![]() |
نَرْجِسِيّةُ القَوْمِيّاتِ وَالأَدَبُ المَغْشُوشُ بقلم: فؤاد زاديكي تَتَفَاوَتُ الشُّ
نَرْجِسِيّةُ القَوْمِيّاتِ وَالأَدَبُ المَغْشُوشُ
بقلم: فؤاد زاديكي تَتَفَاوَتُ الشُّعُوبُ فِي أُسْلُوبِ عِشْقِهَا لِذَوَاتِهَا، غَيْرَ أَنَّ الظَّاهِرَةَ الأَكْثَرَ شُيُوعاً وَتَأْثِيراً فِي مَسَارِ الأُمَمِ هِيَ جُنُوحُ الأدَبِيّاتِ القَوْمِيَّةِ نَحْوَ تَضْخِيمِ الخَصَائِصِ الذَّاتِيَّةِ وَرَسْمِ صُورَةٍ نَرْجِسِيَّةٍ لِلأَنَا المَجْمُوعِيَّةِ، وَذَلِكَ غَالِباً عَلَى حِسَابِ القَوْمِيّاتِ المُلَاصِقَةِ أو الشَّرِيكَةِ فِي الجُغْرَافْيَا وَالتَّارِيخِ. وهَذِهِ الظَّاهِرَةُ، وإنْ وُجِدَتْ لَهَا مُبَرِّرَاتٌ تَعْوِيضِيَّةٌ أَوْ دِفَاعِيَّةٌ كَشَحْذِ الهِمَمِ فِي لَحَظَاتِ التَّهْدِيدِ الأَكْبَرِ أَوْ رَدَّاتِ الفِعْلِ عَلَى التَّهْمِيشِ، تَبْقَى سُلُوكاً غَيْرَ صِحِّيٍّ؛ إذْ سَرْعَانَ مَا تَتَحَوَّلُ مِنْ شُعُورٍ طَبِيعِيٍّ بِالانْتِمَاءِ إلَى مَرَضٍ يُلْغِي الآخَرَ، ويَسْتَبْدِلُ الحَقَائِقَ بِالأَسَاطِيرِ. تَتَشَابَكُ دَوَاعِي هَذَا التَّضْخِيمِ بَيْنَ رَغْبَةٍ جَامِحَةٍ فِي تَمَاسُكِ الجَمَاعَةِ وتأمينِ خُطُوطِ دِفَاعِهَا الوجدانيَّةِ، وبَيْنِ النَّزُوعِ نَحْوَ مُدَاوَاةِ عُقَدِ النَّقْصِ أو الانْكِسَارَاتِ التَّارِيخِيَّةِ لَدَى أُمَمٍ أُنْهِكَتْ بِالاسْتِعْمَارِ أو القَهْرِ. كَمَا أنَّ للنُّخَبِ السياسِيَّةِ والفكريّةِ دوراً بَارِزاً فِي اسْتِغْلَالِ هَذَا الأُسْلُوبِ لتَعْبِئَةِ الجَمَاهِيرِ وحَشْدِهَا ضِدَّ "آخَرَ" مُفْتَرَضٍ أَوْ حَقِيقِيٍّ. وتتجلَّى هَذِهِ الآلِيَّةُ أُسْلُوبِيّاً فِيمَا يُسَمَّى "المِيثُولُوجْيَا القَوْمِيَّةَ"؛ حَيْثُ يُعَادُ صِيَاغَةُ التَّارِيخِ بانْتِقَاءٍ مُغَرَضٍ، ويُعْمَدُ إلَى صَبْغِ الذَّاتِ بِصِفَاتِ النَّقَاءِ وَالرِّسَالَةِ الخَلَاصِيَّةِ الفريدةِ، مَعَ شَيْطَنَةِ الآخَرِ أو تَقْزِيمِ إِسْهَامَاتِهِ الحضاريةِ. إنَّ القِرَاءَةَ المُنْصِفَةَ لِمَسَارِ المِنْطَقَةِ تُشِيرُ إلَى أَنَّ القَوْمِيّةَ التُّرْكِيَّةَ الحَدِيثَةَ فِي أَبّانِ تَشَكُّلِهَا – عَبْرَ مَفَاهِيمِ التَّتْرِيكِ وَإِعَادَةِ هَيْكَلَةِ العَقْلِ الجَمْعِيِّ – شَكَّلَتْ صَدْمَةً هَزَّتْ المَشْهَدَ، وَدَفَعَتْ الأدَبِيَّاتِ القَوْمِيَّةَ العَرَبِيَّةَ نَحْوَ اللُّجُوءِ المُثَاقِلِ إلَى أَمْجَادِ المَاضِي والرِّسَالَةِ الخَالِدَةِ كَأَدَاةٍ لِتَأْكِيدِ الذَّاتِ والاسْتِقْلَالِ الثَّقَافِيِّ. وَفِي هَذَا المَنَاخِ المَشْحُونِ، ولِيدَةَ الظُّلْمِ وَالقَمْعِ الَّذِي طَالَهُمْ، لَجَأَ الكُرْدُ فِي الأدَبِيّاتِ القَوْمِيَّةِ الكُرْدِيَّةِ الحَدِيثَةِ إلَى شَحْذِ صُوَرِ الهُوِيَّةِ وَنِسْبَتِهَا إلَى أُصُولٍ أُسْطُورِيَّةٍ أَوْ سَحِيقَةٍ كِيَانِيّاً، فِي إِطَارِ فِعْلٍ وَرَدِّ فِعْلٍ يَقُومُ عَلَى التَّصَارُعِ الهُوِيَّاتِيِّ المَفْتُوحِ. إنَّ النَّتَائِجَ المَحْتُومَةَ لِهَذِهِ المَغَالَاةِ تَكُونُ وَخِيمَةً عَلَى الجَمِيعِ؛ فَهِيَ تُنْتِجُ "نَرْجِسِيَّةً قَوْمِيَّةً" تُغَذِّي المَظْلُومِيَّاتِ المُنْقَلِبَةَ إلَى اسْتِعْلَاءٍ، وتُحَوِّلُ النَّتَاجَ الأَدَبِيَّ والمَعْرَفِيَّ مِنْ مَسَاحَةٍ لِلإِبْدَاعِ والنَّقْدِ الذَّاتِيِّ إلَى مُجَرَّدِ أَبْوَاقٍ لِلدِّعَايَةِ المُتَهَاوِيَةِ. وَبَدَلاً مِنْ أنْ يَكُونَ التَّارِيخُ المَشْتَرَكُ سَاحَةً لِلإِغْرَاءِ الحَضَارِيِّ وَالتَّفَاهُمِ، يَتَحَوَّلُ إلَى "حَلَبَةِ صِرَاعٍ صِفْرِيٍّ" على الأَصَالَةِ وَالسَّبْقِ. ولَا مَخْرَجَ لِلأُمَمِ مِنْ هَذَا النَّفَقِ المَغْلُوقِ إلَّا بِالانْتِقَالِ مَنْ أدَبِيّاتِ "نَفْيِ الآخَرِ" إلَى أدَبِيّاتِ "الاعْتِرَافِ والتَّكَامُلِ"، حَيْثُ يُقَاسُ رُقِيُّ القَوْمِيّةِ بِمَا تُقَدِّمُهُ مِنْ إِسْهَامٍ إنْسَانِيٍّ نَاقِدٍ وَخَلَّاقٍ، لا بِمَا تَمْحُوهُ مِنْ ثَقَافَاتِ جِيرَانِهَا. |
| الساعة الآن 10:21 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke