![]() |
يحقّ لي أن أدعوك صديقًا، رغم فارق السنّ بيننا، بل يحقّ لي أن أقول إنّك كنتَ صديقًا عز
يحقّ لي أن أدعوك صديقًا، رغم فارق السنّ بيننا، بل يحقّ لي أن أقول إنّك كنتَ صديقًا عزيزًا وأخًا كبيرًا، لأنُني عهدتك أمينًا وصادقًا، واسع المعرفة، ومُحبًّا من القلب لبلدة آزخ وأهلها أينما حلّوا، ولتاريخها وذاكرتها ورجالاتها الذين تركوا بصماتهم في مسيرتها، ثم في مسيرة ديريك وأهلها.
صديقي المحب والمبارك، وجاري الكريم، أبو جوزيف... يوم كنّا في ديريك، في حارة واحدة، كم كنتُ آتي إليك في بيتك، أجلس بقربك وأسألك عن أمور كثيرة تخصّ تاريخ آزخ وشعبها، وعن شخصيّات آزخيّة كان لها حضورها وأثرها في حياة البلدة وأبنائها، ثم عن ديريك وأهلها وذاكرتها وأيّامها. كنتَ يومها بحرًا زاخرًا بالمعرفة، تعطي من هذا البحر بسخاء، وكان يرافق عطاءك شوقٌ عجيب إلى أن تحكي وتروي وتكشف ما اختزنته الذاكرة. كنت أسألك عن فكرة، أو موقف، أو حادثة، أو مكان، أو شخصيّة آزخية ذات اعتبار، فكنتَ تغمرني بمحبّة الإجابة، وتفتح أمامي أبوابًا من التاريخ لم أكن أعرفها. لم تكن الشهادات الأكاديمية العالية هي التي صنعت معرفتك، ولم يكن غيابها يومًا عيبًا ينتقص من قيمتك؛ فقد كان لديك ما هو أبقى من الشهادات: ذاكرة حيّة، ومحبة صادقة، وفضول معرفي، وقدرة نادرة على حفظ التفاصيل التي يُخشَى عليها من الضياع. كان في داخلك بحرٌ من المعلومات، وفي أعماق ذاكرتك الكثير من الأسرار والحكايات التي لم تصل إلى الكتب. وكم كشفتَ لي عن بعضها، فنشرتُ شيئًا منها، بينما بقي الكثير منها حبيس الذّاكرة، لأسباب واعتبارات كثيرة. واليوم، يا أبا جوزيف، أقف أمام خبر رحيلك بقلب مُثقل بالحزن. قبل أشهر قليلة، غادرت شريكة حياتك رحلة العمر، وانتقلت إلى ديار الرب. واليوم، الجمعة 25 أيلول، تلحق بها. وأشعر أنّ الفراق كان قد أثقل قلبك، وأنُ الحنين إليها كان أقوى من قدرتك على الاحتمال، فرفعتَ نداءك إلى السماء، حيث لا وجع ولا مرض، ولا خوف ولا فراق، وحيث وعد الربّ يسوع المسيح أحبّاءه بالحياة الأبديّة. كم كنتُ أتمنى أن أتواصل معك، ولو لساعة واحدة فقط، لأستعيد معك بعض الذّكريات، ولأسمع صوتك، ولأفتح معك صفحات من ذلك الماضي الجميل الذي جمعنا في ديريك. وفي كلّ مرة كنت أحاول الاتصال، كانت ابنتك أو إحدى إبنة أختك تُخبرني أنّ وضعك الصّحيّ لا يسمح، وأنّ حاسة السمع لديك قد تراجعت كثيرًا. فكنت أحترم وضعك، وأتفهمه، وأقدّر ظروفك، وأؤجل الاتصال مرة بعد أخرى، على أمل أن يأتي يوم نستطيع فيه أن نلتقي من جديد، ولو عبر الهاتف. لكنّ ذلك اليوم لم يأتِ. وها أنا اليوم أشعر بحسرة كبيرة، حسرة أنّني لم أسمعْ صوتك بعد كلّ هذه السُنوات، ولم أرَ صورتك، ولم أجلس معك من جديد، ولم نفتح معًا دفاتر تلك الأيام البعيدة. فمنذ أن غادرتُ سوريا سنة 1986، لم أركْ ولم ألتقِ بك. سمعت، عندما سألت عنك، أنّك انتقلت إلى حلب، ثم غادرتَها طائرًا مُغرّدًا إلى بلاد المهجر، مثلنا ومثل كثيرين من أبناء ديريك وسوريا، الذين حملوا معهم أوطانهم في الذاكرة، وتركوا وراءهم البيوت والحارات والوجوه والذكريات. واليوم، يا صديقي الغالي، أنت لا تغادر إلى غربة جديدة. لقد وصلتَ إلى الوطن الأبديّ. إلى حيث لا غربة، ولا مرض، ولا شيخوخة، ولا ألم، ولا فراق. إلى حيث تلتقي من جديد بشريكة حياتك، في حضرة الربّ، في الرجاء الذي لا يَخِيب، وفي القيامة التي نؤمن بها وننتظرها. نَمْ قرير العين، أيّها النبيل، الأصيل، الطيب، المحب. فقد ألقيتَ عن كاهلك تعب الحياة، ووضعتَ أثقال السنين، وسلّمتَ الروح إلى خالقها. وإنّا، وإن كان الحزن اليوم يثقل القلب، فإنّ إيماننا المسيحيّ يعلّمنا أنّ الموت ليس الكلمة الأخيرة، وأن الذين رقدوا على رجاء القيامة ليسُوا في العدم، بل هم في انتظار ذلك اليوم المجيد، يوم يقوم الموتى وتُستَعلَن الحياة التي لا تزول. يا أبا جوزيف، ستبقى في الذّاكرة أكثر من اسمٍ مرّ في حياتنا، ستبقى جزءًا من ذاكرة آزخ وديريك، ومن حكايات أناس وأيّام ربما بدأت تتلاشى، لكنّك حملتَ منها الكثير في قلبك وذاكرتك. وسيبقى في قلبي شيء منك: جلساتنا، أسئلتي، إجاباتك، شغفك بالتاريخ، ومحبتك لآزخ وأهلها، وتلك الرغبة الجميلة في أن يبقى الماضي حيًّا في ذاكرة الأبناء. أودّعك اليوم لا بكلمة «وداعًا» فقط، بل برجاء القيامة. فإيماننا يقول إنّنا، وإن افترقنا هنا، سنلتقي هناك. الراحة الأبدية أعطِهِ يا ربّ، ولتُشرِق عليه أنوارُ وجهك. وليكن قبرك نورًا، وذكراك بركة، وسيرتك الطيبة عزاءً لكلّ من عرفك وأحبّك. تعازينا القلبية لابنك ولابنتك ولعائلتك ومحبّيك جميعًا، ولتكن مشيئة الرب، الذي له المجد إلى الأبد. المسيح قام... حقًّا قام. إلى أن نلتقي في ملكوت السماوات، نم بسلام يا أبا جوزيف. المسيح معك، ولروحك الرحمة والراحة الأبدية. آمين. |
| الساعة الآن 05:09 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke