب شخصيات عشائرية ومحلية أخرى. لكن ينبغي الحذر عند سرد هذه الأسماء، لأن المصادر لا تقدم دائماً صورة متطابقة عن دور كل زعيم، كما أن نفوذ الزعماء كان يتغير من منطقة إلى أخرى ومن فترة إلى أخرى.

أما من ناحية العشائر، فقد كان المشهد واسعاً ومتعدد الفروع. وتذكر دراسات جغرافية عن الجزيرة السورية عشائر كردية جاءت أو ارتبط أصل استقرارها في المنطقة بمناطق شمال الحدود، من بينها الهفيركان، الملية، الكيكان/كيكي، الدقوري، التشيتية/التشيتيان، الحسنان، الهارونان، والأليكان، إلى جانب عشائر وفروع أخرى كثيرة.

فقد ارتبطت عشيرة الملية بالمناطق الواقعة بين أورفا وماردين، واستقرت فروع منها في الجزيرة. كما ارتبطت الكيكان والدقوري بمناطق ماردين وما حولها، بينما تذكر المصادر أن التشيتية/التشيتيان قدموا من المناطق الجبلية في ولاية أديامان واستقروا في مناطق شرق القامشلي، وكان من زعمائهم خلف آغا. أما في منطقة ديريك وعين ديوار فتذكر المصادر عشائر الحسنان والهارونان والأليكان، وتشير إلى أن استقرارها في المنطقة يعود إلى أجيال سابقة، مع امتداد أصولها إلى الجبال الواقعة شمال الحدود.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين العشيرة التي تحرك قسم منها عبر الحدود خلال هذه الفترة وبين القول إن العشيرة كلها هاجرت من تركيا إلى سورية في سنة محددة. فكثير من العشائر الكردية كانت موزعة أصلاً على جانبي الحدود، وبعضها انتقل تدريجياً، وبعضها استقر في سورية بعد وصول فروع جديدة من الشمال، ولذلك لا يمكن وضع تاريخ واحد لهجرة كل عشيرة.

ومن المناطق التركية التي جاءت منها موجات مختلفة من الكرد إلى سورية: ماردين، نصيبين، أورفا ومحيطها، ديار بكر، أديامان، مناطق طور عابدين، سروج، بوتان ومناطق الجزيرة العليا، إضافة إلى مناطق أخرى في جنوب شرقي الأناضول. وفي بعض الحالات كانت القرى الواقعة شمال الحدود امتداداً طبيعياً للقرى الواقعة جنوبها، ولذلك استمرت العلاقات العائلية والعشائرية رغم وجود الحدود الجديدة.

وفي الجزيرة السورية تركز الاستقرار الكردي بصورة خاصة حول القامشلي، القحطانية، المالكية/ديريك، عامودا، الدرباسية، رأس العين، عين ديوار، وتل حميس ومناطق أخرى، إضافة إلى مئات القرى التي نشأت أو توسعت خلال فترة الانتداب.

وتشير المصادر إلى أن عدد القرى الكردية في منطقة الجزيرة ارتفع بسرعة شديدة خلال هذه المرحلة. فبعد أن كانت التقارير الفرنسية تتحدث عن نحو 45 قرية كردية على الأكثر قبل عام 1927، أصبح عدد القرى أكبر بكثير خلال الثلاثينيات؛ وتذكر بعض التقارير نحو 250 قرية في 1929، ثم نحو 336 قرية عام 1935 في نطاقات معينة من المنطقة، فيما وصلت التقديرات الإجمالية للقرى في الجزيرة إلى نحو 700–800 قرية بحلول 1939، مع اختلاف المقصود جغرافياً بكل إحصاء.

ولم تكن القامشلي نفسها مدينة كردية قديمة بالمعنى الذي يمكن إسقاطه على مدن الأناضول التاريخية؛ فقد نشأت المدينة الحديثة في فترة الانتداب وتوسعت مع موجات اللاجئين والاستقرار السكاني، وكان من بين سكانها الجدد الكرد والسريان والآشوريون والأرمن والعرب. وتوضح إحصاءات عام 1939 أن القامشلي كانت تضم أعداداً كبيرة من الكرد والمسيحيين معاً، وهو ما يعكس الطبيعة المتعددة للمجتمع الذي نشأ في الجزيرة في تلك المرحلة.

أما عامودا، فقد أصبحت من أهم المراكز الكردية في الجزيرة، كما توسع الاستقرار الكردي في الدرباسية والمالكية وعين ديوار والمناطق المحيطة بها. وفي إحصاء عام 1939 كان عدد الكرد في عامودا يقدر بنحو 11,260 شخصاً، وفي الدرباسية بنحو 7,899، وفي عين ديوار بنحو 3,608، وفي ديريك بنحو 1,685، مع اختلاف طبيعة الإحصاءات وحدود المناطق التي شملتها.

لكن الهجرة الكردية لم تقتصر على القادمين بعد ثورة الشيخ سعيد وآرارات. ففي الثلاثينيات جاءت موجة أخرى من منطقة درسيم، ولا سيما بعد العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة وما رافقها من قمع وتهجير. وكان من بين القادمين كرد علويون استقر بعضهم في مناطق شمال غربي سورية، وخصوصاً عفرين/منطقة عفرين ومابتا ومحيطها. وتشير المصادر إلى أن جماعات من كرد درسيم الذين فروا من العمليات العسكرية استقروا في هذه المنطقة خلال الثلاثينيات.

وبذلك لم يكن النزوح الكردي من تركيا إلى سورية محصوراً في الجزيرة؛ فهناك مسار آخر باتجاه عفرين وحلب ومحيطها، ومسارات أخرى ارتبطت بمناطق الحدود الشمالية. لكن الجزيرة بقيت أهم مركز لاستقبال المهاجرين واللاجئين الكرد القادمين من جنوب شرقي تركيا خلال فترة الانتداب.

ومن المهم كذلك التوقف عند مسألة الأعداد. فليس من الدقة القول إن هناك رقماً واحداً يمثل جميع الكرد الذين هاجروا من تركيا إلى سورية. فبعض الدراسات تقدر موجات العشرينيات بنحو 20–25 ألف شخص، بينما تتحدث وثائق أخرى عن أعداد أكبر عند جمع موجات اللاجئين المختلفة من الأرمن والكرد وغيرهم. وفي وثيقة فرنسية تعود إلى كانون الثاني/يناير 1925 ورد رقم يقارب 96,450 لاجئاً قادمين من تركيا، لكن الرقم يشمل الكرد والأرمن معاً، ولا يجوز استخدامه باعتباره رقماً للهجرة الكردية وحدها.

ثم إن الهجرة لم تتوقف سنة 1930. فقد استمرت حركة انتقال العائلات والقبائل عبر الحدود، واستمر الاستقرار الزراعي في الجزيرة خلال الثلاثينيات، ولذلك ازداد عدد القرى والسكان بصورة كبيرة. وفي عام 1939 أصبحت مناطق مثل القامشلي والمالكية والدرباسية وعامودا تضم كثافة كردية كبيرة، فيما بقيت مناطق أخرى من الجزيرة ذات أغلبية عربية أو مسيحية أو مختلطة.

وكان لهذا التغير الديموغرافي أثر كبير على الحياة السياسية في الجزيرة. ففي الثلاثينيات ظهرت تحالفات واتصالات بين بعض الزعامات الكردية وشخصيات سريانية وآشورية وأرمنية، وظهرت مطالب تتعلق بالحكم المحلي وحماية الأقليات في ظل الانتقال من الانتداب الفرنسي إلى الدولة السورية. ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة حاجو آغا من الجانب الكردي، وميشيل دومه وحنا هبه من الشخصيات المسيحية في الجزيرة، وإن كانت مواقف القوى المختلفة متباينة ولم تكن هناك جبهة واحدة ثابتة تمثل جميع سكان المنطقة.

ومن المهم أيضاً ألا نرسم صورة مثالية للعلاقات بين جميع الجماعات. فقد شهدت الجزيرة في الثلاثينيات توترات وصدامات محلية بين عشائر كردية وعربية ومجموعات مسيحية، وكانت الأحداث تتأثر بسياسات الانتداب الفرنسي وبالصراع بين القوى المحلية والحكومة المركزية. ومن الأحداث المعروفة هجوم عام 1937 على عامودا الذي شارك فيه رجال من عشائر الدقوري وميلان وكيكي بقيادة الزعيم الكردي سعيد آغا الدقوري، وأسفر عن مقتل وإحراق وفرار أعداد من سكان البلدة، وكان من نتائج الأحداث فرار نحو 300 عائلة مسيحية إلى القامشلي والحسكة بحسب المصادر التي توثق الحادثة. وهذه الواقعة مثال على أن تاريخ الجزيرة لم يكن مجرد قصة تعايش هادئ، بل شهد أيضاً صراعات وتوترات محلية ينبغي وضعها في سياقها التاريخي وعدم تعميمها على جميع الكرد أو جميع العشائر.

ومن بين الزعامات العشائرية التي تبرز في تاريخ كرد الجزيرة خلال تلك الفترة يمكن ذكر حاجو آغا الهفيركي، قدور بك، خليل بك إبراهيم باشا، خلف آغا من التشيتية، وسعيد آغا الدقوري، إلى جانب عشرات الزعماء المحليين الذين كانت لهم سلطة فعلية على عشائرهم وقراهم. لكن نفوذ هؤلاء لم يكن موحداً، ولم يكونوا جميعاً على موقف سياسي واحد؛ فبعضهم تعاون مع الفرنسيين، وبعضهم تعاون مع قوى سورية أو تركية، وبعضهم انخرط في الحركة القومية الكردية، وبعضهم اتخذ مواقف محلية مرتبطة بمصالح عشيرته.

وإذا أردنا رسم خريطة تقريبية لأصول بعض الجماعات الكردية التي استقرت في الجزيرة السورية، فيمكن القول إن الهفيركان ارتبطوا بمناطق جنوب شرقي الأناضول، ووصل قسم كبير منهم مع حاجو آغا؛ وإن الملية ارتبطوا بالمنطقة الواقعة بين أورفا وماردين؛ وإن الكيكان والدقوري ارتبطوا بماردين ومحيطها؛ وإن التشيتية ارتبطوا بالمناطق الجبلية في أديامان؛ وإن الحسنان والهارونان والأليكان ارتبطوا بالمناطق الجبلية شمال ديريك وعين ديوار. وهذه ليست حدوداً صلبة للقبائل، بل هي توصيفات تاريخية لمناطق الأصل أو الاستقرار التي توردها الدراسات الجغرافية عن الجزيرة.

وهناك أيضاً عشائر كردية كبيرة ارتبط اسمها بتاريخ الجزيرة وشمال سورية لاحقاً، مثل الملية والكيكان والهفيركان والدقوري والميلان، إلى جانب عشائر وفروع كثيرة أخرى، لكن ينبغي عدم الخلط بين العشائر التي كانت موجودة في المنطقة قبل رسم الحدود الحديثة وبين العشائر التي جاءت إليها في موجات اللجوء خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

أما من حيث التسلسل الزمني، فيمكن تلخيص أبرز مراحل النزوح الكردي من تركيا إلى سورية على النحو التالي: بدأت حركة الانتقال بالتوسع بعد الحرب العالمية الأولى، ثم جاءت ثورة الشيخ سعيد سنة 1925 لتطلق واحدة من أهم موجات اللجوء، ثم جاءت ثورة آرارات بين 1927 و1930 وما رافقها من عمليات عسكرية وتهجير، وفي 1927 وصل حاجو آغا إلى قبور البيض مع أكثر من 600 عائلة، ثم جاءت موجات جديدة سنة 1929 وما بعدها، وفي الثلاثينيات وصل لاجئون كرد من مناطق أخرى، ومن أبرزها درسيم، واستمر الاستقرار الزراعي وتأسيس القرى حتى أواخر عهد الانتداب.

وهكذا، فإن وجود الكرد في الجزيرة السورية هو نتيجة تداخل عدة عوامل: وجود كردي أقدم سابق على الحدود الحديثة، وحركة قبلية واقتصادية عبر الحدود، ولجوء سياسي وعسكري بعد الثورات الكردية في تركيا، وسياسة الانتداب الفرنسي في استقبال وإعادة توطين اللاجئين، ثم استمرار الهجرة العائلية والاقتصادية في العقود التالية.

ولا يمكن اختزال هذه القصة في عبارة "هجرة الكرد إلى سورية"، كما لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فهناك كرد كانوا يعيشون في منطقة الجزيرة قبل تشكل الحدود الحديثة، وهناك قبائل عبرت الحدود بصورة تدريجية، وهناك آلاف اللاجئين الذين فروا بعد 1925 و1927–1930، وهناك كرد من درسيم وصلوا في الثلاثينيات، ثم استمرت الهجرة بأشكال مختلفة خلال العقود اللاحقة.

وبحلول نهاية الثلاثينيات كانت الجزيرة السورية قد أصبحت منطقة شديدة التنوع، تضم الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن واليزيديين وغيرهم، وكان لكل جماعة تاريخ مختلف في الوصول والاستقرار. وكان هذا التنوع نتيجة عقود من الحروب والهجرات وإعادة رسم الحدود، وليس نتيجة حدث واحد.

ومن هنا فإن أسماء مثل حاجو آغا الهفيركي، قدور بك، خليل بك إبراهيم باشا، خلف آغا، سعيد آغا الدقوري، وأسماء العشائر مثل الهفيركان، الملية، الكيكان، الدقوري، الميلان، التشيتية، الحسنان، الهارونان والأليكان، ترتبط بمرحلة مهمة من تاريخ تشكل المجتمع الكردي في الجزيرة السورية.

ويبقى من الضروري عند كتابة تاريخ هذه المرحلة أن نفرق بين التهجير القسري واللجوء السياسي من جهة، وبين الهجرة القبلية والاقتصادية الطبيعية من جهة أخرى، وأن ننتبه إلى أن الحدود السورية ـ التركية فصلت عشائر وعائلات كانت لها علاقات قديمة عبر المنطقة، ثم جاءت ثورات عشرينيات القرن العشرين وسياسات الدولة التركية والانتداب الفرنسي لتجعل من عبور الحدود ظاهرة واسعة النطاق.

وهكذا، فإن المدن والبلدات السورية مثل القامشلي، عامودا، الدرباسية، القحطانية، المالكية، عين ديوار، رأس العين، تل حميس، عفرين وغيرها أصبحت خلال القرن العشرين موطناً لجماعات كردية جاءت في مراحل مختلفة، بعضها من ماردين ونصيبين وأورفا وديار بكر وأديامان ودرسيم ومناطق جنوب شرقي الأناضول، حاملة معها أسماء العشائر والقرى واللهجات والعادات والذاكرة التي بقيت مرتبطة بالضفة الأخرى من الحدود.

وبذلك اكتملت خلال النصف الأول من القرن العشرين واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل سكان شمال سورية: السريان والآشوريون والكلدان الذين فروا من جنوب شرقي الأناضول، والأرمن الذين وصلوا بعد موجات الترحيل والمجازر ثم بعد انهيار مشروع العودة إلى كيليكيا، والكرد الذين لجؤوا أو انتقلوا من تركيا في أعقاب الثورات والصراعات والسياسات الجديدة، فالتقت هذه الجماعات في الجزيرة وحلب ومدن سورية أخرى، وأسهمت مع السكان العرب وغيرهم في تشكيل المجتمع السوري الحديث.


الساعة الآن 04:05 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke