![]() |
مناسبات دينيّة وتقاليد شعبيّة تختزن الذاكرة المَشرقيّة إرثًا إيمانيًّا وشعبيًّا عريق
مناسبات دينيّة وتقاليد شعبيّة
تختزن الذاكرة المَشرقيّة إرثًا إيمانيًّا وشعبيًّا عريقًا يتشابك فيه البُعدان الرّوحيّ والاجتماعيّ في نسيجٍ واحد، تَتَجلَّى أبهى مظاهره في ثلاث مناسبات دينيّة جليلة احتفلت وما زالت تحتفل بها أغلب الطوائف المسيحيّة في بلاد المشرق، وهي عيد الصّليب وعيد الصّعود وعيد الغطّاس. ففي عيد الصّليب، الذي تُحيي فيه الكنائس ذكرَيين جليلتين: الأولى هي العُثُور على عود الصّليب المُقدّس على يد القديسة هيلانة أمّ الملك قسطنطين عام 326م، والثّانية هي تَدشين كنيسة القيامة واسترجاع الصّليب من الفُرس على يد الإمبراطور هِرَقِل عام 628م _ حيث يُحتفل به لدى الطوائف التي تتتبع التقويم الغربي (النيقية والمقترنة بروما) في الرابع عشر من أيلول/سبتمبر، بينما تحتفل به الطوائف التي تتتبع التقويم الشّرقيّ في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر _ جرت العادة الشّعبيّة المُتوارَثة أن يقوم المؤمنون بإشعال حطب النّيران حتى يرتفع لهيبها في السّماء رمزًا للنّار، التي أُوِقَدت قديمًا على قِمم الجبال لإيصال خبر اكتشاف الصّليب، ثمّ يبدأ الشّبّان والفِتيَة بالقفز فوقها ذَهابًا وإيابًا في أجواء من البهجة والفرح، وهي عادة شعبيّة قديمة عرفها الآباء والأجداد مُذ كانوا في بلدتهم العريقة آزخ، وظلُّوا مُتَمَسِّكِين بها وحملوها معهم إلى مواطنهم الجديدة، التي سكنُوها عقب أحداث "السيفو" وما تلاها من مجازر وتَعدّيات وضُغوط مارستها السلطات العُثمانيّة والتركيّة فيما بعد، مَدعُومة ببعض العشائر الكرديّة. وتَتواصل هذه المَسيرة الرّوحيّة والشّعبيّة لتصلَ إلى عيد الصُّعُود، وهو الذّكرى المُبَاركة لِصُعُود السيّد المسيح إلى السّماء بجسده في اليوم الأربعين بعد قيامته المَجيدة، ولذا يقع دومًا في يوم خميس يتغيّر تاريخه سنويًّا بحسب تاريخ عيد القيامة (بين أواخر نيسان/أبريل وحزيران/يونيو وفق التقويمين الشرقي والغربي)، وفي هذا اليوم درجت العادة أن يصنع المؤمنون لأبنائهم "الزَّمزيلوق"، وهو عبارة عن أرجوحة تُشَدّ حبالُها بين شجرتين مُتقابلتين وتوضُع في وسطها بَطّانيّة على شكل سرير صغير يجلس عليه الأطفال لتتمّ المرجحة بالدّفع المُتَكَرِّر وسط فرحة العائلات ونسمات الرّبيع. أمّا عيد الغطّاس (عيد الدّنح)، الذي يُحيِي ذكرى مَعمودية السيّد المسيح في نهر الأردن على يد القديس يوحنا المعمدان وظهور السّرّ الإلهي (الثيوفانيا)، وتستعيد فيه الكنائس هذه الذّكرى في السادس من كانون الثاني/يناير لدى أصحاب التقويم الغربيّ وفي التاسع عشر منه لدى أصحاب التقويم الشّرقيّ، فيُعرَف في الوجدان الشعبي بـ "عيد الرّشّيش"؛ حيث ينطلق الصّغار والكبار في مظاهر إبتهاج سِرّيّة لِقَذف الماء على المارّة في الطُّرُقات، فيسود الفرح والسرور دون أن يُثير ذلك أيَّ ردّ فعلٍ غاضبٍ مِن أحدٍ، بل يستقبلُ الجميعُ المياهَ بابتسامةٍ وتَرحاب لأنّها عادةٌ دارجة مارسُوها هم أيضًا حين كانُوا في أعمارهم، لتظلَّ هذه التّقاليد حَيّةً تنبضُ بالوفاء وتَصِلَ الحاضر بالماضي. بقلم: فؤاد زاديكي |
| الساعة الآن 03:59 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke